البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء السادس
( قَوْلُهُ فَإِنْ ادَّعَى إبَاقًا لَمْ يَحْلِفْ بَائِعُهُ حَتَّى يُبَرْهِنَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَهُ فَإِنْ بَرْهَنَ حَلَفَ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ عِنْدَك قَطُّ ) أَيْ إذَا ادَّعَى عَيْبًا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَيُمْكِنُ حُدُوثُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَوَّلًا عَلَى قِيَامِهِ بِالْمَبِيعِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قِدَمِهِ وَحُدُوثِهِ لِيَنْتَصِبَ الْبَائِعُ خَصْمًا فَإِنْ لَمْ يُبَرْهِنْ لَا يَمِينَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى الصَّحِيحِ وَعِنْدَهُمَا يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الدَّعْوَى مُعْتَبَرَةٌ حَتَّى تَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ فَكَذَا يَتَرَتَّبُ التَّحْلِيفُ وَلَهُ أَنَّ الْحَلِفَ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَلَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ خَصْمٍ وَلَا يَصِيرُ خَصْمًا فِيهِ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْعَيْبِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ لُزُومَ ذَلِكَ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ مَعَ أَنَّهُ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ يَأْمُرُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ قَبْلَ ثُبُوتِ أَصْلِ الدَّيْنِ مَعَ أَنَّ فَرَاغَ الذِّمَّةِ عَنْ الدَّيْنِ أَصْلٌ وَالشَّغْلُ عَارِضٌ كَالْعَيْبِ عَارِضٌ .
وَأُجِيبَ لَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ لَمْ يَتَوَصَّلْ الْمُدَّعِي إلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْعَيْبِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُعْرَفُ بِآثَارٍ تُعَايَنُ أَوْ بِقَوْلِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ الْقَابِلَةِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرَتُّبِ الْبَيِّنَةِ تَرَتُّبَ الْيَمِينِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَكُونُ الْإِنْسَانُ فِيهَا خَصْمًا 64 بِالْبَيِّنَةِ دُونَ الْيَمِينِ وَكَتَبْنَاهَا فِي الْفَوَائِدِ وَلِأَنَّ التَّحْلِيفَ إنَّمَا شُرِعَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ لَا لِإِنْشَائِهَا وَلَوْ اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ فَحَلَفَ نَشَأَتْ خُصُومَةٌ أُخْرَى فِي قِدَمِهِ وَحُدُوثِهِ وَأَوْرَدَ الشَّارِحُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ مَسْأَلَةَ الشُّفْعَةِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي إذَا أَنْكَرَ مِلْكَ الشَّفِيعِ يَحْلِفُ فَإِذَا حَلَفَ نَشَأَتْ خُصُومَةٌ أُخْرَى فِي الشِّرَاءِ وَالْإِيرَادُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الدَّلِيلِ السَّابِقِ مَعَ كَوْنِهِ مَرْدُودًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هِيَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ أَنْ تَنْشَأَ خُصُومَةٌ أُخْرَى مِنْ الْيَمِينِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي الْخُصُومَاتِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ دَعْوَى الْعَيْبِ وَدَعْوَى الدَّيْنِ فَقَالَ إنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ لِلدَّعْوَى فِيهِمَا وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبُرْهَانُ فِيهِمَا .
فَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْيَمِينِ أَيْضًا فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا وَقَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ وَلِذَا قَالَ إنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ الْبَائِعَ فَإِنْ أَقَرَّ بِقِيَامِهِ تَوَجَّهَتْ الْخُصُومَةُ فِي الْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا غَلَطٌ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْغَنَائِمِ وَلَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا فِي التَّلْخِيصِ وَشَرْحِهِ وَقَوْلُهُمْ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْإِمَامِ وَأَمِينِهِ فَلَوْ اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ لَا يَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ حُكْمٌ وَلَكِنْ يَنْصِبُ الْإِمَامُ رَجُلًا لِلْخُصُومَةِ مَعَهُ وَلَا يَقْبَلُ إقْرَارَهُ بِالْعَيْبِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لَوْ أَنْكَرَ وَإِنَّمَا هُوَ خَصْمٌ لِإِثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَالْأَبِ وَوَصِيُّهُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّ إقْرَارَهُ مَقْبُولٌ فِيهِ وَإِذَا أَقَرَّ مَنْصُوبُ الْإِمَامِ بِالْعَيْبِ انْعَزَلَ كَالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ إذَا أَقَرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ لَكِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِهِ ثُمَّ إذَا رُدَّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ يُضَمُّ إلَى الْغَنِيمَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يُبَاعُ بِالثَّمَنِ فَإِنْ نَقَصَ الثَّمَنُ أَوْ زَادَ كَانَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ وَشَرْحِهِ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْأَمِينَ خَصْمٌ فِي الْبَيِّنَةِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ يُقَوِّي قَوْلَ الْإِمَامِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ خُصُوصَ عَيْبِ الْإِبَاقِ بَلْ كُلُّ عَيْبٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ وُجُودِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِتَقَعَ الْخُصُومَةُ فِي قِدَمِهِ وَحُدُوثِهِ كَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ وَالسَّرِقَةِ وَالْجُنُونِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَأَمَّا مَا لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَوِلَادَةِ الْجَارِيَةِ وَزِنَاهَا وَتَوَلُّدِ الرَّقِيقِ مِنْ الزِّنَا فَإِنَّ الْبَائِعَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً عِنْدَ عَدَمِ الْبُرْهَانِ وَتَحْلِيفُ الْبَائِعِ كَمَا فِي الْكِتَابِ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ عِنْدَك قَطُّ عِبَارَةُ بَعْضِهِمْ وَعِبَارَةُ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ وَمَا أَبَقَ قَطُّ قَالُوا وَإِنْ شَاءَ حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْك حَقُّ الرَّدِّ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِي بِهِ .
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ حَسَنَةٌ بَقِيَتْ عِبَارَتَانِ مُحْتَمَلَتَانِ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ وَبِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْته وَسَلَّمْته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ وَيَرُدُّ عَلَى عِبَارَةِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا مُخْلِصَ فِيهَا لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْعَيْبَ لَوْ وُجِدَ عِنْدَ بَائِعِ الْبَائِعِ يَرُدُّهُ الْمُشْتَرِي بِهِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ .
وَذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى نَقْلٍ فِيهَا لِأَنَّهُ قَالَ إنَّهَا مِمَّا تَطَارَحْنَاهُ إلَى آخِرِهِ وَلَوْ حَلَفَ الْبَائِعُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لَكَانَ صَادِقًا لِأَنَّهُ مَا أَبَقَ عِنْدَهُ قَطُّ وَكَذَا لَوْ كَانَ أَبَقَ مِنْ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْوَاهِبِ أَوْ مُودِعِهِ أَوْ مُسْتَأْجِرِهِ أَوْ مِنْ الْغَاصِبِ لَا إلَى مَنْزِلِ مَوْلَاهُ وَيَعْرِفُهُ وَيَقْوَى عَلَى الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ عَيْبٌ فَفِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُشْتَرِي فَلَوْ حَذَفَ الظَّرْفَ وَقَالَ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ قَطُّ لَكَانَ أَوْلَى لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهَا أَيْضًا مَا لَوْ كَانَ أَبَقَ عِنْدَ الْغَاصِبِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَنْزِلَ مَوْلَاهُ أَوْ لَمْ يَقْدِرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ فَفِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْبَائِعِ فَإِنْ أَتَى بِالظَّرْفِ كَانَ فِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ حَذَفَهُ كَانَ فِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْبَائِعِ فَمَنْ اخْتَارَ حَذْفَ الظَّرْفِ فَرَّ مِنْ مَحْذُورٍ فَوَقَعَ فِي آخَرِ وَمَنْ ذَكَرَهُ فَكَذَلِكَ .
وَأَمَّا الْعِبَارَتَانِ الْمُحْتَمَلَتَانِ فَيَرُدُّ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاعَهُ سَلِيمًا ثُمَّ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ بَاعَهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ فَإِذَا قَالَ بَائِعُهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ سَلَّمْته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ انْدَفَعَ الِاحْتِمَالُ 65 الْمَذْكُورُ وَيَرُدُّ عَلَى الثَّانِيَةِ أَنَّهَا تُوهِمُ تَعَلُّقَهُ بِالشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا فَيَتَأَوَّلهُ الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ وَجَوَابُهُ أَنَّ تَأْوِيلَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْبَائِعَ نَفَى الْعَيْبَ عِنْدَ الْبَيْعِ وَعِنْدَ التَّسْلِيمِ فَلَا يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي أَحَدِهِمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْلَمُ وَالْأَخْلَصُ عِبَارَةُ الْجَامِعِ وَمَا يَلِيهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَتَعَقَّبَ فِي الْمُحِيطِ عِبَارَةَ الْجَامِعِ بِجَوَازِ رِضَا الْمُشْتَرِي وَإِبْرَائِهِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْ الثَّانِي بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا الْمُشْتَرِي قَبْلَك حَقُّ الرَّدِّ بِالْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيه تَحْلِيفًا عَلَى الْحَاصِلِ ا هـ .
وَصَحَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ عِبَارَةَ الْجَامِعِ وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي إبَاقِ الْكَبِيرِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ مُنْذُ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ لِأَنَّ الْإِبَاقَ فِي الصِّغَرِ لَا يُوجِبُ رَدَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ ا هـ .
وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْإِبَاقِ بَلْ كُلُّ عَيْبٍ اخْتَلَفَ فِيهِ الْحَالُ بَيْنَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّحْلِيفُ هُنَا بِقَوْلِهِ مَا أَبَقَ قَطُّ تَحْلِيفٌ عَلَى الْبَتَاتِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا الْعِلْمَ بِهِ وَمَنْ ادَّعَى عِلْمًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ لَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ كَالْمُودِعِ إذَا ادَّعَى قَبْضَ الْمُودَعِ لَهَا حَلَفَ عَلَى قَبْضِهِ وَهُوَ فِعْلُ غَيْرِهِ وَالْوَكِيلُ إذَا ادَّعَى قَبْضَ الْمُوَكِّلِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ حَلَفَ الْوَكِيلُ عَلَى قَبْضِ الْمُوَكِّلِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَيْسَ حَاصِلُهُ فِعْلَ الْغَيْرِ بَلْ فِعْلُ نَفْسِهِ وَهُوَ تَسْلِيمُهُ سَلِيمًا وَهُوَ قَوْلُ السَّرَخْسِيِّ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ فَإِنَّ مَعْنَى تَسْلِيمِهِ سَلِيمًا لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ السَّلَامَةُ فِي حَالِ التَّسْلِيمِ بَلْ بِمَعْنَى سَلَّمْته وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُسْرَقْ عِنْدِي فَيَرْجِعُ إلَى الْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ .
وَأَوْرَدَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَقْوَى بِمَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بَاعَ رَجُلَانِ عَبْدًا مِنْ آخَرِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَوَرِثَهُ الْبَائِعُ الْآخَرُ ثُمَّ ادَّعَى الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ فِي حِصَّتِهِ بِالْجَزْمِ وَفِي نَصِيبِ مُوَرِّثِهِ بِالْعِلْمِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي الْعِلْمَ بِانْتِفَائِهِ وَالثَّانِيَةُ بَاعَ الْمُتَفَاوِضَانِ عَبْدًا وَغَابَ أَحَدُهُمَا فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَيْبًا يَحْلِفُ الْحَاضِرُ عَلَى الْجَزْمِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ وَعَلَى الْعِلْمِ فِي نَصِيبِ الْغَائِبِ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِلْمًا بِذَلِكَ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنْ يَسْتَشْكِلَ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا عَكْسُهُ لِأَنَّ تَحْلِيفَهُ فِي نِصْفِهِ عَلَى الْبَتَاتِ وَفِي نِصْفِ الْآخَرِ عَلَى الْعِلْمِ وَهُوَ وَاحِدٌ هُوَ الْمُشْكِلُ وَالْمَسْأَلَتَانِ مُشْكِلَتَانِ لِاسْتِوَاءِ عِلْمِهِ وَجَهْلِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النِّصْفَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عِنْدَ كُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مُدَّةً فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ فِي مُدَّتِهِ مَا أَبَقَ عِنْدِي وَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِي مُدَّةِ شَرِيكِهِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ إقَامَتُهُ إلَّا عِنْدَ الشَّرِيكِ لَا يَحْلِفُ إلَّا عَلَى الْبَتَاتِ وَيَكْتَفِي بِهِ إلَّا أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَحْلِفُ كَمَا ذَكَرُوا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إقَامَتُهُ إلَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَالِفِ لِكَوْنِ الْعَقْدِ اقْتَضَى وَصْفَ السَّلَامَةِ ا هـ .
أَقُولُ : مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَجْهِ أَوَّلًا لَيْسَ بِالْوَجْهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِمْ كُلٌّ مَنْ ادَّعَى عِلْمًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ فَيَرُدُّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَلَى طَرِيقِ النَّقْضِ مَسْأَلَتَانِ ادَّعَى عِلْمًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَالتَّحْلِيفُ فِي الْعِلْمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا قَاعِدَةُ اعْتِبَارِهَا فِي مَسَائِلَ أُخْرَى مِنْهَا مَا فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ فُلَانٌ الدَّارَ الْيَوْمَ فَكَذَا ثُمَّ ادَّعَى دُخُولَهُ حَلَفَ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ أَنَّهُ دَخَلَهَا وَمِنْهَا أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا بَاعَ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَالْوَصِيُّ لَوْ بَاعَ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَيْبًا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَا يَدَّعِي عِلْمًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي يَدِهِ وَهُوَ فِي يَدِ الْوَصِيِّ فَيَعْلَمُ عَيْبَهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ التَّحْلِيفُ عَلَى الْبَتَاتِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ الْمُخَاصَمَةِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ تَرْتِيبِ الْخُصُومَةِ فِي عَيْبِ الْإِبَاقِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ كُلُّ عَيْبٍ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّجْرِبَةِ وَالِاخْتِبَارُ كَالسَّرِقَةِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ وَالْجُنُونِ وَالزِّنَا وَبَقِيَ أَصْنَافٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا قَاضِي خَانْ وَهِيَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا .
66 تَتِمَّةُ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ : الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ أَصْلًا مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ إلَى وَقْتِ الْخُصُومَةِ كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ وَالْعَمَى وَالنَّاقِصَةِ وَالسِّنِّ الشَّاغِيَةِ أَيْ الزَّائِدَةِ وَالْقَاضِي يَقْضِي فِيهَا بِالرَّدِّ إذَا طَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفٍ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ وَفِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ رِضَاهُ بِهِ أَوْ الْعِلْمَ بِهِ عِنْدَ الشِّرَاءِ وَالْإِبْرَاءَ مِنْهُ فَإِنْ ادَّعَاهُ سَأَلَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ اعْتَرَفَ امْتَنَعَ الرَّدُّ وَإِنْ أَنْكَرَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ عَجَزَ يَسْتَحْلِفُ مَا عَلِمَ بِهِ وَقْتَ الْمَبِيعِ أَوْ مَا رَضِيَ بِهِ وَنَحْوُهُ فَإِنْ حَلَفَ رَدَّهُ وَإِنْ نَكَلَ امْتَنَعَ الرَّدُّ الثَّانِي أَنْ يَدَّعِيَ عَيْبًا بَاطِنًا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْأَطِبَّاءُ كَوَجَعِ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ عِنْدَهُمَا رَدَّهُ .
وَكَذَا إذَا أَنْكَرَهُ فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ أَوْ حَلَفَ الْبَائِعُ فَنَكَلَ إلَّا أَنْ ادَّعَى الرِّضَا فَيَعْمَلُ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ أَنْكَرَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي يُرِيهِ طَبِيبَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ فَإِذَا قَالَ بِهِ ذَلِكَ يُخَاصِمُهُ فِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ عَيْبًا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ كَدَعْوَى الرَّتَقِ وَالْقَرَنِ وَالْعَفَلِ وَالثِّيَابَةِ وَقَدْ اشْتَرَى بِشَرْطِ الْبَكَارَةِ فَعَلَى هَذَا إلَّا أَنَّهُ إذَا أَنْكَرَ قِيَامَهُ لِلْحَالِ أُرِيَتْ النِّسَاءَ وَالْمَرْأَةُ الْعَادِلَةُ كَافِيَةٌ فَإِذَا قَالَتْ ثَيِّبًا أَوْ قَرْنَاءَ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهَا عِنْدَ هُمَا كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ نُكُولُهُ عِنْدَ تَحْلِيفِهِ غَيْرَ أَنَّ الْقَرَنَ وَنَحْوَهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ تُرَدُّ عِنْدَ قَوْلِ الْمَرْأَتَيْنِ هِيَ قَرْنَاءُ بِلَا خُصُومَةٍ فِي أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَائِعِ لِلتَّيَقُّنِ بِذَلِكَ كَمَا فِي الْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ رِضًا فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا وَفِي شَرْحِ قَاضِي خَانْ الْعَيْبُ إذَا كَانَ مُشَاهَدًا وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْدُثُ وَاخْتُلِفَ فِي حُدُوثِهِ فَالْبَيِّنَةُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْخِيَارَ وَهَذَا يُعْرَفُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَادَّعَى أَنَّهَا خُنْثَى يَحْلِفُ الْبَائِعُ لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ الرِّجَالُ وَلَا النِّسَاءُ إلَى هُنَا مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَبَعًا لِمَا فِي الْمِعْرَاجِ .
وَفِيهِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ وَلَمْ يَدَّعِ الْبَائِعُ عَلَيْهِ شَيْئًا يُسْقِطُهُ لَمْ يَحْلِفْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ التَّحْلِيفَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَفِيهِ إنْشَاؤُهَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْلِفُ صِيَانَةً لِقَضَائِهِ عَنْ النَّقْضِ لَوْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي ثَانِي الْحَالِ بِاَللَّهِ مَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ حِينَ اشْتَرَاهُ وَلَا رَضِيَ بِهِ وَلَا عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ وَأَكْثَرُ الْقُضَاةِ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا سَقَطَ حَقُّك فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيه نَصًّا وَلَا دَلَالَةً وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ وَلَوْ ادَّعَى سُقُوطَ حَقِّ الرَّدِّ يَحْلِفُ اتِّفَاقًا ا هـ .
وَقَدَّمْنَا أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي وَلَوْ خَاصَمَ ثُمَّ تَرَكَ ثُمَّ عَادَ وَخَاصَمَ فَلَهُ الرَّدُّ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ أَيْضًا وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْتَحْلِفُ الْخَصْمَ بِدُونِ طَلَبِ الْمُدَّعِي إلَّا فِي مَسَائِلَ مِنْهَا خِيَارُ الْعَيْبِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ الثَّانِيَةُ النَّفَقَةُ فِي مَالِ الْغَائِبِ لَا يَقْضِي بِهَا حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الْمَرْأَةَ الثَّالِثَةُ الشُّفْعَةُ لَا يَقْضِي بِهَا حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الشَّفِيعَ وَكَتَبْنَاهَا فِي 67 الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ مُفَصَّلَةً ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ ذَوِي الْمَعْرِفَةِ نَظَرَ بِنَفْسِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَنَظَرُ أَمِينِ الْقَاضِي كَهُوَ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَاشْتِرَاطُ الْعَدْلَيْنِ مِنْهُمْ إنَّمَا هُوَ لِلرَّدِّ وَإِنْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ عَدْلٌ تَوَجَّهَتْ الْخُصُومَةُ فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ كَمَا فِيهَا أَيْضًا وَلَكِنْ فِي أَدَبِ الْقَاضِي مَا يُخَالِفُهُ وَفِيهَا لَوْ أَخْبَرَتْ امْرَأَةٌ بِأَنَّهَا حَامِلٌ وَامْرَأَتَانِ بِالْعَدَمِ صَحَّتْ الْخُصُومَةُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ النَّافِيَةِ فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ لَيْسَتْ لَهَا بِصَارَةٌ اخْتَارَ الْقَاضِي ذَاتَ بِصَارَةٍ ا هـ .
وَقَدَّمْنَا أَنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْقَبُولِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ حَتَّى يَقْضِي عَلَيْهِ لِيَتَعَدَّى إلَى بَائِعِهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ وَلَوْ أَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعِيبًا فِي يَدِ الْبَائِعِ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي ا هـ .
وَأُجِيبَ لَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ لَمْ يَتَوَصَّلْ الْمُدَّعِي إلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْعَيْبِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُعْرَفُ بِآثَارٍ تُعَايَنُ أَوْ بِقَوْلِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ الْقَابِلَةِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرَتُّبِ الْبَيِّنَةِ تَرَتُّبَ الْيَمِينِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَكُونُ الْإِنْسَانُ فِيهَا خَصْمًا 64 بِالْبَيِّنَةِ دُونَ الْيَمِينِ وَكَتَبْنَاهَا فِي الْفَوَائِدِ وَلِأَنَّ التَّحْلِيفَ إنَّمَا شُرِعَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ لَا لِإِنْشَائِهَا وَلَوْ اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ فَحَلَفَ نَشَأَتْ خُصُومَةٌ أُخْرَى فِي قِدَمِهِ وَحُدُوثِهِ وَأَوْرَدَ الشَّارِحُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ مَسْأَلَةَ الشُّفْعَةِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي إذَا أَنْكَرَ مِلْكَ الشَّفِيعِ يَحْلِفُ فَإِذَا حَلَفَ نَشَأَتْ خُصُومَةٌ أُخْرَى فِي الشِّرَاءِ وَالْإِيرَادُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الدَّلِيلِ السَّابِقِ مَعَ كَوْنِهِ مَرْدُودًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هِيَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ أَنْ تَنْشَأَ خُصُومَةٌ أُخْرَى مِنْ الْيَمِينِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي الْخُصُومَاتِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ دَعْوَى الْعَيْبِ وَدَعْوَى الدَّيْنِ فَقَالَ إنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ لِلدَّعْوَى فِيهِمَا وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبُرْهَانُ فِيهِمَا .
فَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْيَمِينِ أَيْضًا فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا وَقَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ وَلِذَا قَالَ إنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ الْبَائِعَ فَإِنْ أَقَرَّ بِقِيَامِهِ تَوَجَّهَتْ الْخُصُومَةُ فِي الْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا غَلَطٌ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْغَنَائِمِ وَلَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا فِي التَّلْخِيصِ وَشَرْحِهِ وَقَوْلُهُمْ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْإِمَامِ وَأَمِينِهِ فَلَوْ اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ لَا يَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ حُكْمٌ وَلَكِنْ يَنْصِبُ الْإِمَامُ رَجُلًا لِلْخُصُومَةِ مَعَهُ وَلَا يَقْبَلُ إقْرَارَهُ بِالْعَيْبِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لَوْ أَنْكَرَ وَإِنَّمَا هُوَ خَصْمٌ لِإِثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَالْأَبِ وَوَصِيُّهُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّ إقْرَارَهُ مَقْبُولٌ فِيهِ وَإِذَا أَقَرَّ مَنْصُوبُ الْإِمَامِ بِالْعَيْبِ انْعَزَلَ كَالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ إذَا أَقَرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ لَكِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِهِ ثُمَّ إذَا رُدَّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ يُضَمُّ إلَى الْغَنِيمَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يُبَاعُ بِالثَّمَنِ فَإِنْ نَقَصَ الثَّمَنُ أَوْ زَادَ كَانَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ وَشَرْحِهِ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْأَمِينَ خَصْمٌ فِي الْبَيِّنَةِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ يُقَوِّي قَوْلَ الْإِمَامِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ خُصُوصَ عَيْبِ الْإِبَاقِ بَلْ كُلُّ عَيْبٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ وُجُودِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِتَقَعَ الْخُصُومَةُ فِي قِدَمِهِ وَحُدُوثِهِ كَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ وَالسَّرِقَةِ وَالْجُنُونِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَأَمَّا مَا لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَوِلَادَةِ الْجَارِيَةِ وَزِنَاهَا وَتَوَلُّدِ الرَّقِيقِ مِنْ الزِّنَا فَإِنَّ الْبَائِعَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً عِنْدَ عَدَمِ الْبُرْهَانِ وَتَحْلِيفُ الْبَائِعِ كَمَا فِي الْكِتَابِ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ عِنْدَك قَطُّ عِبَارَةُ بَعْضِهِمْ وَعِبَارَةُ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ وَمَا أَبَقَ قَطُّ قَالُوا وَإِنْ شَاءَ حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْك حَقُّ الرَّدِّ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِي بِهِ .
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ حَسَنَةٌ بَقِيَتْ عِبَارَتَانِ مُحْتَمَلَتَانِ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ وَبِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْته وَسَلَّمْته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ وَيَرُدُّ عَلَى عِبَارَةِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا مُخْلِصَ فِيهَا لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْعَيْبَ لَوْ وُجِدَ عِنْدَ بَائِعِ الْبَائِعِ يَرُدُّهُ الْمُشْتَرِي بِهِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ .
وَذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى نَقْلٍ فِيهَا لِأَنَّهُ قَالَ إنَّهَا مِمَّا تَطَارَحْنَاهُ إلَى آخِرِهِ وَلَوْ حَلَفَ الْبَائِعُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لَكَانَ صَادِقًا لِأَنَّهُ مَا أَبَقَ عِنْدَهُ قَطُّ وَكَذَا لَوْ كَانَ أَبَقَ مِنْ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْوَاهِبِ أَوْ مُودِعِهِ أَوْ مُسْتَأْجِرِهِ أَوْ مِنْ الْغَاصِبِ لَا إلَى مَنْزِلِ مَوْلَاهُ وَيَعْرِفُهُ وَيَقْوَى عَلَى الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ عَيْبٌ فَفِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُشْتَرِي فَلَوْ حَذَفَ الظَّرْفَ وَقَالَ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ قَطُّ لَكَانَ أَوْلَى لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهَا أَيْضًا مَا لَوْ كَانَ أَبَقَ عِنْدَ الْغَاصِبِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَنْزِلَ مَوْلَاهُ أَوْ لَمْ يَقْدِرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ فَفِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْبَائِعِ فَإِنْ أَتَى بِالظَّرْفِ كَانَ فِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ حَذَفَهُ كَانَ فِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْبَائِعِ فَمَنْ اخْتَارَ حَذْفَ الظَّرْفِ فَرَّ مِنْ مَحْذُورٍ فَوَقَعَ فِي آخَرِ وَمَنْ ذَكَرَهُ فَكَذَلِكَ .
وَأَمَّا الْعِبَارَتَانِ الْمُحْتَمَلَتَانِ فَيَرُدُّ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاعَهُ سَلِيمًا ثُمَّ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ بَاعَهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ فَإِذَا قَالَ بَائِعُهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ سَلَّمْته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ انْدَفَعَ الِاحْتِمَالُ 65 الْمَذْكُورُ وَيَرُدُّ عَلَى الثَّانِيَةِ أَنَّهَا تُوهِمُ تَعَلُّقَهُ بِالشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا فَيَتَأَوَّلهُ الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ وَجَوَابُهُ أَنَّ تَأْوِيلَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْبَائِعَ نَفَى الْعَيْبَ عِنْدَ الْبَيْعِ وَعِنْدَ التَّسْلِيمِ فَلَا يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي أَحَدِهِمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْلَمُ وَالْأَخْلَصُ عِبَارَةُ الْجَامِعِ وَمَا يَلِيهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَتَعَقَّبَ فِي الْمُحِيطِ عِبَارَةَ الْجَامِعِ بِجَوَازِ رِضَا الْمُشْتَرِي وَإِبْرَائِهِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْ الثَّانِي بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا الْمُشْتَرِي قَبْلَك حَقُّ الرَّدِّ بِالْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيه تَحْلِيفًا عَلَى الْحَاصِلِ ا هـ .
وَصَحَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ عِبَارَةَ الْجَامِعِ وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي إبَاقِ الْكَبِيرِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ مُنْذُ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ لِأَنَّ الْإِبَاقَ فِي الصِّغَرِ لَا يُوجِبُ رَدَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ ا هـ .
وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْإِبَاقِ بَلْ كُلُّ عَيْبٍ اخْتَلَفَ فِيهِ الْحَالُ بَيْنَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّحْلِيفُ هُنَا بِقَوْلِهِ مَا أَبَقَ قَطُّ تَحْلِيفٌ عَلَى الْبَتَاتِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا الْعِلْمَ بِهِ وَمَنْ ادَّعَى عِلْمًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ لَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ كَالْمُودِعِ إذَا ادَّعَى قَبْضَ الْمُودَعِ لَهَا حَلَفَ عَلَى قَبْضِهِ وَهُوَ فِعْلُ غَيْرِهِ وَالْوَكِيلُ إذَا ادَّعَى قَبْضَ الْمُوَكِّلِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ حَلَفَ الْوَكِيلُ عَلَى قَبْضِ الْمُوَكِّلِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَيْسَ حَاصِلُهُ فِعْلَ الْغَيْرِ بَلْ فِعْلُ نَفْسِهِ وَهُوَ تَسْلِيمُهُ سَلِيمًا وَهُوَ قَوْلُ السَّرَخْسِيِّ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ فَإِنَّ مَعْنَى تَسْلِيمِهِ سَلِيمًا لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ السَّلَامَةُ فِي حَالِ التَّسْلِيمِ بَلْ بِمَعْنَى سَلَّمْته وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُسْرَقْ عِنْدِي فَيَرْجِعُ إلَى الْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ .
وَأَوْرَدَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَقْوَى بِمَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بَاعَ رَجُلَانِ عَبْدًا مِنْ آخَرِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَوَرِثَهُ الْبَائِعُ الْآخَرُ ثُمَّ ادَّعَى الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ فِي حِصَّتِهِ بِالْجَزْمِ وَفِي نَصِيبِ مُوَرِّثِهِ بِالْعِلْمِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي الْعِلْمَ بِانْتِفَائِهِ وَالثَّانِيَةُ بَاعَ الْمُتَفَاوِضَانِ عَبْدًا وَغَابَ أَحَدُهُمَا فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَيْبًا يَحْلِفُ الْحَاضِرُ عَلَى الْجَزْمِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ وَعَلَى الْعِلْمِ فِي نَصِيبِ الْغَائِبِ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِلْمًا بِذَلِكَ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنْ يَسْتَشْكِلَ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا عَكْسُهُ لِأَنَّ تَحْلِيفَهُ فِي نِصْفِهِ عَلَى الْبَتَاتِ وَفِي نِصْفِ الْآخَرِ عَلَى الْعِلْمِ وَهُوَ وَاحِدٌ هُوَ الْمُشْكِلُ وَالْمَسْأَلَتَانِ مُشْكِلَتَانِ لِاسْتِوَاءِ عِلْمِهِ وَجَهْلِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النِّصْفَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عِنْدَ كُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مُدَّةً فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ فِي مُدَّتِهِ مَا أَبَقَ عِنْدِي وَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِي مُدَّةِ شَرِيكِهِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ إقَامَتُهُ إلَّا عِنْدَ الشَّرِيكِ لَا يَحْلِفُ إلَّا عَلَى الْبَتَاتِ وَيَكْتَفِي بِهِ إلَّا أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَحْلِفُ كَمَا ذَكَرُوا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إقَامَتُهُ إلَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَالِفِ لِكَوْنِ الْعَقْدِ اقْتَضَى وَصْفَ السَّلَامَةِ ا هـ .
أَقُولُ : مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَجْهِ أَوَّلًا لَيْسَ بِالْوَجْهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِمْ كُلٌّ مَنْ ادَّعَى عِلْمًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ فَيَرُدُّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَلَى طَرِيقِ النَّقْضِ مَسْأَلَتَانِ ادَّعَى عِلْمًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَالتَّحْلِيفُ فِي الْعِلْمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا قَاعِدَةُ اعْتِبَارِهَا فِي مَسَائِلَ أُخْرَى مِنْهَا مَا فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ فُلَانٌ الدَّارَ الْيَوْمَ فَكَذَا ثُمَّ ادَّعَى دُخُولَهُ حَلَفَ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ أَنَّهُ دَخَلَهَا وَمِنْهَا أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا بَاعَ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَالْوَصِيُّ لَوْ بَاعَ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَيْبًا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَا يَدَّعِي عِلْمًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي يَدِهِ وَهُوَ فِي يَدِ الْوَصِيِّ فَيَعْلَمُ عَيْبَهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ التَّحْلِيفُ عَلَى الْبَتَاتِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ الْمُخَاصَمَةِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ تَرْتِيبِ الْخُصُومَةِ فِي عَيْبِ الْإِبَاقِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ كُلُّ عَيْبٍ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّجْرِبَةِ وَالِاخْتِبَارُ كَالسَّرِقَةِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ وَالْجُنُونِ وَالزِّنَا وَبَقِيَ أَصْنَافٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا قَاضِي خَانْ وَهِيَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا .
66 تَتِمَّةُ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ : الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ أَصْلًا مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ إلَى وَقْتِ الْخُصُومَةِ كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ وَالْعَمَى وَالنَّاقِصَةِ وَالسِّنِّ الشَّاغِيَةِ أَيْ الزَّائِدَةِ وَالْقَاضِي يَقْضِي فِيهَا بِالرَّدِّ إذَا طَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفٍ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ وَفِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ رِضَاهُ بِهِ أَوْ الْعِلْمَ بِهِ عِنْدَ الشِّرَاءِ وَالْإِبْرَاءَ مِنْهُ فَإِنْ ادَّعَاهُ سَأَلَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ اعْتَرَفَ امْتَنَعَ الرَّدُّ وَإِنْ أَنْكَرَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ عَجَزَ يَسْتَحْلِفُ مَا عَلِمَ بِهِ وَقْتَ الْمَبِيعِ أَوْ مَا رَضِيَ بِهِ وَنَحْوُهُ فَإِنْ حَلَفَ رَدَّهُ وَإِنْ نَكَلَ امْتَنَعَ الرَّدُّ الثَّانِي أَنْ يَدَّعِيَ عَيْبًا بَاطِنًا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْأَطِبَّاءُ كَوَجَعِ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ عِنْدَهُمَا رَدَّهُ .
وَكَذَا إذَا أَنْكَرَهُ فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ أَوْ حَلَفَ الْبَائِعُ فَنَكَلَ إلَّا أَنْ ادَّعَى الرِّضَا فَيَعْمَلُ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ أَنْكَرَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي يُرِيهِ طَبِيبَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ فَإِذَا قَالَ بِهِ ذَلِكَ يُخَاصِمُهُ فِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ عَيْبًا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ كَدَعْوَى الرَّتَقِ وَالْقَرَنِ وَالْعَفَلِ وَالثِّيَابَةِ وَقَدْ اشْتَرَى بِشَرْطِ الْبَكَارَةِ فَعَلَى هَذَا إلَّا أَنَّهُ إذَا أَنْكَرَ قِيَامَهُ لِلْحَالِ أُرِيَتْ النِّسَاءَ وَالْمَرْأَةُ الْعَادِلَةُ كَافِيَةٌ فَإِذَا قَالَتْ ثَيِّبًا أَوْ قَرْنَاءَ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهَا عِنْدَ هُمَا كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ نُكُولُهُ عِنْدَ تَحْلِيفِهِ غَيْرَ أَنَّ الْقَرَنَ وَنَحْوَهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ تُرَدُّ عِنْدَ قَوْلِ الْمَرْأَتَيْنِ هِيَ قَرْنَاءُ بِلَا خُصُومَةٍ فِي أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَائِعِ لِلتَّيَقُّنِ بِذَلِكَ كَمَا فِي الْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ رِضًا فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا وَفِي شَرْحِ قَاضِي خَانْ الْعَيْبُ إذَا كَانَ مُشَاهَدًا وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْدُثُ وَاخْتُلِفَ فِي حُدُوثِهِ فَالْبَيِّنَةُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْخِيَارَ وَهَذَا يُعْرَفُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَادَّعَى أَنَّهَا خُنْثَى يَحْلِفُ الْبَائِعُ لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ الرِّجَالُ وَلَا النِّسَاءُ إلَى هُنَا مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَبَعًا لِمَا فِي الْمِعْرَاجِ .
وَفِيهِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ وَلَمْ يَدَّعِ الْبَائِعُ عَلَيْهِ شَيْئًا يُسْقِطُهُ لَمْ يَحْلِفْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ التَّحْلِيفَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَفِيهِ إنْشَاؤُهَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْلِفُ صِيَانَةً لِقَضَائِهِ عَنْ النَّقْضِ لَوْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي ثَانِي الْحَالِ بِاَللَّهِ مَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ حِينَ اشْتَرَاهُ وَلَا رَضِيَ بِهِ وَلَا عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ وَأَكْثَرُ الْقُضَاةِ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا سَقَطَ حَقُّك فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيه نَصًّا وَلَا دَلَالَةً وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ وَلَوْ ادَّعَى سُقُوطَ حَقِّ الرَّدِّ يَحْلِفُ اتِّفَاقًا ا هـ .
وَقَدَّمْنَا أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي وَلَوْ خَاصَمَ ثُمَّ تَرَكَ ثُمَّ عَادَ وَخَاصَمَ فَلَهُ الرَّدُّ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ أَيْضًا وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْتَحْلِفُ الْخَصْمَ بِدُونِ طَلَبِ الْمُدَّعِي إلَّا فِي مَسَائِلَ مِنْهَا خِيَارُ الْعَيْبِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ الثَّانِيَةُ النَّفَقَةُ فِي مَالِ الْغَائِبِ لَا يَقْضِي بِهَا حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الْمَرْأَةَ الثَّالِثَةُ الشُّفْعَةُ لَا يَقْضِي بِهَا حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الشَّفِيعَ وَكَتَبْنَاهَا فِي 67 الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ مُفَصَّلَةً ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ ذَوِي الْمَعْرِفَةِ نَظَرَ بِنَفْسِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَنَظَرُ أَمِينِ الْقَاضِي كَهُوَ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَاشْتِرَاطُ الْعَدْلَيْنِ مِنْهُمْ إنَّمَا هُوَ لِلرَّدِّ وَإِنْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ عَدْلٌ تَوَجَّهَتْ الْخُصُومَةُ فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ كَمَا فِيهَا أَيْضًا وَلَكِنْ فِي أَدَبِ الْقَاضِي مَا يُخَالِفُهُ وَفِيهَا لَوْ أَخْبَرَتْ امْرَأَةٌ بِأَنَّهَا حَامِلٌ وَامْرَأَتَانِ بِالْعَدَمِ صَحَّتْ الْخُصُومَةُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ النَّافِيَةِ فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ لَيْسَتْ لَهَا بِصَارَةٌ اخْتَارَ الْقَاضِي ذَاتَ بِصَارَةٍ ا هـ .
وَقَدَّمْنَا أَنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْقَبُولِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ حَتَّى يَقْضِي عَلَيْهِ لِيَتَعَدَّى إلَى بَائِعِهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ وَلَوْ أَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعِيبًا فِي يَدِ الْبَائِعِ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي ا هـ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث