البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثاني
الصفحة 602 · ص. المطبوع 32 · الشرح
( قَوْلُهُ وَعَدُّ الْآيِ وَالتَّسْبِيحِ ) أَيْ وَيُكْرَهُ عَدُّ الْآيَاتِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَكَذَا السُّوَرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْعَدَّ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْهُمَا فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْعَدَّ بِالْيَدِ لَا بَأْسَ بِهِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ فِي الْكَافِي وَقَالَا لَا بَأْسَ بِهِ فَجَزَمَ بِهِ عَنْهُمَا وَعَلَّلَ لَهُمَا بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَضْطَرُّ إلَى ذَلِكَ لِمُرَاعَاةِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ وَالْعَمَلِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ { ۝ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِنِسْوَةٍ سَأَلَتْهُ عَنْ التَّسْبِيحِ اُعْدُدْنَهُ بِالْأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَقَوْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ قُلْنَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعُدَّ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ إنَّمَا يَأْتِي هَذَا فِي الْآيِ دُونَ التَّسْبِيحَاتِ ا هـ .
قَالُوا وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ هُوَ الْعَدُّ بِالْيَدِ كَمَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِأَصَابِعِهِ أَوْ بِخَيْطٍ يُمْسِكُهُ أَمَّا الْغَمْزُ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ أَوْ الْحِفْظُ بِالْقَلْبِ فَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ اتِّفَاقًا وَالْعَدُّ بِاللِّسَانِ مُفْسِدٌ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِالْآيِ وَالتَّسْبِيحِ لِأَنَّ عَدَّ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّ الْعَدَّ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَا يُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِلْقَلْبِ وَأَجْلَبُ لِلنَّشَاطِ وَلِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ { ۝ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًا تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ أُخْبِرُك بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْك مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ } فَلَمْ يَنْهَهَا عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَرْشَدَهَا إلَى مَا هُوَ أَيْسَرُ وَأَفْضَلُ وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَبَيَّنَ لَهَا ذَلِكَ ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَشْهَدُ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاتِّخَاذِ السُّبْحَةِ الْمَعْرُوفَةِ لِإِحْصَاءِ عَدَدِ الْأَذْكَارِ إذْ لَا تَزِيدُ السُّبْحَةُ عَلَى مَضْمُونِ هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا بِضَمِّ النَّوَى وَنَحْوِهِ فِي خَيْطٍ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ فِي الْمَنْعِ فَلَا جَرَمَ إنْ نُقِلَ اتِّخَاذُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الْأَخْيَارِ وَغَيْرِهِمْ اللَّهُمَّ إلَّا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ فَلَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَشْهَدُ لِأَفْضَلِيَّةِ هَذَا الذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ عَلَى ذِكْرٍ مُجَرَّدٍ عَنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ وَلَوْ تَكَرَّرَ يَسِيرًا
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعَلَّامَةَ الْحَلَبِيَّ ذَكَرَ أَنَّ كَرَاهَةَ الْعَدِّ بِالْيَدِ فِي الصَّلَاةِ تَنْزِيهِيَّةٌ وَظَاهِرُ النِّهَايَةِ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ فَإِنَّهُ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الْعَدُّ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ فَصْلٌ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَقَدْ يَصِيرُ الْعَدُّ عَمَلًا 32 كَثِيرًا فَيُوجِبُ فَسَادَ الصَّلَاةِ وَمَا رُوِيَ فِي الْأَحَادِيثِ مَنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَكَذَا كَذَا تَسْبِيحَةً فَتِلْكَ الْأَحَادِيثُ لَمْ يُصَحِّحْهَا الثِّقَاتُ أَمَّا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ فَقَدْ أَوْرَدَهَا الثِّقَاتُ وَهِيَ صَلَاةٌ مُبَارَكَةٌ فِيهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ وَمَنَافِعُ كَثِيرَةٌ فَإِنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَحْفَظَ بِالْقَلْبِ وَإِنْ احْتَاجَ يَعُدُّ بِالْأَنَامِلِ حَتَّى لَا يَصِيرَ عَمَلًا كَثِيرًا ا هـ .
ثُمَّ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ هَذِهِ مَا رَوَاهَا عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّاهُ أَلَا أُعْطِيك أَلَا أَمْنَحُك أَلَا أَحْبُوك أَلَا أَفْعَلُ بِك عَشْرَ خِصَالٍ إذَا أَنْتَ فَعَلْت ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَك ذَنْبَك أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ عَشْرَ خِصَالٍ أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ فَإِذَا فَرَغْت مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ فَقُلْ وَأَنْتَ قَائِمٌ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُ وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَك مِنْ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنْ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَسْجُدُ الثَّانِيَةَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَك مِنْ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلَ فَفِي عُمْرِكَ مَرَّةً } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ وَقَالَ فِي آخِرِهِ { ۝ فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُك مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ أَوْ رَمْلِ عَالِجٍ غَفَرَ اللَّهُ لَك } قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَمْثَلُهَا حَدِيثُ عِكْرِمَةُ هَذَا وَقَدْ صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ ا هـ .
وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ مَشَايِخُنَا إنْ احْتَاجَ الْمَرْءُ إلَى الْعَدِّ يَعُدُّ إشَارَةً لَا إفْصَاحًا وَيُعْمَلُ بِقَوْلِهِمَا فِي الْمُضْطَرِّ . ا هـ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث