الأم
الأم · الجزء السابع
الصفحة 4603 · ص. المطبوع 293
بَابُ حِكَايَةِ قَوْلِ مَنْ رَدَّ خَبَرَ الْخَاصَّةِ
( أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ ) قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ فَوَافَقَنَا طَائِفَةٌ فِي أَنَّ تَثْبِيتَ الْأَخْبَارِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَازِمٌ لِلْأُمَّةِ وَرَأَوْا مَا حَكَيْت مِمَّا احْتَجَجْت بِهِ عَلَى مَنْ رَدَّ الْخَبَرَ حُجَّةً يُثْبِتُونَهَا وَيُضَيِّقُونَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَهَا ثُمَّ كَلَّمَنِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجْتَمَعِينَ وَمُتَفَرِّقِينَ بِمَا لَا أَحْفَظُ أَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الْمُنْفَرِدِ عَنْهُمْ مِنْهُمْ وَكَلَامَ الْجَمَاعَةِ وَلَا مَا أَجَبْت بِهِ كُلًّا وَلَا أَنَّهُ قِيلَ لِي وَقَدْ جَهَدْت عَلَى تَقَصِّي كُلِّ مَا احْتَجُّوا بِهِ فَأَثْبَتُّ أَشْيَاءَ قَدْ قُلْتهَا وَلِمَنْ قُلْتهَا مِنْهُمْ وَذَكَرْت بَعْضَ مَا أَرَاهُ مِنْهُ يَلْزَمُهُمْ وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ قَالَ فَكَانَتْ جُمْلَةُ قَوْلِهِمْ أَنْ قَالُوا لَا يَسَعُ أَحَدًا مِنْ الْحُكَّامِ وَلَا مِنْ الْمُفْتِينَ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَحْكُمَ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْإِحَاطَةِ ، وَالْإِحَاطَةُ كُلُّ مَا عُلِمَ أَنَّهُ حَقٌّ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يَشْهَدُ بِهِ عَلَى اللَّهِ ، وَذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا وَكُلُّ مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ وَلَمْ يَفْتَرِقُوا فِيهِ فَالْحُكْمُ كُلُّهُ وَاحِدٌ يَلْزَمُنَا أَنْ لَا نَقْبَلَ مِنْهُمْ إلَّا مَا قُلْنَا مِثْلَ أَنَّ الظُّهْرَ أَرْبَعٌ لِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي لَا مُنَازِعَ فِيهِ وَلَا دَافِعَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَسَعُ أَحَدًا يَشُكَّ فِيهِ قُلْت لَهُ لَسْت أَحْسَبُهُ يَخْفَى عَلَيْك وَلَا عَلَى أَحَدٍ حَضَرَك أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي عِلْمِ الْخَاصَّةِ مَا يُوجَدُ فِي عِلْمِ الْعَامَّةِ قَالَ وَكَيْفَ ؟ قُلْت عِلْمُ الْعَامَّةِ عَلَى مَا وَصَفْت لَا تَلْقَى أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَجَدْت عِلْمَهُ عِنْدَهُ وَلَا يَرُدُّ مِنْهَا أَحَدٌ شَيْئًا عَلَى أَحَدٍ فِيهِ كَمَا وَصَفْت فِي جُمَلِ الْفَرَائِضِ وَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، وَعِلْمُ الْخَاصَّةِ عِلْمُ السَّابِقِينَ وَالتَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ إلَى مَنْ لَقِيت تَخْتَلِفُ أَقَاوِيلُهُمْ وَتَتَبَايَنُ تَبَايُنًا بَيِّنًا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ يَتَأَوَّلُونَ فِيهِ وَلَمْ يَذْهَبُوا إلَى الْقِيَاسِ فَيَحْتَمِلُ الْقِيَاسُ الِاخْتِلَافَ فَإِذَا اخْتَلَفُوا فَأَقَلُّ مَا عِنْدَ الْمُخَالِفِ لِمَنْ أَقَامَ عَلَيْهِ خِلَافَهُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ عِنْدَهُ ، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ مَنْ خَالَفَهُ وَلَيْسَتْ هَكَذَا الْمَنْزِلَةُ الْأُولَى وَمَا قِيلَ قِيَاسًا فَأَمْكَنَ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يُخْطِئَ الْقِيَاسُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَك أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ إحَاطَةً وَلَا يَشْهَدُ بِهِ 293 كُلِّهِ عَلَى اللَّهِ كَمَا زَعَمْت فَذَكَرْت أَشْيَاءَ تَلْزَمُهُ عِنْدِي سِوَى هَذَا فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ دَعْ الْمَسْأَلَةَ فِي هَذَا وَعِنْدَنَا أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّا أَدْخَلْت عَلَيْهِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ كُلِّهِ قَالَ فَأَنَا أُحَدِّثُ لَك غَيْرَ مَا قَالَ قُلْت فَاذْكُرْهُ قَالَ الْعِلْمُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا مَا نَقَلَتْهُ عَامَّةٌ عَنْ عَامَّةٍ أَشْهَدُ بِهِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ مِثْلَ جُمَلِ الْفَرَائِضِ قُلْت هَذَا الْعِلْمُ الْمُقَدَّمُ الَّذِي لَا يُنَازِعُك فِيهِ أَحَدٌ .
وَمِنْهَا كِتَابٌ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ فَإِذَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعَامِّهِ لَا يُصْرَفُ إلَى بَاطِنٍ أَبَدًا وَإِنْ احْتَمَلَهُ إلَّا بِإِجْمَاعٍ مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِذَا تَفَرَّقُوا فَهُوَ عَلَى الظَّاهِرِ قَالَ وَمِنْهَا مَا اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَحَكَوْا عَمَّنْ قَبْلَهُمْ الِاجْتِمَاعَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا هَذَا بِكِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ فَقَدْ يَقُومُ عِنْدِي مَقَامَ السُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا وَذَلِكَ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَا يَكُونُ عَنْ رَأْيٍ لِأَنَّ الرَّأْيَ إذَا كَانَ تَفَرَّقَ فِيهِ قُلْت فَصِفْ لِي مَا بَعْدَهُ قَالَ وَمِنْهَا عِلْمُ الْخَاصَّةِ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِعِلْمِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَكُونَ نَقْلُهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُؤْمَنُ فِيهِ الْغَلَطُ
، ثُمَّ آخِرُ هَذَا الْقِيَاسُ ، وَلَا يُقَاسُ مِنْهُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ حَتَّى يَكُونَ مُبْتَدَؤُهُ وَمَصْدَرُهُ وَمَصْرِفُهُ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ سَوَاءٌ ، فَيَكُونَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ . وَلَا يَسَعُ التَّفَرُّقُ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْت مِنْ سَبِيلِ الْعِلْمِ وَالْأَشْيَاءُ عَلَى أُصُولِهَا حَتَّى تَجْتَمِعَ الْعَامَّةُ عَلَى إزَالَتِهَا عَنْ أُصُولِهَا وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْخَطَأُ قَالَ فَقُلْت أَمَّا مَا ذَكَرْت مِنْ الْعِلْمِ الْأَوَّلِ مِنْ نَقْلِ الْعَوَامّ عَنْ الْعَوَامّ فَكَمَا قُلْت أَفَرَأَيْت الثَّانِيَ الَّذِي قُلْت لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْعَوَامُّ بَلْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ وَتَحْكِي عَمَّنْ قَبْلَهَا الِاجْتِمَاعَ عَلَيْهِ أَتَعْرِفُهُ فَتَصِفُهُ أَوْ تَعْرِفُ الْعَوَامَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ عَنْ الْعَوَامّ أَهُمْ كَمَنْ قُلْت فِي جُمَلِ الْفَرَائِضِ فَأُولَئِكَ الْعُلَمَاءُ وَمَنْ لَا يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَلَا نَجِدُ أَحَدًا بَالِغًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ يَشُكُّ أَنَّ فَرْضَ اللَّهِ أَنَّ الظُّهْرَ أَرْبَعٌ أَمْ هُوَ وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ بَلْ هُوَ وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا قُلْت فَصِفْهُ قَالَ هَذَا إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ دُونَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُمْ مُنْفَرِدُونَ بِالْعِلْمِ دُونَهُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَإِذَا اجْتَمَعُوا قَامَتْ بِهِمْ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَإِذَا افْتَرَقُوا لَمْ تَقُمْ بِهِمْ عَلَى أَحَدٍ حُجَّةٌ وَكَانَ الْحَقُّ فِيمَا تَفَرَّقُوا فِيهِ أَنْ يُرَدَّ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَأَيَّ حَالٍ وَجَدْتهمْ بِهَا ؟ دَلَّتْنِي عَلَى حَالِ مَنْ قَبْلَهُمْ إنْ كَانُوا مُجْتَمَعِينَ مِنْ جِهَةٍ عَلِمْت أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُجْتَمِعُونَ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ لِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ مِنْ جِهَةٍ .
فَإِنْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ عَلِمْت أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ وَسَوَاءٌ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ مِنْ خَبَرٍ يَحْكُونَهُ أَوْ غَيْرِ خَبَرِ لِلِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ إلَّا بِخَبَرٍ لَازِمٍ وَسَوَاءٌ إذَا تَفَرَّقُوا حَكَوْا خَبَرًا بِمَا وَافَقَ بَعْضَهُمْ أَوْ لَمْ يَحْكُوهُ لِأَنِّي لَا أَقْبَلُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ إلَّا مَا أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِهِ فَأَمَّا مَا تَفَرَّقُوا فِي قَبُولِهِ فَإِنَّ الْغَلَطَ يُمْكِنُ فِيهِ فَلَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ بِأَمْرٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْغَلَطُ قَالَ فَقُلْت لَهُ هَذَا تَجْوِيزُ إبْطَالِ الْأَخْبَارِ وَإِثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّك زَعَمْت أَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ كَانَ فِيهِ خَبَرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَأَنَّ افْتِرَاقَهُمْ غَيْرُ حُجَّةٍ كَانَ فِيهِ خَبَرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَقُلْت لَهُ : وَمَنْ أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِي إذَا أَجْمَعُوا قَامَتْ بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةٌ ؟ قَالَ هُمْ مَنْ نَصَّبَهُ أَهْلُ بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَقِيهًا رَضُوا قَوْلَهُ وَقَبِلُوا حُكْمَهُ قُلْت فَمِثْلُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ إذَا أَجْمَعُوا كَانُوا حُجَّةً أَرَأَيْت إنْ كَانُوا عَشَرَةً فَغَابَ وَاحِدٌ أَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَتَجْعَلُ التِّسْعَةَ إذَا اجْتَمَعُوا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ حُجَّةً ؟ قَالَ ، فَإِنْ قُلْت لَا ؟ قُلْت أَفَرَأَيْت إنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ أَوْ غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ أَيَكُونُ لِلتِّسْعَةِ أَنْ يَقُولُوا ؟ قَالَ ، فَإِنْ قُلْت نَعَمْ ؟ ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ خَمْسَةٌ أَوْ تِسْعَةٌ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَقُولَ ؟ قَالَ ، فَإِنْ قُلْت لَا قُلْت فَأَيَّ شَيْءٍ قُلْت فِيهِ كَانَ مُتَنَاقِضًا قَالَ فَدَعْ هَذَا قُلْت فَقَدْ وَجَدْت أَهْلَ الْكَلَامِ مُنْتَشِرِينَ فِي أَكْثَرِ الْبُلْدَانِ فَوَجَدْت كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تُنَصِّبُ مِنْهَا مَنْ تَنْتَهِي إلَى قَوْلِهِ وَتَضَعُهُ الْمَوْضِعَ الَّذِي وَصَفْت أَيَدْخُلُونَ فِي 294 الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا مَعَهُمْ أَمْ خَارِجُونَ مِنْهُمْ قَالَ ، فَإِنْ قُلْت إنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِيهِمْ ؟ قُلْت ، فَإِنْ شِئْت فَقُلْهُ قَالَ فَقَدْ قُلْته قُلْت فَمَا تَقُولُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ؟ .
قَالَ ، فَإِنْ قُلْت لَا يَمْسَحُ أَحَدٌ لِأَنِّي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ رَدَدْته إلَى الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ الْوُضُوءُ قُلْت ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَمَا تَقُولُ فِي الزَّانِي الثَّيِّبِ أَتَرْجُمُهُ قَالَ : نَعَمْ .
قُلْت : كَيْفَ تَرْجُمُهُ وَمِمَّا نَصَّ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى أَنْ لَا رَجْمَ عَلَى زَانٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } فَكَيْفَ تَرْجُمُهُ وَلَمْ تَرُدَّهُ إلَى الْأَصْلِ مِنْ أَنَّ دَمَهُ مُحَرَّمٌ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى تَحْلِيلِهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ يَحْتَجُّ بِأَنَّهُ زَانٍ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَأَنْ يُجْلَدَ مِائَةً قَالَ إنْ أَعْطَيْتُك هَذَا دَخَلَ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ يُجَاوِزُ الْقَدَرَ كَثْرَةً قُلْتُ : أَجَلْ ، فَقَالَ : فَلَا أُعْطِيك هَذَا وَأُجِيبُك فِيهِ غَيْرَ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ قُلْت فَقُلْ قَالَ لَا أَنْظُرُ إلَى قَلِيلٍ مِنْ الْمُفْتِينَ وَأَنْظُرُ إلَى الْأَكْثَرِ قُلْت أَفَتَصِفُ الْقَلِيلَ الَّذِينَ لَا تَنْظُرُ إلَيْهِمْ أَهُمْ إنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ النَّاسِ أَوْ ثُلُثِهِمْ أَوْ رُبُعِهِمْ قَالَ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحُدَّهُمْ وَلَكِنَّ الْأَكْثَرَ قُلْت أَفَعَشْرَةٌ أَكْثَرُ مِنْ تِسْعَةٍ قَالَ هَؤُلَاءِ مُتَقَارِبُونَ قُلْت فَحَدَّهُمْ بِمَا شِئْت قَالَ مَا أَقْدِرُ أَنْ أَحِدَّهُمْ قُلْت فَكَأَنَّك أَرَدْت أَنْ تَجْعَلَ هَذَا الْقَوْلَ مُطْلَقًا غَيْرَ مَحْدُودٍ فَإِذَا أَخَذْت بِقَوْلٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ قُلْت عَلَيْهِ الْأَكْثَرَ وَإِذَا أَرَدْت رَدَّ قَوْلٍ قُلْت : هَؤُلَاءِ الْأَقَلُّ أَفَتَرْضَى مِنْ غَيْرِك بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ رَأَيْت حِينَ صِرْت إلَى أَنْ دَخَلْت فِيمَا عِبْت مِنْ التَّفَرُّقِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ عَشَرَةً فَزَعَمْت أَنَّك لَا تَقْبَلُ إلَّا مِنْ الْأَكْثَرِ فَقَالَ سِتَّةٌ فَاتَّفَقُوا وَخَالَفَهُمْ أَرْبَعَةٌ أَلَيْسَ قَدْ شَهِدْت لِلسِّتَّةِ بِالصَّوَابِ وَعَلَى الْأَرْبَعَةِ بِالْخَطَأِ ؟ قَالَ ، فَإِنْ قُلْت بَلَى ؟ .
قُلْت فَقَالَ الْأَرْبَعَةُ فِي قَوْلٍ غَيْرِهِ فَاتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْ السِّتَّةِ مَعَهُمْ وَخَالَفَهُمْ أَرْبَعَةٌ قَالَ فَآخُذُ بِقَوْلِ السِّتَّةِ قُلْت فَتَدَعُ قَوْلَ الْمُصِيبِينَ بِالِاثْنَيْنِ وَتَأْخُذُ بِقَوْلِ الْمُخْطِئِينَ بِالِاثْنَيْنِ وَقَدْ أَمْكَنَ عَلَيْهِمْ مَرَّةً وَأَنْتَ تُنْكِرُ قَوْلَ مَا أَمْكَنَ فِيهِ الْخَطَأُ فَهَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ وَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت قَوْلَك لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ إلَّا بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ أَتَجِدُ السَّبِيلَ إلَى إجْمَاعِهِمْ كُلِّهِمْ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى تَلْقَاهُمْ كُلَّهُمْ أَوْ تَنْقُلَ عَامَّةً عَنْ عَامَّةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ؟ قَالَ مَا يُوجَدُ هَذَا قُلْت ، فَإِنْ قَبِلْت عَنْهُمْ بِنَقْلِ الْخَاصَّةِ فَقَدْ قَبِلْت فِيمَا عِبْت وَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا بِنَقْلِ الْعَامَّةِ لَمْ نَجِدْ فِي أَصْلِ قَوْلِك مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْبُلْدَانُ إذَا لَمْ تَقْبَلْ نَقْلَ الْخَاصَّةِ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ لَك فِي مَوْضِعٍ وَلَا تَجِدُ الْخَبَرَ عَنْهُمْ بِنَقْلِ عَامَّةٍ عَنْ عَامَّةٍ قُلْت فَأَسْمَعُك قَلَّدْت أَهْلَ الْحَدِيثِ وَهُمْ عِنْدَك يُخْطِئُونَ فِيمَا يَدِينُونَ بِهِ مِنْ قَبُولِ الْحَدِيثِ فَكَيْفَ تَأْمَنُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ فِيمَا قَلَّدُوهُ الْفِقْهَ وَنَسَبُوهُ إلَيْهِ فَأَسْمَعُك قَلَّدْت مَنْ لَا تَرْضَاهُ وَأَفْقَهُ النَّاسِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِهِمْ أَتْبَعُهُمْ لِلْحَدِيثِ وَذَلِكَ أَجْهَلُهُمْ لِأَنَّ الْجَهْلَ عِنْدَك قَبُولُ خَبَرِ الِانْفِرَادِ ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يَحْتَاجُونَ فِيهِ إلَى الْفُقَهَاءِ وَيُفَضِّلُونَهُمْ بِهِ مَعَ أَنَّ الَّذِي يُنْصَفُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الدُّنْيَا قَالَ فَكَيْفَ لَا يُوجَدُ ؟ قَالَ هُوَ أَوْ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ فَإِنِّي أَقُولُ إنَّمَا أَنْظُرُ فِي هَذَا إلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِالْفِقْهِ قُلْت لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إلَّا وَفِيهِ مِنْ أَهْلِهِ الَّذِينَ هُمْ بِمِثْلِ صِفَتِهِ يَدْفَعُونَهُ عَنْ الْفِقْهِ وَتَنْسُبُهُ إلَى الْجَهْلِ أَوْ إلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَعَلِمْت تَفَرُّقَ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ بَيْنَهُمْ
، ثُمَّ عَلِمْت تَفَرُّقَ كُلِّ بَلَدٍ فِي غَيْرِهِمْ فَعِلْمنَا أَنَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مَنْ كَانَ لَا يَكَادُ يُخَالِفُ قَوْلَ عَطَاءٍ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَخْتَارُ عَلَيْهِ
، ثُمَّ أَفْتَى بِهَا الزَّنْجِيُّ بْنُ خَالِدٍ فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُهُ فِي الْفِقْهِ وَمِنْهُمْ مِنْ يَمِيلُ إلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ وَأَصْحَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يُضَعِّفُونَ الْآخَرَ وَيَتَجَاوَزُونَ الْقَصْدَ وَعَلِمْت أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يُقَدِّمُونَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ
، ثُمَّ يَتْرُكُونَ بَعْضَ قَوْلِهِ
، ثُمَّ حَدَّثَ فِي زَمَانِنَا مِنْهُمْ مَالِكٌ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُهُ وَغَيْرُهُ يُسْرِفُ عَلَيْهِ فِي تَضْعِيفِ مَذَاهِبِهِمْ وَقَدْ رَأَيْت ابْنَ أَبِي الزِّنَادِ يُجَاوِزُ الْقَصْدَ فِي ذَمِّ مَذَاهِبِهِ وَرَأَيْت الْمُغِيرَةَ وَابْنَ أَبِي حَازِمٍ 295 والدَّراوَرْدِيُّ يَذْهَبُونَ مِنْ مَذَاهِبِهِ وَرَأَيْت مَنْ يَذُمُّهُمْ وَرَأَيْت بِالْكُوفَةِ قَوْمًا يَمِيلُونَ إلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَذُمُّونَ مَذَاهِبَ أَبِي يُوسُفَ وَآخَرِينَ يَمِيلُونَ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَذُمُّونَ مَذَاهِبَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَا خَالَفَ أَبَا يُوسُفَ وَآخَرِينَ يَمِيلُونَ إلَى قَوْلِ الثَّوْرِيِّ وَآخَرِينَ إلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَبَلَغَنِي غَيْرُ مَا وَصَفْت مِنْ الْبُلْدَانِ شَبِيهٌ بِمَا رَأَيْت مِمَّا وَصَفْت مِنْ تَفَرُّقِ أَهْلِ الْبُلْدَانِ وَرَأَيْت الْمَكِّيِّينَ يَذْهَبُونَ إلَى تَقْدِيمِ عَطَاءٍ فِي الْعِلْمِ عَلَى التَّابِعِينَ وَفِي بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ مَنْ يَذْهَبُونَ إلَى تَقْدِيمِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
، ثُمَّ لَعَلَّ كُلُّ صِنْفٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدَّمَ صَاحِبَهُ أَنْ يُسْرِفَ فِي الْمُبَايَنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَدَّمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبُلْدَانِ .
وَهَكَذَا رَأَيْنَاهُمْ فِيمَنْ نَصَّبُوا مِنْ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَدْرَكْنَا فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ يَخْتَلِفُونَ هَذَا الِاخْتِلَافَ فَسَمِعْت بَعْضَ مَنْ يُفْتِي مِنْهُمْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَانَ لِفُلَانٍ أَنْ يُفْتِيَ لِنَقْصِ عَقْلِهِ وَجَهَالَتِهِ وَمَا كَانَ يَحِلُّ لِفُلَانٍ أَنْ يَسْكُتَ يَعْنِي آخَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَيْت مِنْ أَهْلِ الْبُلْدَانِ مَنْ يَقُولُ مَا كَانَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِجَهَالَتِهِ يَعْنِي الَّذِي زَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْكُتَ لِفَضْلِ عِلْمِهِ وَعَقْلِهِ ثُمَّ وَجَدْت أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ كَمَا وَصَفْت فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ فَأَيْنَ اجْتَمَعَ لَك هَؤُلَاءِ عَلَى تَفَقُّهٍ وَاحِدٍ أَوْ تَفَقُّهٍ عَامٍّ ؟ وَكَمَا وَصَفْت رَأْيَهُمْ أَوْ رَأْيَ أَكْثَرِهِمْ وَبَلَغَنِي عَمَّنْ غَابَ عَنِّي مِنْهُمْ شَبِيهٌ بِهَذَا ، فَإِنْ أَجْمَعُوا لَك عَلَى نَفَرٍ مِنْهُمْ فَتَجْعَلُ أُولَئِكَ النَّفَرَ عُلَمَاءَ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ قَبِلْتَهُ قَالَ وَإِنَّهُمْ إنْ تَفَرَّقُوا كَمَا زَعَمْت بِاخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ أَوْ تَأْوِيلٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ نَفَاسَةٍ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّمَا أَقْبَلُ مِنْهُمْ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مَعًا فَقِيلَ لَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجْمَعُوا لَك عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ فِي غَايَةٍ فَكَيْفَ جَعَلْته عَالِمًا ؟ قَالَ لَا وَلَكِنْ يَجْتَمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ الْعِلْمِ قُلْت نَعَمْ وَيَجْتَمِعُونَ لَك عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ تُدْخِلْهُ فِي جُمْلَةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَعْلَمُونَ مِنْ الْعِلْمِ فَلِمَ قَدَّمْت هَؤُلَاءِ وَتَرَكْتهمْ فِي أَكْثَرِ هَؤُلَاءِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَمَا اسْمُك وَطَرِيقُك إلَّا بِطَرِيقِ التَّفَرُّقِ .
إلَّا أَنَّك تَجْمَعُ إلَى ذَلِكَ أَنْ تَدَّعِيَ الْإِجْمَاعَ وَإِنَّ فِي دَعْوَاكَ الْإِجْمَاعَ لَخِصَالًا يَجِبُ عَلَيْك فِي أَصْلِ مَذَاهِبِك أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي عِلْمِ الْخَاصَّةِ قَالَ فَهَلْ مِنْ إجْمَاعٍ ؟ قُلْت نَعَمْ نَحْمَدُ اللَّهَ كَثِيرًا فِي جُمْلَةِ الْفَرَائِضِ الَّتِي لَا يَسَعُ جَهْلُهَا ، فَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ هُوَ الَّذِي لَوْ قُلْت : أَجْمَعَ النَّاسُ ; لَمْ تَجِدْ حَوْلَك أَحَدًا يَعْرِفُ شَيْئًا يَقُولُ لَك لَيْسَ هَذَا بِإِجْمَاعٍ فَهَذِهِ الطَّرِيقُ الَّتِي يَصْدُقُ بِهَا مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِيهَا وَفِي أَشْيَاءَ مِنْ أُصُولِ الْعِلْمِ دُونَ فُرُوعِهِ وَدُونَ الْأُصُولِ غَيْرِهَا فَأَمَّا مَا ادَّعَيْت مِنْ الْإِجْمَاعِ حَيْثُ قَدْ أَدْرَكْت التَّفَرُّقَ فِي دَهْرِك وَتَحْكِي عَنْ أَهْلِ كُلِّ قَرْنٍ فَانْظُرْهُ أَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إجْمَاعًا ؟ قَالَ فَقَالَ قَدْ ادَّعَى بَعْضُ أَصْحَابِك الْإِجْمَاعَ فِيمَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ فَمَا سَمِعْت مِنْهُمْ أَحَدًا ذَكَرَ قَوْلَهُ إلَّا عَائِبًا لِذَلِكَ وَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي لَمَعِيبٌ قُلْت مِنْ أَيْنَ عِبْته وَعَابُوهُ ؟ وَإِنَّمَا ادِّعَاءُ إجْمَاعِ فِرْقَةٍ أَحْرَى أَنْ يُدْرَكَ مِنْ ادِّعَائِك الْإِجْمَاعَ عَلَى الْأُمَّةِ فِي الدُّنْيَا قَالَ إنَّمَا عِبْنَاهُ أَنَّا نَجِدُ فِي الْمَدِينَةِ اخْتِلَافًا فِي كُلِّ قَرْنٍ فِيمَا يَدَّعِي فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَلَا يَجُوزُ الْإِجْمَاعُ إلَّا عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفٌ فَلَعَلَّ الْإِجْمَاعَ عِنْدَهُ الْأَكْثَرُ وَإِنْ خَالَفَهُمْ الْأَقَلُّ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إجْمَاعًا وَيَقُولُ الْأَكْثَرُ إذَا كَانَ لَا يَرْوِي عَنْهُمْ شَيْئًا وَمَنْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ شَيْءٌ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْسَبَ إلَى أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَى قَوْلِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَى خِلَافِهِ فَقُلْت لَهُ إنْ كَانَ مَا قُلْت مِنْ هَذَا كَمَا قُلْت فَاَلَّذِي يَلْزَمُك فِيهِ أَكْثَرُ .
لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي عِلْمِ الْخَاصَّةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي فِرْقَةٍ كَانَ أَنْ يُوجَدَ فِي الدُّنْيَا أَبْعَدَ قَالَ وَقُلْت قَوْلُك وَقَوْلُ مَنْ قَالَ الْإِجْمَاعُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ قَالَ فَأَوْجِدْنِي مَا قُلْت .
قُلْت إنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ قَبْلَك إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ أَوْ الْقَرْنِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَأَهْلِ زَمَانِك فَأَنْتَ تُثْبِتُ عَلَيْهِمْ أَمْرًا تُسَمِّيه إجْمَاعًا قَالَ مَا هُوَ ؟ اجْعَلْ لَهُ مِثَالًا لِأَعْرِفَهُ قُلْت كَأَنَّك ذَهَبَتْ إلَى أَنْ جَعَلْت ابْنَ الْمُسَيِّبِ عَالِمَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَطَاءَ عَالِمَ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْحَسَنَ عَالِمَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالشَّعْبِيَّ عَالِمَ أَهْلَ الْكُوفَةِ مِنْ التَّابِعِينَ فَجَعَلْت الْإِجْمَاعَ مَا أَجْمَعَ 296 عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ قَالَ نَعَمْ قُلْت زَعَمْت أَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا قَطُّ فِي مَجْلِسٍ عَلِمْته وَإِنَّمَا اسْتَدْلَلْت عَلَى إجْمَاعِهِمْ بِنَقْلِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ وَأَنَّك لَمَّا وَجَدْتهمْ يَقُولُونَ فِي الْأَشْيَاءِ وَلَا تَجِدُ فِيهَا كِتَابًا وَلَا سُنَّةً اسْتَدْلَلْت عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا بِهَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ فَقُلْت الْقِيَاسُ الْعِلْمُ الثَّابِتُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ حَقٌّ قَالَ هَكَذَا قُلْت وَقُلْت لَهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا قَالُوا مَا لَمْ تَجِدْهُ أَنْتَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَمَا يَرَوْنَ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَقَالُوا بِالرَّأْيِ دُونَ الْقِيَاسِ قَالَ إنَّ هَذَا وَإِنْ أَمْكَنَ عَلَيْهِمْ فَلَا أَظُنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ عَلِمُوا شَيْئًا فَتَرَكُوا ذِكْرَهُ وَلَا أَنَّهُمْ قَالُوا إلَّا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ فَقُلْت لَهُ لِأَنَّك وَجَدْت أَقَاوِيلَهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ لَازِمٌ لَهُمْ أَوْ إنَّمَا هَذَا شَيْءٌ ظَنَنْته لِأَنَّهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَقُلْت لَهُ فَلَعَلَّ الْقِيَاسَ لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ مَحَلَّهُ عِنْدَك قَالَ مَا أَرَى إلَّا مَا وَصَفْت لَك فَقُلْت لَهُ هَذَا الَّذِي رَوَيْته عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ قَالُوا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ تَوَهُّمٌ ، ثُمَّ جَعَلْت التَّوَهُّمَ حُجَّةً قَالَ فَمِنْ أَيْنَ أَخَذْت الْقِيَاسَ أَنْتَ وَمَنَعْت أَنْ لَا يُقَالَ إلَّا بِهِ ؟ قُلْت مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخَذْته مِنْهَا وَقَدْ كَتَبْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث