البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الخامس
272 ( قَوْلُهُ وَأَمَّا الْحَصِيرُ وَالْقَنَادِيلُ إلَخْ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَقَالَ مُحَمَّدٌ كُلُّ ذَلِكَ لِلَّذِي وَقَفَهُ وَبَسَطَهُ يَتَصَرَّفُ فِي ذَلِكَ كَيْفَ شَاءَ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الْوَاقِفُ وَلَا وَارِثُهُ لَا بَأْسَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَدْفَعُوهُ إلَى فَقِيرٍ وَلَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ ثُمَّ يَبْتَاعُوا بِثَمَنِهِ حُصْرًا أُخَرَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمْ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَاضٍ جَازَ بَيْعُهُمْ أَقُولُ : قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَخْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنٍ لِمَا عُلِمَ مِنْ فَسَادِ قُضَاةِ هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا بَاعَهُ الْقَاضِي وَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْهُمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ( قَوْلُهُ فَقَوْلُ مَنْ قَالَ جِنْسُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ نَظَرٌ ) بَيَّنَ الْمُؤَلِّفِ وَجْهَ النَّظَرِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَلَا يُقْسَمُ بِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَمَا خَرَجَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ ( قَوْلُهُ غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ ا هـ . ) أَيْ ا هـ . كَلَامُ الْفَتْحِ .
( قَوْلُهُ وَأَقُولُ : بَلْ النَّظَرُ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ التَّدَافُعِ بَيْنَ كَلَامِ مُحَمَّدٍ غَيْرُ وَاقِعٍ لِأَنَّ بَيْعَهُ إنَّمَا هُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَدَمُ جَوَازِ الْبَيْعِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَعَلَيْهِ تَفَرَّعَ عَوْدُهُ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ فَلَا تَدَافُعَ نَعَمْ الْمَعْمُولُ بِهِ مَا رَوَاهُ هِشَامٌ كَمَا مَرَّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُوَفِّقُ كَذَا فِي النَّهْرِ ( قَوْلُهُ وَلَقَدْ رَجَعَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَى الْحَقِّ ) .
اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَقِّ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ وَمَا الْبَاطِلُ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ وَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِ الْفَتْحِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ إلَى قَوْلِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَرَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ رَدُّهُ عَلَى الصَّدْرِ الشَّهِيدِ حَيْثُ نَظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فِي الْفَتْحِ رَجَّحَ أَوَّلًا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّهُ أَوْجَهُ وَلَكِنْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ وَلَقَدْ رَجَعَ إلَى الْحَقِّ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا هُوَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ بَلْ إذَا صَارَ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ) .
حَاصِلُ هَذَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سَابِقِ كَلَامِهِ وَلَاحِقِهِ أَنَّ الْأَرْضَ إذَا كَانَتْ لِلْغَلَّةِ لَا تَخْرُجُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ بِالْخَرَابِ بَلْ الِاسْتِغْلَالُ حَاصِلٌ بَعْدَهُ بِإِيجَارِهَا لِلْبِنَاءِ أَوْ الْغِرَاسِ بِخِلَافِ الْمُعَدَّةِ لِلسُّكْنَى وَنَحْوِ الرِّبَاطِ وَالْحَانُوتِ فَإِنَّهَا بِالْخَرَابِ تَخْرُجُ عَمَّا قَصَدَهُ الْوَاقِفُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِرُجُوعِ الْوَقْفِ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ مُطْلَقًا لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدًا الْقَائِلَ بِعَوْدِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ خَرَابِهِ أَوْ تَفَرُّقِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إلَى الْمِلْكِ مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ عَوْدِ الْعِمَارَةِ قَائِمٌ وَقَدْ يُصَلِّي فِيهِ الْمُجْتَازُونَ 273 كَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ جِهَةِ أَبِي يُوسُفَ إيرَادًا عَلَى مُحَمَّدٍ .
( قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي وَهُوَ الصَّحِيحُ ) لَا تَنْسَ مَا قَدَّمْنَا آنِفًا عَنْ الرَّمْلِيِّ ( قَوْلُهُ وَأَمَّا قِيَاسُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْحَصِيرَ إلَخْ ) أَيْ حَيْثُ قَالَ فِيمَا سَبَقَ فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ فَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْبَوَارِي وَالْحُصْرُ أَنَّهَا لَا تَعُودُ إلَى الْوَارِثِ وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ صَحَّ هَذَا إلَى الْجِنَازَةِ وَالْمِلْأَةِ وَالْمُغْتَسَلِ فَقَدْ جَعَلَ الرِّوَايَةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ رِوَايَةً فِي الْحَصِيرِ وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْخَانِيَّةِ فَأَنَّهُ فِيمَا مَرَّ آنِفًا جَعَلَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي آلَاتِ الْمَسْجِدِ إذَا خَرِبَ مِنْ أَنَّهَا تَعُودُ إلَى الْمِلْكِ .
وَفِي الْجِنَازَةِ وَنَحْوِهَا مَشَى عَلَى أَنَّهَا لَا تَعُودُ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ بِكَوْنِهِ مِمَّا يُنْقَلُ يَشْمَلُ الْكُلَّ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْتُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ مَذْكُورًا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ وَاقِعَاتِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ حَيْثُ نَقَلَ أَوَّلًا مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا عَنْ الْخَانِيَّةِ مَعَ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ قَالَ وَفِي هَذِهِ الْفُصُولِ نَوْعُ إشْكَالٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ إلَى مِلْكِ الْوَارِثِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْحُصْرِ وَالْبَوَارِي وَلَئِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ تَصِيرُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ رِوَايَةً فِي الْحَصِيرِ وَالْبَوَارِي أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْوَارِثِ .
( قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ حَوْضٌ إلَخْ ) وَفِي الْخَانِيَّةِ رِبَاطٌ بَعِيدٌ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْمَارَّةُ وَبِجَنْبِهِ رِبَاطٌ آخَرُ قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو شُجَاعٍ تُصْرَفُ غَلَّتُهُ إلَى الرِّبَاطِ الثَّانِي كَالْمَسْجِدِ إذَا خَرِبَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي فَبَاعَ الْخَشَبَ وَصَرَفَ الثَّمَنَ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ جَازَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا خَرِبَ الرِّبَاطُ أَوْ الْمَسْجِدُ وَاسْتَغْنَى النَّاسُ عَنْهُمَا يَصِيرُ مِيرَاثًا وَكَذَا حَوْضُ الْعَامَّةِ إذَا خَرِبَ . ا هـ .
لَكِنْ ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْحَاوِي وَغَيْرِهِ فَهُوَ خِلَافُ الْمُفْتَى بِهِ وَخِلَافُ الصَّحِيحِ الْمَذْكُورِ فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ قَالَ وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ فَتْوَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ فِي عَصْرِنَا بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا بَلْ وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ كَالشَّيْخِ الْإِمَام أَمِينِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَالِ وَالشَّيْخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ الشَّلَبِيِّ وَالشَّيْخِ زَيْنِ بْنِ نُجَيْمٍ وَالشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْوَفَائِيِّ فَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِنَقْلِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِنَقْلِهِ وَنَقْلِ مَالِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَقَدْ مَشَى الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ سِرَاجِ الدِّينِ الْحَانُوتِيُّ عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ عَدَمِ نَقْلِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُوَافِقْ الْمَذْكُورِينَ ا هـ .
لَكِنَّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ جَعَلَ مَا ذُكِرَ خَاصًّا بِالْمَسْجِدِ أَمَّا الْحَوْضُ وَالْبِئْرُ وَنَحْوُهُمَا فَقَالَ يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى آخَرَ كَالْحَصِيرِ تَأَمَّلْ هَذَا وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ سُئِلْت عَنْهَا فِي أَمِيرٍ أَرَادَ نَقْلَ أَحْجَارٍ مِنْ مَسْجِدٍ خَرَابٍ فِي سَفْحِ جَبَلِ قَاسِيُونَ فِي دِمَشْقَ وَأَرَادَ أَنْ يُبَلِّطَ بِهَا صَحْنَ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ فَأَفْتَيْت بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْمُتَغَلِّبِينَ نَقَلَ الْأَحْجَارَ الْمَذْكُورَةَ إلَى عِمَارَةِ دَارِهِ فَنَدِمْتُ عَلَى مَا أَفْتَيْتُ بِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ الْآنَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ 274 عَنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ رَحَلُوا وَتَدَاعَى مَسْجِدُ الْقَرْيَةِ إلَى الْخَرَابِ وَبَعْضُ الْمُتَغَلِّبَةِ يُسْتَوْلَوْنَ عَلَى خَشَبِ الْمَسْجِدِ وَيَنْقُلُونَهُ إلَى دُورِهِمْ هَلْ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنْ يَبِيعَ الْخَشَبَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَيُمْسِكَ الثَّمَنَ لِيَصْرِفَهُ إلَى بَعْضِ الْمَسَاجِدِ أَوْ إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ قَالَ نَعَمْ وَحَكَى أَنَّهُ وَقَعَ ( قَوْلُهُ قُلْتُ : إنْ شَاءَ ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى مِلْكِ بَانِيهِ أَوْ وَارِثِهِ لَا يُلْزَمُ بِصَرْفِهِ بَلْ إنْ شَاءَ صَرَفَهُ وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ وَلَا نَقْلُ مَالِهِ إلَى آخَرَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا آمِينَ .
( قَوْلُهُ وَأَقُولُ : بَلْ النَّظَرُ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ التَّدَافُعِ بَيْنَ كَلَامِ مُحَمَّدٍ غَيْرُ وَاقِعٍ لِأَنَّ بَيْعَهُ إنَّمَا هُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَدَمُ جَوَازِ الْبَيْعِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَعَلَيْهِ تَفَرَّعَ عَوْدُهُ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ فَلَا تَدَافُعَ نَعَمْ الْمَعْمُولُ بِهِ مَا رَوَاهُ هِشَامٌ كَمَا مَرَّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُوَفِّقُ كَذَا فِي النَّهْرِ ( قَوْلُهُ وَلَقَدْ رَجَعَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَى الْحَقِّ ) .
اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَقِّ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ وَمَا الْبَاطِلُ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ وَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِ الْفَتْحِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ إلَى قَوْلِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَرَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ رَدُّهُ عَلَى الصَّدْرِ الشَّهِيدِ حَيْثُ نَظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فِي الْفَتْحِ رَجَّحَ أَوَّلًا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّهُ أَوْجَهُ وَلَكِنْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ وَلَقَدْ رَجَعَ إلَى الْحَقِّ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا هُوَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ بَلْ إذَا صَارَ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ) .
حَاصِلُ هَذَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سَابِقِ كَلَامِهِ وَلَاحِقِهِ أَنَّ الْأَرْضَ إذَا كَانَتْ لِلْغَلَّةِ لَا تَخْرُجُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ بِالْخَرَابِ بَلْ الِاسْتِغْلَالُ حَاصِلٌ بَعْدَهُ بِإِيجَارِهَا لِلْبِنَاءِ أَوْ الْغِرَاسِ بِخِلَافِ الْمُعَدَّةِ لِلسُّكْنَى وَنَحْوِ الرِّبَاطِ وَالْحَانُوتِ فَإِنَّهَا بِالْخَرَابِ تَخْرُجُ عَمَّا قَصَدَهُ الْوَاقِفُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِرُجُوعِ الْوَقْفِ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ مُطْلَقًا لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدًا الْقَائِلَ بِعَوْدِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ خَرَابِهِ أَوْ تَفَرُّقِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إلَى الْمِلْكِ مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ عَوْدِ الْعِمَارَةِ قَائِمٌ وَقَدْ يُصَلِّي فِيهِ الْمُجْتَازُونَ 273 كَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ جِهَةِ أَبِي يُوسُفَ إيرَادًا عَلَى مُحَمَّدٍ .
( قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي وَهُوَ الصَّحِيحُ ) لَا تَنْسَ مَا قَدَّمْنَا آنِفًا عَنْ الرَّمْلِيِّ ( قَوْلُهُ وَأَمَّا قِيَاسُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْحَصِيرَ إلَخْ ) أَيْ حَيْثُ قَالَ فِيمَا سَبَقَ فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ فَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْبَوَارِي وَالْحُصْرُ أَنَّهَا لَا تَعُودُ إلَى الْوَارِثِ وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ صَحَّ هَذَا إلَى الْجِنَازَةِ وَالْمِلْأَةِ وَالْمُغْتَسَلِ فَقَدْ جَعَلَ الرِّوَايَةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ رِوَايَةً فِي الْحَصِيرِ وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْخَانِيَّةِ فَأَنَّهُ فِيمَا مَرَّ آنِفًا جَعَلَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي آلَاتِ الْمَسْجِدِ إذَا خَرِبَ مِنْ أَنَّهَا تَعُودُ إلَى الْمِلْكِ .
وَفِي الْجِنَازَةِ وَنَحْوِهَا مَشَى عَلَى أَنَّهَا لَا تَعُودُ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ بِكَوْنِهِ مِمَّا يُنْقَلُ يَشْمَلُ الْكُلَّ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْتُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ مَذْكُورًا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ وَاقِعَاتِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ حَيْثُ نَقَلَ أَوَّلًا مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا عَنْ الْخَانِيَّةِ مَعَ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ قَالَ وَفِي هَذِهِ الْفُصُولِ نَوْعُ إشْكَالٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ إلَى مِلْكِ الْوَارِثِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْحُصْرِ وَالْبَوَارِي وَلَئِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ تَصِيرُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ رِوَايَةً فِي الْحَصِيرِ وَالْبَوَارِي أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْوَارِثِ .
( قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ حَوْضٌ إلَخْ ) وَفِي الْخَانِيَّةِ رِبَاطٌ بَعِيدٌ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْمَارَّةُ وَبِجَنْبِهِ رِبَاطٌ آخَرُ قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو شُجَاعٍ تُصْرَفُ غَلَّتُهُ إلَى الرِّبَاطِ الثَّانِي كَالْمَسْجِدِ إذَا خَرِبَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي فَبَاعَ الْخَشَبَ وَصَرَفَ الثَّمَنَ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ جَازَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا خَرِبَ الرِّبَاطُ أَوْ الْمَسْجِدُ وَاسْتَغْنَى النَّاسُ عَنْهُمَا يَصِيرُ مِيرَاثًا وَكَذَا حَوْضُ الْعَامَّةِ إذَا خَرِبَ . ا هـ .
لَكِنْ ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْحَاوِي وَغَيْرِهِ فَهُوَ خِلَافُ الْمُفْتَى بِهِ وَخِلَافُ الصَّحِيحِ الْمَذْكُورِ فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ قَالَ وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ فَتْوَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ فِي عَصْرِنَا بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا بَلْ وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ كَالشَّيْخِ الْإِمَام أَمِينِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَالِ وَالشَّيْخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ الشَّلَبِيِّ وَالشَّيْخِ زَيْنِ بْنِ نُجَيْمٍ وَالشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْوَفَائِيِّ فَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِنَقْلِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِنَقْلِهِ وَنَقْلِ مَالِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَقَدْ مَشَى الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ سِرَاجِ الدِّينِ الْحَانُوتِيُّ عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ عَدَمِ نَقْلِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُوَافِقْ الْمَذْكُورِينَ ا هـ .
لَكِنَّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ جَعَلَ مَا ذُكِرَ خَاصًّا بِالْمَسْجِدِ أَمَّا الْحَوْضُ وَالْبِئْرُ وَنَحْوُهُمَا فَقَالَ يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى آخَرَ كَالْحَصِيرِ تَأَمَّلْ هَذَا وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ سُئِلْت عَنْهَا فِي أَمِيرٍ أَرَادَ نَقْلَ أَحْجَارٍ مِنْ مَسْجِدٍ خَرَابٍ فِي سَفْحِ جَبَلِ قَاسِيُونَ فِي دِمَشْقَ وَأَرَادَ أَنْ يُبَلِّطَ بِهَا صَحْنَ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ فَأَفْتَيْت بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْمُتَغَلِّبِينَ نَقَلَ الْأَحْجَارَ الْمَذْكُورَةَ إلَى عِمَارَةِ دَارِهِ فَنَدِمْتُ عَلَى مَا أَفْتَيْتُ بِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ الْآنَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ 274 عَنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ رَحَلُوا وَتَدَاعَى مَسْجِدُ الْقَرْيَةِ إلَى الْخَرَابِ وَبَعْضُ الْمُتَغَلِّبَةِ يُسْتَوْلَوْنَ عَلَى خَشَبِ الْمَسْجِدِ وَيَنْقُلُونَهُ إلَى دُورِهِمْ هَلْ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنْ يَبِيعَ الْخَشَبَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَيُمْسِكَ الثَّمَنَ لِيَصْرِفَهُ إلَى بَعْضِ الْمَسَاجِدِ أَوْ إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ قَالَ نَعَمْ وَحَكَى أَنَّهُ وَقَعَ ( قَوْلُهُ قُلْتُ : إنْ شَاءَ ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى مِلْكِ بَانِيهِ أَوْ وَارِثِهِ لَا يُلْزَمُ بِصَرْفِهِ بَلْ إنْ شَاءَ صَرَفَهُ وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ وَلَا نَقْلُ مَالِهِ إلَى آخَرَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا آمِينَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث