البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الأول
page 496 · printed p. 366 · commentary
( قَوْلُهُ وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْمُفِيدِ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ وَسُنَّةٌ لِوُجُوبِهَا بِالسُّنَّةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ تَسْمِيَتُهَا وَاجِبَةً وَسُنَّةً مُؤَكَّدَةً سَوَاءٌ ، إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ إثْمًا مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَالْخُرَاسَانِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ يَأْثَمُ إذَا اعْتَادَ التَّرْكَ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ ا هـ .
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ وَالْأَحْكَامُ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ أَنَّ تَارِكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يُعَزَّرُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَيَأْثَمُ الْجِيرَانُ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا أَحْكَامُ الْوَاجِبِ ، وَقَدْ يُوَفَّقُ بِأَنَّ تَرْتِيبَ الْوَعِيدِ فِي الْحَدِيثِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ مُقَيَّدٌ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى التَّرْكِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ } وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { ۝ يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ } كَمَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ إسْنَادِ الْمُضَارِعِ ، نَحْوُ بَنُو فُلَانٍ يَأْكُلُونَ الْبُرَّ أَيْ عَادَتُهُمْ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ الْحُضُورَ أَحْيَانَا وَالسُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي تَقْرُبُ مِنْهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَحِينَئِذٍ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ سُوقِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا } ا هـ .
( قَوْلُهُ إذَا تَرَكَهَا اسْتِخْفَافًا ) أَيْ تَهَاوُنًا وَتَكَاسُلًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الِاسْتِخْفَافِ الَّذِي هُوَ الِاحْتِقَارُ فَإِنَّهُ كُفْرٌ 366 ( قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِزَوْجَتِهِ إلَخْ ) سَيَأْتِي خِلَافُهُ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنَالُ الثَّوَابَ وَيَكُونُ بِدْعَةً وَمَكْرُوهًا لَكِنْ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إقَامَتِهَا فِي الْبَيْتِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كَإِقَامَتِهَا فِي الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْفَضْلِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . ا هـ .
قُلْتُ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ مَا سَيَأْتِي عَنْ الْحَلْوَانِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْهُ فِي الْأَذَانِ مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ بِالْقِدَمِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ فَلِذَا صَحَّحُوا خِلَافَ مَا قَالَهُ هُنَا أَيْضًا .
( قَوْلُهُ الِاقْتِدَاءُ فِي الْوِتْرِ خَارِجَ رَمَضَانَ يُكْرَهُ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَاشِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُوتِرُ بِجَمَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ وَإِنَّ الْكَرَاهَةَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ( قَوْلُهُ أَمَّا إذَا صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ إلَخْ ) لَا مَحَلَّ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ هُنَا ، وَإِنَّمَا مَحِلُّهَا فِيمَا بَعْدُ عِنْدَ ذِكْرِ حُكْمِ تَكْرَارِهَا ( قَوْلُهُ وَمِنْهَا حُكْمُ تَكْرَارِهَا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ إلَخْ ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَجُلٌ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِأَنَّ فِي تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ تَقْلِيلَهَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْآخَرُونَ فِيهَا كَالْأَوَّلِينَ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ إذَا فَاتَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ صَلَّوْا وُحْدَانًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ إذَا كَثُرَ الْقَوْمُ أَمَّا إذَا صَلَّوْا وُحْدَانًا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ وَهَذَا إذَا كَانَ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ
فَإِنْ صَلَّى فِيهِ قَوْمٌ مِنْ الْغُرَبَاءِ بِالْجَمَاعَةِ فَلِأَهْلِ الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلُّوا بَعْدَهُمْ بِجَمَاعَةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِأَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ حَقُّهُمْ ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ نَصْبُ الْمُؤَذِّنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُمْ بِإِقَامَةِ غَيْرِهِمْ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَسْجِدُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِتَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَهْلٌ مَعْلُومٌ فَكَانَتْ حُرْمَتُهُ أَخَفَّ ، وَلِهَذَا لَا يُقَامُ فِيهِ بِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الرِّبَاطِ فِي الْمَفَاوِزِ وَهُنَاكَ تُعَادُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَهَذَا كَذَلِكَ ا هـ .
بِحُرُوفِهِ وَمِثْلُهُ فِي الْحَقَائِقِ وَقَدَّمْنَا نَحْوَهُ فِي الْأَذَانِ عَنْ الْكَافِي وَالْمِفْتَاحِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ السِّرَاجِ ، أَقُولُ : وَمُفَادُ هَذِهِ النُّقُولِ كَرَاهَةُ التَّكْرَارِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ بِدُونِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ قَاضِي خَانْ الْمَارِّ يُصَلِّي بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ أَنَّهُ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا لَا بِالْجَمَاعَةِ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَرْوِيِّ عَنْ الصَّحَابَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ
وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا ا هـ وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ مَا نَقَلَهُ الرَّمْلِيُّ عَنْ رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ السِّنْدِيِّ عَنْ الْمُلْتَقَطِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ وَشَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ وَالْعُبَابِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ثَانِيَةٍ اتِّفَاقًا . قَالَ وَفِي بَعْضِهَا إجْمَاعًا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا وَأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا إنْكَارُهُ صَرِيحًا حِينَ حَضَرَ الْمَوْسِمَ بِمَكَّةَ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْهُمْ الشَّرِيفُ الْغَزْنَوِيُّ وَأَنَّهُ أَفْتَى الْإِمَامُ أَبُو قَاسِمٍ الْجَانُّ الْمَالِكِيُّ سَنَةَ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِمَنْعِ الصَّلَاةِ بِأَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَجَمَاعَاتٍ مُتَرَتِّبَةٍ وَعَدَمِ جَوَازِهَا عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَرُدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ 367 وَنُقِلَ إنْكَارُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حَضَرُوا الْمَوْسِمَ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ا هـ .
( قَوْلُهُ وَتَسْقُطُ بِعُذْرِ الْبَرْدِ الشَّدِيدِ إلَخْ ) أَقُولُ : قَدْ أَوْصَلَهَا فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ وَشَرْحِهِ الدُّرَّ الْمُخْتَارِ إلَى عِشْرِينَ ، وَقَدْ نَظَمْتهَا بِقَوْلِي ﴿﴾ خُذْ عُدَّ أَعْذَارًا لِتَرْكِ جَمَاعَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ عِشْرِينَ نَظْمًا قَدْ أَتَى مِثْلَ الدُّرَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ مَرَضٌ وَإِقْعَادٌ عَمًى وَزَمَانَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ مَطَرٌ وَطِينٌ ثُمَّ بَرْدٌ قَدْ أَضَرّ ﴿﴾ ﴿﴾ قَطْعٌ لِرِجْلٍ مَعَ يَدٍ أَوْ دُونَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَلْجٌ وَعَجْزُ الشَّيْخِ قَصْدٌ لِلسَّفَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ خَوْفٌ عَلَى مَالٍ كَذَا مِنْ ظَالِمٍ ﴿﴾ ﴿﴾ أَوْ دَائِنٍ وَشَهِيُّ أَكْلٍ قَدْ حَضَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَالرِّيحُ لَيْلًا ظُلْمَةٌ تَمْرِيضُ ذِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَلَمٍ مُدَافَعَةً لِبَوْلٍ أَوْ قَذَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ ثُمَّ اشْتِغَالٌ لَا بِغَيْرِ الْفِقْهِ فِي ﴿﴾ ﴿﴾ بَعْضٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ عُذْرٌ مُعْتَبَرْ ﴿﴾ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith