إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الرابع
page 583 · printed p. 26
[ إقْرَارُ الْمُضْطَهَدِ ]
وَهَذَا يُشْبِهُ إقْرَارَ الْمُضْطَهَدِ الَّذِي قَدْ اُضْطُهِدَ وَدُفِعَ عَنْ حَقِّهِ حَتَّى يُسْقِطَ حَقًّا آخَرَ ، وَالسَّلَفُ كَانُوا يُسَمُّونَ مِثْلَ هَذَا مُضْطَهَدًا ، كَمَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَأَرَادَ سَفَرًا ، فَأَخَذَهُ أَهْلُهَا ، فَجَعَلَهَا طَالِقًا إنْ لَمْ يَبْعَثْ بِنَفَقَتِهَا إلَى شَهْرٍ ، فَجَاءَ الْأَجَلُ ، وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا بِشَيْءٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ خَاصَمُوهُ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فَقَالَ : اضْطَهَدْتُمُوهُ حَتَّى جَعَلَهَا طَالِقًا ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إكْرَاهٌ بِضَرْبٍ ، وَلَا أَخْذِ مَالٍ ، وَإِنَّمَا طَالَبُوهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ ، وَلَكِنْ لَمَّا تَعَنَّتُوهُ بِالْيَمِينِ جَعَلَهُ مُضْطَهَدًا ; لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ ; لِيَتَوَصَّلَ إلَى قَصْدِهِ مِنْ السَّفَرِ ، فَلَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ عَنْ اخْتِيَارٍ ، بَلْ هُوَ كَالْمَحْمُولِ عَلَيْهِ .
[ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُضْطَهَدِ وَالْمُكْرَهِ ] وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكْرَهِ أَنَّ الْمُكْرَهَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِاحْتِمَالِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا قَاصِدٌ لِلْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ بِالْتِزَامِ مَا طُلِبَ مِنْهُ ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ رَاضٍ ، وَلَا مُؤْثِرًا لِمَا الْتَزَمَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ وَطَرٌ فِيهِ .
فَتَأَمَّلْ هَذَا ، وَنَزِّلْهُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - لَمْ يَكُنْ يَرَى الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ إذَا حَنِثَ بِهِ 26 وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ : وَلَا يُعْلَمُ لِعَلِيٍّ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، إذْ الْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ أَوْ حَلَفَ أَوْ وَهَبَ أَوْ صَالَحَ لَا عَنْ رِضًا مِنْهُ ، وَلَكِنْ مُنِعَ حَقُّهُ إلَّا بِذَلِكَ ، فَهُوَ بِالْمُكْرَهِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْمُخْتَارِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ مَا عَقَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ .
وَمَنْ لَهُ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَمَعْرِفَةٌ بِمَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا ، وَكَانَ الْإِنْصَافُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ التَّعَصُّبِ وَالْهَوَى ، وَالْعِلْمُ وَالْحُجَّةُ آثَرُ عِنْدَهُ مِنْ التَّقْلِيدِ ، وَلَمْ يَكَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ وَجْهُ الصَّوَابِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ نَفَائِسِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْجَاهِلُ الظَّالِمُ لَا يَرَى الْإِحْسَانَ إلَّا إسَاءَةً ، وَلَا الْهُدَى إلَّا الضَّلَالَةَ .
﴿﴾ فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ لِلشَّمْسِ أَعْيُنٌ ﴿﴾ ﴿﴾ سِوَاكِ تَرَاهَا فِي مَغِيبٍ وَمَطْلَعِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَسَامِحْ نُفُوسًا بِالْقُشُورِ قَدْ ارْتَضَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَيْسَ لَهَا لِلُّبِّ مِنْ مُتَطَلَّعِ ﴿﴾ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith