البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثامن
الصفحة 5208 · ص. المطبوع 372 · الشرح
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( لَا بِإِسْلَامِهِ ) أَيْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِإِسْلَامِ الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ بِأَنْ رَمَى إلَى حَرْبِيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ 372 فَأَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ ثُمَّ أَصَابَهُ بَعْدَمَا أَسْلَمَ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الرَّمْيَ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ لِعَدَمِ تَقَوُّمِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ وَالْحَرْبِيَّ لَا عِصْمَةَ لِدَمِهِمَا قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالْقِيمَةُ بِعِتْقِهِ ) يَعْنِي لَوْ رَمَى إلَى عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ فَمَاتَ لَزِمَ الرَّامِيَ الْقِيمَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهُ فَضْلُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَرْمِيًّا وَغَيْرَ مَرْمِيٍّ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَطَعَ السِّرَايَةَ وَإِذَا انْقَطَعَتْ بَقِيَ مُجَرَّدُ الرَّمْيِ وَهِيَ جِنَايَةٌ تُنْتَقَصُ بِهَا قِيمَةُ الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا قَبْلَ الرَّمْيِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَبْلَ الرَّمْيِ وَثَمَانَمِائَةٍ بَعْدَهُ لَزِمَهُ مِائَتَانِ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَاطِعٌ لِلسِّرَايَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا أَرْشُ الْيَدِ مَعَ النُّقْصَانِ الَّذِي نَقَصَهُ الْقَطْعُ إلَى الْعِتْقِ وَهُوَ بِنَفْسِ الرَّمْيِ فَصَارَ جَانِيًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ النُّقْصَانَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الرَّامِيَ يَصِيرُ قَاتِلًا لَهُ مِنْ وَقْتِ الرَّمْيِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ وَالْجَرْحِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إتْلَافٌ لِبَعْضِ الْمَحَلِّ وَالْإِتْلَافُ يُوجِبُ الضَّمَانَ لِلْمَوْلَى لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لَهُ ثُمَّ إذَا سَرَى لَا يُوجِبُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ شَيْئًا لَوَجَبَ لِلْعَبْدِ لَا لِلْمَوْلَى لِانْقِطَاعِ حَقِّ الْمَوْلَى عَنْهُ وَظُهُورِ حَقِّهِ فِيهِ فَيَصِيرُ النِّهَايَةُ مُخَالَفَةً لِلْبَدِيَّةِ فَصَارَ ذَلِكَ كَتَبَدُّلِ الْمَحَلِّ وَعِنْدَ تَبَدُّلِ الْمَحَلِّ لَا تَتَبَدَّلُ السِّرَايَةُ فَكَذَا هُنَا أَمَّا الرَّمْيُ فَقَبْلَ الْإِصَابَةِ بِهِ لَيْسَ بِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَحَلِّ .
وَإِنَّمَا قَلَّتْ فِيهِ الرَّغَبَاتُ فَلَا يَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ قَبْلَ الِاتِّصَالِ بِالْمَحَلِّ وَعِنْدَ الِاتِّصَالِ بِالْمَحَلِّ يَسْتَنِدُ الْوُجُوبُ إلَى وَقْتِ الِانْعِقَادِ فَلَا تُخَالِفُ النِّهَايَةُ الْبِدَايَةَ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ لِلْمَوْلَى وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَنَّ الرَّمْيَ إنَّمَا صَارَ عِلَّةً عِنْدَ الْإِصَابَةِ إذْ الْإِتْلَافُ لَا يَصِيرُ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَلَفٍ يَتَّصِلُ بِهِ ، وَوَقْتُ التَّلَفِ الْمُتْلَفُ حُرٌّ فَتَجِبُ دِيَتُهُ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ وَالْفَرْقُ لَهُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ الِارْتِدَادِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى الرَّمْيِ مَا يُوجِبُ عِصْمَةَ الْمَحَلِّ فِيمَا تَقَدَّمَ ، فَحَصَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرَاءِ أَمَّا هُنَا اعْتَرَضَ عَلَى الرَّمْيِ بِمَا يُؤَكِّدُ عِصْمَةَ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الْجِنَايَةُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث