إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الرابع
[ خَوْفُ زَوْجِ الْأَمَةِ مِنْ رِقِّ أَوْلَادِهِ ]
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ : إذَا خَافَ الْعَنَتَ ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلَ حُرَّةٍ وَكَرِهَ رِقَّ أَوْلَادِهِ ، فَالْحِيلَةُ فِي عِتْقِهِمْ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى السَّيِّدِ أَنَّ مَا وَلَدَتْهُ زَوْجَتُهُ مِنْهُ مِنْ الْوَلَدِ فَهُمْ أَحْرَارٌ ، فَكُلُّ وَلَدٍ تَلِدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْوِلَادَةِ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ : كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا أَحْفَظُ فِيهِ خِلَافًا .
9 فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ تُجَوِّزُونَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِدُونِ الشَّرْطَيْنِ إذَا أَمِنَ رِقَّ وَلَدِهِ بِهَذَا التَّعْلِيقِ ؟ قِيلَ : هَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ ، وَلَا تَأْبَاهُ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّ الْوَلَدَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ ، وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ ، وَمِثْلُ هَذَا هَلْ يَنْتَهِضُ سَبَبًا ; لِتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ ؟ أَوْ يُقَالُ - وَهُوَ أَظْهَرُ - : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ ; لِأَنَّهُنَّ فِي الْغَالِبِ لَا يُحْجَبْنَ حَجْبَ الْحَرَائِرِ ، وَهُنَّ فِي مِهْنَةِ سَادَاتِهِنَّ وَحَوَائِجِهِنَّ ، وَهُنَّ بَرْزَاتٌ لَا مُخَدَّرَاتٌ ؟ ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي إمَائِهِنَّ ، وَإِلَى الْيَوْمِ ، فَصَانَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَزْوَاجَ أَنْ تَكُونَ زَوْجَاتُهُمْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ ، مَعَ مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ رِقِّ الْوَلَدِ ، وَأَبَاحَهُ لَهُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ كَمَا أَبَاحَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ، وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ ، وَكُلُّ هَذَا مَنَعَ مِنْهُ تَعَالَى كَنِكَاحِ غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ ، وَلِهَذَا شَرَطَ تَعَالَى فِي نِكَاحِهِنَّ أَنْ يَكُنَّ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ، وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ، أَيْ : غَيْرَ زَانِيَةٍ مَعَ مَنْ كَانَ ، وَلَا زَانِيَةً مَعَ خَدِينِهَا وَعَشِيقِهَا دُونَ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُبِحْ لَهُمْ نِكَاحَ الْإِمَاءِ إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ : عَدَمُ الطَّوْلِ ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ ، وَإِذْنُ سَيِّدِهَا ، وَأَنْ تَكُونَ عَفِيفَةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ فُجُورًا عَامًّا ، وَلَا خَاصًّا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ : إذَا لَمْ تُمَكِّنْهُ أَمَتُهُ مِنْ نَفْسِهَا حَتَّى يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ إخْرَاجَهَا عَنْ مِلْكِهِ ، وَلَا تَصْبِرُ نَفْسُهُ عَنْهَا ; فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَهَبَهَا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ هِيَ ، وَالْبَيْعُ أَجْوَدُ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ ، ثُمَّ يُعْتِقُهَا ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا ، فَإِذَا فَعَلَ اسْتَرَدَّهَا مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ الْجَارِيَةُ ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ ، فَيَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا .
[ الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ مِنْ بَيْعِ جَارِيَتِهِ ]
الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ : إذَا أَرَادَهُ مَنْ لَا يَمْلِكُ رَدَّهُ عَلَى بَيْعِ جَارِيَتِهِ مِنْهُ فَالْحِيلَةُ فِي خَلَاصِهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَوَاءٌ ، وَيُشْهِدَ عَلَى عِتْقِهَا أَوْ نِكَاحِهَا ، ثُمَّ يَسْتَقِيلَهُ الْبَيْعَ ، فَيَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْبَاطِنِ ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَيَجُوزُ هَذَا ; لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ ذِي حَقٍّ ، وَإِنْ شَاءَ احْتَالَ بِحِيلَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ إقْرَارُهُ بِأَنَّهَا وَضَعَتْ مِنْهُ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ فَصَارَتْ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ لَا يُمْكِنُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا ، فَإِنْ أَحَبَّ دَفْعَ التُّهْمَةِ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّحَيُّلَ فَلْيَبِعْهَا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ ، ثُمَّ يُوَاطِئَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهَا وَضَعَتْ فِي مِلْكِهِ مَا فِيهِ صُورَةُ إنْسَانٍ .
وَيُقِرُّ بِذَلِكَ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ ، وَيَكْتُبُ بِذَلِكَ مَحْضَرًا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ بَيْعُهَا بَعْدَ ذَلِكَ . 10
الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ : إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْجَارِيَةَ مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِأَنْ تَكُونَ عِنْدَ غَيْرِهِ ، فَلَهُ فِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنْ الْحِيَلِ :
إحْدَاهَا : أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ ، كَمَا اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَيْهِ ، ، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ ; لِعَدَمِ مَنْ يُنَفِّذُهَا لَهُ فَلْيَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنَّك إنْ بِعْتهَا لِغَيْرِي فَهِيَ حُرَّةٌ ، وَيَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ ، وَتُعْتَقُ عَلَيْهِ إنْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ ، إمَّا بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ ، وَإِمَّا بِالْقَبُولِ فَيَقَعُ الْعِتْقُ عَقِيبَهُ ، وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي .
قَالَ فِي كِتَابِ إبْطَالِ الْحِيَلِ : إذَا قَالَ : " إنْ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ " ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : " إنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ " فَبَاعَهُ عَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْآخَرِ حَالَ اسْتِقْرَارٍ حَتَّى يُعْتَقَ عَلَيْهِ بِنِيَّتِهِ التَّابِعَةِ ; لِأَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ ثَابِتٌ لِلْبَائِعِ ، فَمِلْكُ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ : " وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ " تَقْرِيرٌ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَقُ بِالْقَبُولِ ، وَيُعْتَقُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ ; فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عِنْدَ مَنْ لَا يُصَحِّحُ هَذَا التَّعْلِيقَ ، وَيَقُولُ إذَا اشْتَرَاهَا مَلَكَهَا ، وَلَا تُعْتَقُ بِالشَّرْطِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ فَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ : إذَا بِعْتهَا فَهِيَ حُرَّةٌ قَبْلَ الْبَيْعِ ، فَيَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ ، فَإِذَا بَاعَهَا حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الْعِتْقِ قَبْلَ الْبَيْعِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِذَا لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عِنْدَ مَنْ لَا يُصَحِّحُ هَذَا التَّعْلِيقَ فَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ : إذَا اشْتَرَيْتهَا فَهِيَ مُدَبَّرَةٌ ، فَيَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ ، وَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّ التَّدْبِيرَ عِنْدَهُ جَارٍ مَجْرَى الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةٍ ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا صَارَتْ مُدَبَّرَةً ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ بَيْعُهَا عِنْدَهُ .
فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَعْلِيقَ التَّدْبِيرِ بِصِفَةٍ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَائِعُ قَرَارَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ دَبَّرَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بَعْدَ مَا اشْتَرَاهَا ، وَأَنَّهُ جَعَلَهَا حُرَّةً بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ - وَهُوَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ - فَالْحِيلَةُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا مِنْ سَيِّدِهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا ثُمَّ اشْتَرَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ ، فَلَا يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا .
فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَعْتَبِرُ فِي كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ أَنْ تَحْمِلَ وَتَضَعَ فِي مِلْكِهِ ، وَلَا يَكْفِي أَنْ تَلِدَ مِنْهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ - كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ - فَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ وُجُوهُ الْحِيَلِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا حِيلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ أَنْ يَتَرَاضَى سَيِّدُ الْجَارِيَةِ وَالْمُشْتَرِي بِرَجُلٍ ثِقَةٍ عَدْلٍ بَيْنَهُمَا فَيَبِيعُهَا هَذَا الْعَدْلُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ عَنْ سَيِّدِهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِهَا الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ ، وَيَقْبِضُ مِنْهُ الثَّمَنَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي بَيْعَهَا طَالَبَهُ بِبَاقِي الثَّمَنِ الَّذِي أَظْهَرَهُ ، وَلَوْ لَمْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا ثَالِثًا بَلْ 11 اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : " أَبِيعُكهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَآخُذُ مِنْك أَرْبَعِينَ ، فَإِنْ بِعْتهَا طَالَبْتُك بِبَاقِي الثَّمَنِ ، وَإِنْ لَمْ تَبِعْهَا لَمْ أُطَالِبْك " جَازَ ، لَكِنْ فِي تَوَسُّطِ الْعَدْلِ الَّذِي يَثِقُ بِهِ الْمُشْتَرِي كَأَبِيهِ وَصَاحِبِهِ تَطْيِيبٌ لِقَلْبِهِ ، وَأَمَانٌ لَهُ مِنْ مُطَالَبَةِ الْبَائِعِ لَهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ .
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ : إذَا خَافَ الْعَنَتَ ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلَ حُرَّةٍ وَكَرِهَ رِقَّ أَوْلَادِهِ ، فَالْحِيلَةُ فِي عِتْقِهِمْ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى السَّيِّدِ أَنَّ مَا وَلَدَتْهُ زَوْجَتُهُ مِنْهُ مِنْ الْوَلَدِ فَهُمْ أَحْرَارٌ ، فَكُلُّ وَلَدٍ تَلِدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْوِلَادَةِ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ : كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا أَحْفَظُ فِيهِ خِلَافًا .
9 فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ تُجَوِّزُونَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِدُونِ الشَّرْطَيْنِ إذَا أَمِنَ رِقَّ وَلَدِهِ بِهَذَا التَّعْلِيقِ ؟ قِيلَ : هَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ ، وَلَا تَأْبَاهُ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّ الْوَلَدَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ ، وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ ، وَمِثْلُ هَذَا هَلْ يَنْتَهِضُ سَبَبًا ; لِتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ ؟ أَوْ يُقَالُ - وَهُوَ أَظْهَرُ - : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ ; لِأَنَّهُنَّ فِي الْغَالِبِ لَا يُحْجَبْنَ حَجْبَ الْحَرَائِرِ ، وَهُنَّ فِي مِهْنَةِ سَادَاتِهِنَّ وَحَوَائِجِهِنَّ ، وَهُنَّ بَرْزَاتٌ لَا مُخَدَّرَاتٌ ؟ ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي إمَائِهِنَّ ، وَإِلَى الْيَوْمِ ، فَصَانَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَزْوَاجَ أَنْ تَكُونَ زَوْجَاتُهُمْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ ، مَعَ مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ رِقِّ الْوَلَدِ ، وَأَبَاحَهُ لَهُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ كَمَا أَبَاحَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ، وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ ، وَكُلُّ هَذَا مَنَعَ مِنْهُ تَعَالَى كَنِكَاحِ غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ ، وَلِهَذَا شَرَطَ تَعَالَى فِي نِكَاحِهِنَّ أَنْ يَكُنَّ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ، وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ، أَيْ : غَيْرَ زَانِيَةٍ مَعَ مَنْ كَانَ ، وَلَا زَانِيَةً مَعَ خَدِينِهَا وَعَشِيقِهَا دُونَ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُبِحْ لَهُمْ نِكَاحَ الْإِمَاءِ إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ : عَدَمُ الطَّوْلِ ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ ، وَإِذْنُ سَيِّدِهَا ، وَأَنْ تَكُونَ عَفِيفَةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ فُجُورًا عَامًّا ، وَلَا خَاصًّا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ : إذَا لَمْ تُمَكِّنْهُ أَمَتُهُ مِنْ نَفْسِهَا حَتَّى يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ إخْرَاجَهَا عَنْ مِلْكِهِ ، وَلَا تَصْبِرُ نَفْسُهُ عَنْهَا ; فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَهَبَهَا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ هِيَ ، وَالْبَيْعُ أَجْوَدُ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ ، ثُمَّ يُعْتِقُهَا ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا ، فَإِذَا فَعَلَ اسْتَرَدَّهَا مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ الْجَارِيَةُ ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ ، فَيَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا .
[ الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ مِنْ بَيْعِ جَارِيَتِهِ ]
الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ : إذَا أَرَادَهُ مَنْ لَا يَمْلِكُ رَدَّهُ عَلَى بَيْعِ جَارِيَتِهِ مِنْهُ فَالْحِيلَةُ فِي خَلَاصِهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَوَاءٌ ، وَيُشْهِدَ عَلَى عِتْقِهَا أَوْ نِكَاحِهَا ، ثُمَّ يَسْتَقِيلَهُ الْبَيْعَ ، فَيَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْبَاطِنِ ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَيَجُوزُ هَذَا ; لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ ذِي حَقٍّ ، وَإِنْ شَاءَ احْتَالَ بِحِيلَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ إقْرَارُهُ بِأَنَّهَا وَضَعَتْ مِنْهُ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ فَصَارَتْ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ لَا يُمْكِنُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا ، فَإِنْ أَحَبَّ دَفْعَ التُّهْمَةِ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّحَيُّلَ فَلْيَبِعْهَا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ ، ثُمَّ يُوَاطِئَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهَا وَضَعَتْ فِي مِلْكِهِ مَا فِيهِ صُورَةُ إنْسَانٍ .
وَيُقِرُّ بِذَلِكَ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ ، وَيَكْتُبُ بِذَلِكَ مَحْضَرًا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ بَيْعُهَا بَعْدَ ذَلِكَ . 10
الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ : إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْجَارِيَةَ مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِأَنْ تَكُونَ عِنْدَ غَيْرِهِ ، فَلَهُ فِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنْ الْحِيَلِ :
إحْدَاهَا : أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ ، كَمَا اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَيْهِ ، ، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ ; لِعَدَمِ مَنْ يُنَفِّذُهَا لَهُ فَلْيَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنَّك إنْ بِعْتهَا لِغَيْرِي فَهِيَ حُرَّةٌ ، وَيَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ ، وَتُعْتَقُ عَلَيْهِ إنْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ ، إمَّا بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ ، وَإِمَّا بِالْقَبُولِ فَيَقَعُ الْعِتْقُ عَقِيبَهُ ، وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي .
قَالَ فِي كِتَابِ إبْطَالِ الْحِيَلِ : إذَا قَالَ : " إنْ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ " ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : " إنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ " فَبَاعَهُ عَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْآخَرِ حَالَ اسْتِقْرَارٍ حَتَّى يُعْتَقَ عَلَيْهِ بِنِيَّتِهِ التَّابِعَةِ ; لِأَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ ثَابِتٌ لِلْبَائِعِ ، فَمِلْكُ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ : " وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ " تَقْرِيرٌ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَقُ بِالْقَبُولِ ، وَيُعْتَقُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ ; فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عِنْدَ مَنْ لَا يُصَحِّحُ هَذَا التَّعْلِيقَ ، وَيَقُولُ إذَا اشْتَرَاهَا مَلَكَهَا ، وَلَا تُعْتَقُ بِالشَّرْطِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ فَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ : إذَا بِعْتهَا فَهِيَ حُرَّةٌ قَبْلَ الْبَيْعِ ، فَيَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ ، فَإِذَا بَاعَهَا حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الْعِتْقِ قَبْلَ الْبَيْعِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِذَا لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عِنْدَ مَنْ لَا يُصَحِّحُ هَذَا التَّعْلِيقَ فَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ : إذَا اشْتَرَيْتهَا فَهِيَ مُدَبَّرَةٌ ، فَيَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ ، وَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّ التَّدْبِيرَ عِنْدَهُ جَارٍ مَجْرَى الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةٍ ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا صَارَتْ مُدَبَّرَةً ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ بَيْعُهَا عِنْدَهُ .
فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَعْلِيقَ التَّدْبِيرِ بِصِفَةٍ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَائِعُ قَرَارَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ دَبَّرَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بَعْدَ مَا اشْتَرَاهَا ، وَأَنَّهُ جَعَلَهَا حُرَّةً بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ - وَهُوَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ - فَالْحِيلَةُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا مِنْ سَيِّدِهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا ثُمَّ اشْتَرَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ ، فَلَا يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا .
فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَعْتَبِرُ فِي كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ أَنْ تَحْمِلَ وَتَضَعَ فِي مِلْكِهِ ، وَلَا يَكْفِي أَنْ تَلِدَ مِنْهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ - كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ - فَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ وُجُوهُ الْحِيَلِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا حِيلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ أَنْ يَتَرَاضَى سَيِّدُ الْجَارِيَةِ وَالْمُشْتَرِي بِرَجُلٍ ثِقَةٍ عَدْلٍ بَيْنَهُمَا فَيَبِيعُهَا هَذَا الْعَدْلُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ عَنْ سَيِّدِهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِهَا الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ ، وَيَقْبِضُ مِنْهُ الثَّمَنَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي بَيْعَهَا طَالَبَهُ بِبَاقِي الثَّمَنِ الَّذِي أَظْهَرَهُ ، وَلَوْ لَمْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا ثَالِثًا بَلْ 11 اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : " أَبِيعُكهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَآخُذُ مِنْك أَرْبَعِينَ ، فَإِنْ بِعْتهَا طَالَبْتُك بِبَاقِي الثَّمَنِ ، وَإِنْ لَمْ تَبِعْهَا لَمْ أُطَالِبْك " جَازَ ، لَكِنْ فِي تَوَسُّطِ الْعَدْلِ الَّذِي يَثِقُ بِهِ الْمُشْتَرِي كَأَبِيهِ وَصَاحِبِهِ تَطْيِيبٌ لِقَلْبِهِ ، وَأَمَانٌ لَهُ مِنْ مُطَالَبَةِ الْبَائِعِ لَهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith