إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الثالث
page 339 · printed p. 18
فَصْلٌ
[ مِنْ أَسْبَابِ سُقُوطِ الْحَدِّ عَامُ الْمَجَاعَةِ ]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْقَطَ الْقَطْعَ عَنْ السَّارِقِ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ ، قَالَ السَّعْدِيُّ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْخَزَّازُ ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ زَاهِرٍ أَنَّ ابْنَ حُدَيْرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُمَرَ قَالَ : لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي عِذْقٍ وَلَا عَامِ سَنَةٍ .
قَالَ السَّعْدِيُّ : سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : الْعِذْقُ النَّخْلَةُ ، وَعَامُ سَنَةٍ : الْمَجَاعَةُ ، فَقُلْت لِأَحْمَدَ : تَقُول بِهِ ؟ فَقَالَ : إي لَعَمْرِي ، قُلْت : إنْ سَرَقَ فِي مَجَاعَةٍ لَا تَقْطَعُهُ ؟ فَقَالَ : لَا ، إذَا حَمَلَتْهُ الْحَاجَةُ عَلَى ذَلِكَ وَالنَّاسُ فِي مَجَاعَةٍ وَشِدَّةٍ .
قَالَ السَّعْدِيُّ : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ قَضِيَّةِ عُمَرَ فِي غِلْمَانِ حَاطِبٍ ، ثنا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمٌ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ حَاطِبٍ أَنَّ غِلْمَةً لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، فَأَتَى بِهِمْ عُمَرُ ، فَأَقَرُّوا ، فَأَرْسَلَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ فَجَاءَ فَقَالَ لَهُ : إنَّ غِلْمَانَ حَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ وَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا كَثِيرُ بْنَ الصَّلْتِ اذْهَبْ فَاقْطَعْ أَيْدِيَهُمْ ، فَلَمَّا وَلَّى بِهِمْ رَدَّهُمْ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ : أَمَا وَاَللَّهُ لَوْلَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُمْ وَتُجِيعُونَهُمْ حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ أَكَلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَلَّ لَهُ لَقَطَعْت أَيْدِيَهُمْ ، وَاَيْمُ اللَّهِ إذَا لَمْ أَفْعَلْ لَأُغَرِّمَنَّكَ غَرَامَةً تُوجِعُكَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُزَنِيُّ بِكَمْ أُرِيدَتْ مِنْك نَاقَتُك ؟ قَالَ : بِأَرْبَعِ مِائَةٍ ، قَالَ عُمَرُ : اذْهَبْ فَأَعْطِهِ ثَمَانِي مِائَةٍ .
وَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى مُوَافَقَةِ عُمَرَ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا ; فِي مَسَائِلِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيِّ الَّتِي شَرَحَهَا السَّعْدِيُّ بِكِتَابٍ سَمَّاهُ الْمُتَرْجِمُ ، قَالَ : سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ الرَّجُلِ يَحْمِلُ الثَّمَرَ مِنْ أَكْمَامِهِ ، فَقَالَ : فِيهِ الثَّمَنُ مَرَّتَيْنِ وَشَرَبُ نَكَالٍ ، وَقَالَ : وَكُلُّ مَنْ دَرَأْنَا عَنْهُ الْحَدُّ وَالْقَوَدُ أَضْعَفْنَا عَلَيْهِ الْغُرْمَ ، وَقَدْ وَافَقَ أَحْمَدَ عَلَى سُقُوطِ الْقَطْعِ فِي الْمَجَاعَةِ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ ، وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ ; فَإِنَّ السَّنَةَ إذَا كَانَتْ سَنَةَ مَجَاعَةٍ وَشِدَّةٍ غَلَبَ عَلَى النَّاسِ الْحَاجَةُ وَالضَّرُورَةُ ، فَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ السَّارِقُ مِنْ ضَرُورَةٍ تَدْعُوهُ إلَى مَا 18 يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ ، وَيَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ بَذْلُ ذَلِكَ لَهُ ، إمَّا بِالثَّمَنِ أَوْ مَجَّانًا ، عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ ; وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ بَذْلِهِ مَجَّانًا ; لِوُجُوبِ الْمُوَاسَاةِ وَإِحْيَاءِ النُّفُوسِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَالْإِيثَارِ بِالْفَضْلِ مَعَ ضَرُورَةِ الْمُحْتَاجِ ، وَهَذِهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ تَدْرَأُ الْقَطْعَ عَنْ الْمُحْتَاجِ ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الشُّبَهِ الَّتِي يَذْكُرُهَا كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، بَلْ إذَا وَازَنْت بَيْنَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَبَيْنَ مَا يَذْكُرُونَهُ ظَهَرَ لَك التَّفَاوُتُ ، فَأَيْنَ شُبْهَةُ كَوْنِ الْمَسْرُوقِ مِمَّا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ ، وَكَوْنُ أَصْلِهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ كَالْمَاءِ ، وَشُبْهَةُ الْقَطْعِ بِهِ مَرَّةً ، وَشُبْهَةُ دَعْوَى مِلْكِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ ، وَشُبْهَةُ إتْلَافِهِ فِي الْحِرْزِ بِأَكْلٍ أَوْ احْتِلَابٍ مِنْ الضَّرْعِ ، وَشُبْهَةُ نُقْصَانِ مَالِيَّتِهِ فِي الْحِرْزِ بِذَبْحٍ أَوْ تَحْرِيقٍ ثُمَّ إخْرَاجُهُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الشُّبَهِ الضَّعِيفَةِ جِدًّا إلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ ؟ لَا سِيَّمَا وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي مُغَالَبَةِ صَاحِبِ الْمَالِ عَلَى أَخْذِ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ .
وَعَامُ الْمَجَاعَةِ يَكْثُرُ فِيهِ الْمَحَاوِيجُ وَالْمُضْطَرُّونَ ، وَلَا يَتَمَيَّزُ الْمُسْتَغْنِي مِنْهُمْ وَالسَّارِقُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنْ غَيْرِهِ ، فَاشْتَبَهَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِمَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، فَدُرِئَ . نَعَمْ إذَا بَانَ أَنَّ السَّارِقَ لَا حَاجَةَ بِهِ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ السَّرِقَةِ قُطِعَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith