إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الأول
page 107
[ كَيْفَ يُجْزَى الْجَانِي عَلَى الْعِرْضِ ؟ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْجِنَايَةُ عَلَى الْعِرْضِ ، فَإِنْ كَانَ حَرَامًا فِي نَفْسِهِ كَالْكَذِبِ عَلَيْهِ وَقَذْفِهِ وَسَبِّ وَالِدَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِهِ اتِّفَاقًا ، وَإِنْ سَبَّهُ فِي نَفْسِهِ ، أَوْ سَخِرَ بِهِ ، أَوْ هَزَأَ بِهِ ، أَوْ بَالَ عَلَيْهِ ، أَوْ بَصَقَ عَلَيْهِ ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ نَظِيرَ مَا فَعَلَ بِهِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَسَعَهُ ، أَوْ صَفَعَهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ نَظِيرَ مَا فَعَلَ بِهِ سَوَاءً ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ مِنْ التَّعْزِيرِ الْمُخَالِفِ لِلْجِنَايَةِ جِنْسًا وَنَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً ، وَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَهَا ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : { ۝ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُكَلِّمُهُ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ ، فَأَتَتْهُ فَأَغْلَظَتْ ، وَقَالَتْ : إنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ، فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهِيَ قَاعِدَةٌ ، فَسَبَّتْهَا ، حَتَّى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَنْظُرَ إلَى عَائِشَةَ هَلْ تَتَكَلَّمُ ، فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا ، قَالَتْ : فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عَائِشَةَ وَقَالَ : إنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ هَذِهِ الْقِصَّةُ ، { ۝ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ ، وَقَالَتْ : ثُمَّ وَقَعَتْ فِي ، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرْقُبُ طَرَفَهُ : هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا ؟ قَالَتْ : فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ ، فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَثْخَنْتُ عَلَيْهَا ، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبَسَّمَ : إنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ } ، وَفِي لَفْظٍ فِيهِمَا { ۝ لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً } .
وَقَدْ حَكَى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ : { أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } : ] لَمَّا قَالُوا : { إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ كِتْمَانَ الْحَالِ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ رَأَى ذَلِكَ فِيهَا كَثِيرًا جِدًّا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith