البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الخامس
الرَّابِعَةُ فِي الِاسْتِدَانَةِ لِأَجْلٍ الْعِمَارَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ غَلَّةٌ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ هِلَالٌ إذَا احْتَاجَتْ الصَّدَقَةُ إلَى الْعِمَارَةِ وَلَيْسَ فِي يَدِ الْقَيِّمِ 227 مَا يُعَمِّرُهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَجِبُ ابْتِدَاءً إلَّا فِي الذِّمَّةِ وَلَيْسَ لِلْوَقْفِ ذِمَّةٌ وَالْفُقَرَاءُ وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ ذِمَّةٌ إلَّا أَنَّهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ لَا تُتَصَوَّرُ مُطَالَبَتُهُمْ فَلَا يَثْبُتُ الدَّيْنُ بِاسْتِدَانَةِ الْقَيِّمِ إلَّا عَلَيْهِ وَدَيْنٌ يَجِبُ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ قَضَاءَهُ مِنْ غَلَّةٍ هِيَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ الْقِيَاسَ هَذَا لَكِنْ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ فِيمَا فِيهِ ضَرُورَةٌ نَحْوُ أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ زَرْعٌ يَأْكُلُهُ الْجَرَادُ وَيَحْتَاجُ إلَى النَّفَقَةِ لِجَمْعِ الزَّرْعِ أَوْ طَالَبَهُ السُّلْطَانُ بِالْخَرَاجِ جَازَ لَهُ الِاسْتِدَانَةُ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُتْرَكُ لِلضَّرُورَةِ .
قَالَ وَالْأَحْوَطُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَوْنُهَا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ أَعَمُّ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وِلَايَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْ الْحَاكِمِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَدِينَ بِنَفْسِهِ وَهَذَا الَّذِي رُوِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أَكْلِ الْجَرَادِ وَالزَّرْعِ وَبَيْنَ الْخَرَاجِ وَتُتَصَوَّرُ الِاسْتِدَانَةُ فِي أَكْلِ الْجَرَادِ الزَّرْعَ لِأَنَّ الزَّرْعَ مَالٌ لِلْفُقَرَاءِ وَهَذَا الدَّيْنُ إنَّمَا يُسْتَدَانُ لِحَاجَتِهِمْ فَأَمْكَنَ إيجَابُ الدَّيْنِ فِي مَالِهِمْ وَأَمَّا بَابُ الْخَرَاجِ فَلَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ غَلَّةٌ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الِاسْتِدَانَةِ لِأَنَّ الْغَلَّةَ تُبَاعُ وَيُؤَدَّى مِنْهَا الْخَرَاجُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ غَلَّةٌ فَلَيْسَ هُنَا إلَّا رَقَبَةُ الْوَقْفِ وَرَقَبَةُ الْوَقْفِ لَيْسَتْ لِلْفُقَرَاءِ .
وَلَا يَسْتَقِيمُ إيجَابُ دَيْنٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْفُقَرَاءُ فِي مَالٍ لَيْسَ لَهُمْ فَهَذَا الْفَصْلُ مُشْكِلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ غَلَّةٌ وَكَانَ بَيْعُهَا مُتَعَذِّرًا فِي الْحَالِ وَقَدْ طُولِبَ بِالْخَرَاجِ قَالُوا لَيْسَ قَيِّمُ الْوَقْفِ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَى الْوَقْفِ كَالْوَصِيِّ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَى الْيَتِيمِ لِأَنَّ الْيَتِيمَ لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ وَهُوَ مَعْلُومٌ فَتُتَصَوَّرُ مُطَالَبَتُهُ .
أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْيَتِيمِ شَيْئًا بِنَسِيئَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ قَيِّمُ وَقْفٍ طُلِبَ مِنْهُ الْجِبَايَاتُ وَالْخَرَاجُ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ الْوَاقِفِ شَيْءٌ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَدِينَ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ أَمَرَ الْوَاقِفُ بِالِاسْتِدَانَةِ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالِاسْتِدَانَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدَانَةِ بُدٌّ يُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالِاسْتِدَانَةِ ثُمَّ يَرْجِعَ فِي الْغَلَّةِ لِأَنَّ لِلْقَاضِي هَذِهِ الْوِلَايَةَ وَإِنْ كَانَ لَهَا بُدٌّ لَيْسَ لِلْقَاضِي هَذِهِ الْوِلَايَةُ وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ الْمُتَوَلِّي إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الْوَقْفِ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ فِي ثَمَنِ الْبَذْرِ إنْ أَرَادَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَهُ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ الِاسْتِدَانَةَ عَلَى الْوَقْفِ فَيَمْلِكُ الْمُتَوَلِّي ذَلِكَ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَفِيهِ رِوَايَتَانِ .
وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ مَا قَالَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَيِّمُ الْوَقْفِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِمَرَمَّةِ الْمَسْجِدِ بِدُونِ إذْنِ الْقَاضِي قَالُوا لَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي مَالِ الْمَسْجِدِ وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْمَرَمَّةِ مِنْ مَالِهِ كَالْوَصِيِّ فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَإِنْ أَدْخَلَ الْمُتَوَلِّي جِذْعًا مِنْ مَالِهِ فِي الْوَقْفِ جَازَ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ . ا هـ .
وَفِي الْخُلَاصَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْجِذْعِ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَبِيعَ الْجِذْعَ مِنْ آخَرَ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ لِأَجْلِ الْوَقْفِ ثُمَّ يُدْخِلَهُ فِي دَارِ الْوَقْفِ ا هـ .
وَفَسَّرَ قَاضِي خَانْ الِاسْتِدَانَةَ 228 عَلَى الْوَقْفِ بِتَفْسِيرَيْنِ فَقَالَ فِي الثَّانِي وَتَفْسِيرُ الِاسْتِدَانَةِ بِمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْغَلَّةِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْهَا وَاشْتَرَى شَيْئًا لِلْوَقْفِ وَنَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ مِنْ غَلَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِ الْقَاضِي كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَقْفِ غَلَّةٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَرْضِ وَالِاسْتِدَانَةِ أَمَّا إذَا كَانَ لِلْوَقْفِ غَلَّةٌ فَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِإِصْلَاحِ الْوَقْفِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ . ا هـ .
وَفِي الْقُنْيَةِ بِرَقْمِ ( يو ) قَيِّمٌ أَنْفَقَ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ بِمِثْلِهِ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ جَازَ سَوَاءٌ كَانَتْ غَلَّتُهُ مُسْتَوْفَاةً أَوْ غَيْرَ مُسْتَوْفَاةٍ . ا هـ .
ثُمَّ قَالَ وَلِلْقَيِّمِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَى الْوَقْفِ لِضَرُورَةِ الْعِمَارَةِ لَا لِتَقْسِيمِ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَقَمَ ( بَنْك ) اسْتَقْرَضَ الْقَيِّمُ لِمَصَالِحِ الْمَسَاجِدِ فَهُوَ عَلَى نَفْسِهِ وَبِرَقْمِ ( عك ) لَا أُصَدِّقُهُ فِي زَمَانِنَا وَبِرَقْمِ ( حم ) لَهُ ذَلِكَ وَبِرَقْمِ ( بق ) لَا يَسْتَدِينُ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي ثُمَّ ذَكَرَ مَا اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ . ا هـ .
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الْفَصْلِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَلَوْ أَخَذَ الْمُتَوَلِّي دَرَاهِمَ الْوَقْفِ وَصَرَفَ دَنَانِيرَ إلَى عِمَارَةِ الْوَقْفِ صَحَّ لَوْ خَيْرًا وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ يَرْجِعُ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ كَوَصِيٍّ ثُمَّ رَقَمَ ( مق ) يَرْجِعُ لَوْ شَرَطَ وَإِلَّا لَا ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ الِاسْتِدَانَةَ لِضَرُورَةِ مَصَالِحِ الْوَقْفِ تَجُوزُ لَوْ أَمَرَ الْوَاقِفُ وَإِلَّا فَالْمُخْتَارُ أَنْ يَرْفَعَ إلَى الْقَاضِي لِيَأْمُرَ بِهَا ثُمَّ رَقَمَ ( فط ) الْأَحْوَطُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْحُضُورُ لِبُعْدِهِ فَيَسْتَدِينُ بِنَفْسِهِ وَقِيلَ يَصِحُّ بِلَا رَفْعٍ وَلَوْ أَمْكَنَ ا هـ .
وَفِي الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ قَيِّمُ الْوَقْفِ لَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ فِي عِمَارَةِ الْوَقْفِ فَلَوْ أَشْهَدَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَإِلَّا فَلَا ا هـ .
وَفِي الْحَاوِي وَيَجُوزُ لِلْمُتَوَلِّي إذَا احْتَاجَ إلَى الْعِمَارَةِ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الْوَقْفِ وَيَصْرِفَ ذَلِكَ فِيهَا وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ . ا هـ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هِلَالًا مَانِعٌ مِنْ الِاسْتِدَانَةِ مُطْلَقًا وَحَمَلَهُ ابْنُ وَهْبَانَ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي وَادَّعَى أَنَّهُ إذَا كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَالظَّاهِرُ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّرَسُوسِيُّ خِلَافُهُ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ تَعْلِيلِهِ وَأَمَّا غَيْرُ هِلَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الِاسْتِدَانَةَ مُطْلَقًا لِلْعِمَارَةِ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ إنْ كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ لَا يَسْتَدِينُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ فَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَالْعِمَارَةُ لَا بُدَّ لَهَا فَيَسْتَدِينُ لَهَا بِأَمْرِ الْقَاضِي وَأَمَّا غَيْرُ الْعِمَارَةِ فَإِنْ كَانَ لِلصَّرْفِ عَلَى الْمُسْتَحَقِّينَ لَا تَجُوزُ الِاسْتِدَانَةُ وَلَوْ بِإِذْنِ الْقَاضِي لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ بِقَوْلِهِ لَا لِتَقْسِيمِ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ أَعَمُّ مِنْ الْقَرْضِ وَالشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا لَوْ اسْتَقْرَضَ الْمُتَوَلِّي إنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لَهُ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا رَفَعَ إلَى الْحَاكِمِ إنْ احْتَاجَ ا هـ .
قَالَ وَالْأَحْوَطُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَوْنُهَا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ أَعَمُّ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وِلَايَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْ الْحَاكِمِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَدِينَ بِنَفْسِهِ وَهَذَا الَّذِي رُوِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أَكْلِ الْجَرَادِ وَالزَّرْعِ وَبَيْنَ الْخَرَاجِ وَتُتَصَوَّرُ الِاسْتِدَانَةُ فِي أَكْلِ الْجَرَادِ الزَّرْعَ لِأَنَّ الزَّرْعَ مَالٌ لِلْفُقَرَاءِ وَهَذَا الدَّيْنُ إنَّمَا يُسْتَدَانُ لِحَاجَتِهِمْ فَأَمْكَنَ إيجَابُ الدَّيْنِ فِي مَالِهِمْ وَأَمَّا بَابُ الْخَرَاجِ فَلَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ غَلَّةٌ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الِاسْتِدَانَةِ لِأَنَّ الْغَلَّةَ تُبَاعُ وَيُؤَدَّى مِنْهَا الْخَرَاجُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ غَلَّةٌ فَلَيْسَ هُنَا إلَّا رَقَبَةُ الْوَقْفِ وَرَقَبَةُ الْوَقْفِ لَيْسَتْ لِلْفُقَرَاءِ .
وَلَا يَسْتَقِيمُ إيجَابُ دَيْنٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْفُقَرَاءُ فِي مَالٍ لَيْسَ لَهُمْ فَهَذَا الْفَصْلُ مُشْكِلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ غَلَّةٌ وَكَانَ بَيْعُهَا مُتَعَذِّرًا فِي الْحَالِ وَقَدْ طُولِبَ بِالْخَرَاجِ قَالُوا لَيْسَ قَيِّمُ الْوَقْفِ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَى الْوَقْفِ كَالْوَصِيِّ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَى الْيَتِيمِ لِأَنَّ الْيَتِيمَ لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ وَهُوَ مَعْلُومٌ فَتُتَصَوَّرُ مُطَالَبَتُهُ .
أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْيَتِيمِ شَيْئًا بِنَسِيئَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ قَيِّمُ وَقْفٍ طُلِبَ مِنْهُ الْجِبَايَاتُ وَالْخَرَاجُ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ الْوَاقِفِ شَيْءٌ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَدِينَ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ أَمَرَ الْوَاقِفُ بِالِاسْتِدَانَةِ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالِاسْتِدَانَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدَانَةِ بُدٌّ يُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالِاسْتِدَانَةِ ثُمَّ يَرْجِعَ فِي الْغَلَّةِ لِأَنَّ لِلْقَاضِي هَذِهِ الْوِلَايَةَ وَإِنْ كَانَ لَهَا بُدٌّ لَيْسَ لِلْقَاضِي هَذِهِ الْوِلَايَةُ وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ الْمُتَوَلِّي إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الْوَقْفِ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ فِي ثَمَنِ الْبَذْرِ إنْ أَرَادَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَهُ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ الِاسْتِدَانَةَ عَلَى الْوَقْفِ فَيَمْلِكُ الْمُتَوَلِّي ذَلِكَ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَفِيهِ رِوَايَتَانِ .
وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ مَا قَالَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَيِّمُ الْوَقْفِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِمَرَمَّةِ الْمَسْجِدِ بِدُونِ إذْنِ الْقَاضِي قَالُوا لَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي مَالِ الْمَسْجِدِ وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْمَرَمَّةِ مِنْ مَالِهِ كَالْوَصِيِّ فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَإِنْ أَدْخَلَ الْمُتَوَلِّي جِذْعًا مِنْ مَالِهِ فِي الْوَقْفِ جَازَ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ . ا هـ .
وَفِي الْخُلَاصَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْجِذْعِ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَبِيعَ الْجِذْعَ مِنْ آخَرَ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ لِأَجْلِ الْوَقْفِ ثُمَّ يُدْخِلَهُ فِي دَارِ الْوَقْفِ ا هـ .
وَفَسَّرَ قَاضِي خَانْ الِاسْتِدَانَةَ 228 عَلَى الْوَقْفِ بِتَفْسِيرَيْنِ فَقَالَ فِي الثَّانِي وَتَفْسِيرُ الِاسْتِدَانَةِ بِمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْغَلَّةِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْهَا وَاشْتَرَى شَيْئًا لِلْوَقْفِ وَنَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ مِنْ غَلَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِ الْقَاضِي كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَقْفِ غَلَّةٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَرْضِ وَالِاسْتِدَانَةِ أَمَّا إذَا كَانَ لِلْوَقْفِ غَلَّةٌ فَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِإِصْلَاحِ الْوَقْفِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ . ا هـ .
وَفِي الْقُنْيَةِ بِرَقْمِ ( يو ) قَيِّمٌ أَنْفَقَ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ بِمِثْلِهِ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ جَازَ سَوَاءٌ كَانَتْ غَلَّتُهُ مُسْتَوْفَاةً أَوْ غَيْرَ مُسْتَوْفَاةٍ . ا هـ .
ثُمَّ قَالَ وَلِلْقَيِّمِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَى الْوَقْفِ لِضَرُورَةِ الْعِمَارَةِ لَا لِتَقْسِيمِ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَقَمَ ( بَنْك ) اسْتَقْرَضَ الْقَيِّمُ لِمَصَالِحِ الْمَسَاجِدِ فَهُوَ عَلَى نَفْسِهِ وَبِرَقْمِ ( عك ) لَا أُصَدِّقُهُ فِي زَمَانِنَا وَبِرَقْمِ ( حم ) لَهُ ذَلِكَ وَبِرَقْمِ ( بق ) لَا يَسْتَدِينُ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي ثُمَّ ذَكَرَ مَا اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ . ا هـ .
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الْفَصْلِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَلَوْ أَخَذَ الْمُتَوَلِّي دَرَاهِمَ الْوَقْفِ وَصَرَفَ دَنَانِيرَ إلَى عِمَارَةِ الْوَقْفِ صَحَّ لَوْ خَيْرًا وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ يَرْجِعُ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ كَوَصِيٍّ ثُمَّ رَقَمَ ( مق ) يَرْجِعُ لَوْ شَرَطَ وَإِلَّا لَا ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ الِاسْتِدَانَةَ لِضَرُورَةِ مَصَالِحِ الْوَقْفِ تَجُوزُ لَوْ أَمَرَ الْوَاقِفُ وَإِلَّا فَالْمُخْتَارُ أَنْ يَرْفَعَ إلَى الْقَاضِي لِيَأْمُرَ بِهَا ثُمَّ رَقَمَ ( فط ) الْأَحْوَطُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْحُضُورُ لِبُعْدِهِ فَيَسْتَدِينُ بِنَفْسِهِ وَقِيلَ يَصِحُّ بِلَا رَفْعٍ وَلَوْ أَمْكَنَ ا هـ .
وَفِي الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ قَيِّمُ الْوَقْفِ لَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ فِي عِمَارَةِ الْوَقْفِ فَلَوْ أَشْهَدَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَإِلَّا فَلَا ا هـ .
وَفِي الْحَاوِي وَيَجُوزُ لِلْمُتَوَلِّي إذَا احْتَاجَ إلَى الْعِمَارَةِ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الْوَقْفِ وَيَصْرِفَ ذَلِكَ فِيهَا وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ . ا هـ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هِلَالًا مَانِعٌ مِنْ الِاسْتِدَانَةِ مُطْلَقًا وَحَمَلَهُ ابْنُ وَهْبَانَ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي وَادَّعَى أَنَّهُ إذَا كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَالظَّاهِرُ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّرَسُوسِيُّ خِلَافُهُ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ تَعْلِيلِهِ وَأَمَّا غَيْرُ هِلَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الِاسْتِدَانَةَ مُطْلَقًا لِلْعِمَارَةِ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ إنْ كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ لَا يَسْتَدِينُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ فَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَالْعِمَارَةُ لَا بُدَّ لَهَا فَيَسْتَدِينُ لَهَا بِأَمْرِ الْقَاضِي وَأَمَّا غَيْرُ الْعِمَارَةِ فَإِنْ كَانَ لِلصَّرْفِ عَلَى الْمُسْتَحَقِّينَ لَا تَجُوزُ الِاسْتِدَانَةُ وَلَوْ بِإِذْنِ الْقَاضِي لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ بِقَوْلِهِ لَا لِتَقْسِيمِ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ أَعَمُّ مِنْ الْقَرْضِ وَالشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا لَوْ اسْتَقْرَضَ الْمُتَوَلِّي إنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لَهُ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا رَفَعَ إلَى الْحَاكِمِ إنْ احْتَاجَ ا هـ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث