الطرق الحكمية
الطرق الحكمية
الصفحة 123 · ص. المطبوع 273
140 - ( فَصْلٌ )
قَالَ أَبُو النَّضْرِ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدٍ فِي يَدِ رَجُلٍ لَا يَدَّعِيهِ ، أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ : أَنَّ فُلَانًا بَاعَ هَذَا الْعَبْدَ مِنِّي بِكَذَا وَكَذَا ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ فُلَانًا تَصَدَّقَ بِهَذَا الْعَبْدِ عَلَيَّ ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ فُلَانًا وَهَبَ هَذَا الْعَبْدَ لِي ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ ، وَلَمْ يُوَقِّتُوا وَقْتًا ، وَالْبَيِّنَةُ عُدُولٌ كُلُّهُمْ ؟ قَالَ : أَرَى الْبَيِّنَةَ هَاهُنَا تَكَاذَبَتْ . يُكَذِّبُ شُهُودُ رَجُلٍ شُهُودَ الْآخَرِ ، فَاجْعَلْهُ فِي أَيْدِيهمْ ، ثُمَّ أَقْرِعْ بَيْنَهُمْ ، فَمَنْ وَقَعَ لَهُ الْعَبْدُ أَخَذَهُ وَحَلَفَ ، قُلْت : تُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَنِي هَذَا الْعَبْدَ وَهُوَ يَمْلِكُهُ ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ لِي ؟ قَالَ : هُوَ وَاحِدٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، قُلْت : إلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبْت فِي هَذَا ؟ قَالَ : إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ إذَا أُكْرِهَ الرَّجُلَانِ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ اسْتَحَبَّاهَا فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا } . قُلْت : هَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ " ، قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَأَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا ، لَا يَعْرِفُهُ عَيْنًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ .
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " إذَا أَنْكَرَهُمَا مَنْ الدَّابَّةُ فِي يَدِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَقَالَ : لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا عَيْنًا ، أَوْ قَالَ : هِيَ لِأَحَدِكُمَا لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ ، أَحَبَّا أَمْ كَرِهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى لَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا يَدَ ، وَالْقُرْعَةُ تَمْيِيزٌ عِنْدَ التَّسَاوِي ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ : فَعَنْهُ 273 رِوَايَتَانِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ ، إحْدَاهُمَا : تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْقُرْعَةَ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ : { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرٍ ، وَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ عُدُولٍ عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَأَسْهَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا } رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ " ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، فَسَقَطَتَا كَالْخَبَرَيْنِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ ، وَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِمَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : تَقْسِيمُ الْعَيْنِ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَحَمَّادٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعِيرٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ } وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي دَعْوَاهُمَا ، فَتَسَاوَيَا فِي قِسْمَتِهِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ . وَلَهُ قَوْلٌ رَابِعٌ ، يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ ، كَالْحَاكِمِ إذَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ فِي الْقَضِيَّةِ .
وَلَنَا : الْخَبَرَانِ ، وَإِنَّ تَعَارُضَ الْحُجَّتَيْنِ لَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ كَالْخَبَرَيْنِ بَلْ إذَا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ أَسْقَطْنَاهُمَا ، وَرَجَعْنَا إلَى دَلِيلِ غَيْرِهِمَا .
قُلْت : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا ، فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ حَلَفَ لَقَدْ شَهِدَ شُهُودُهُ بِحَقٍّ ، ثُمَّ يُقْضَى لَهُ ، وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَرَى ذَلِكَ ، وَيَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْكُوفِيُّونَ يَرْوُونَهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ { ۝ اخْتَصَمَ رَجُلَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرٍ ، فَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهَدَاءَ عُدُولٍ عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَأَسْهَمَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ تَقْضِي بَيْنَهُمَا ، فَقَضَى لِلَّذِي خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " الْمَرَاسِيلِ " ، وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ ، وَكَانُوا سَوَاءً ، فَأَسْهَمَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } فَهَذَا مُرْسَلٌ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَتَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْقُرْعَةِ ، وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ . 274
وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ ، فَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ حَنَشٍ قَالَ : " أُتِيَ عَلِيٌّ بِبَغْلٍ يُبَاعُ فِي السُّوقِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : هَذَا بَغْلِي ، لَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ ، وَنَزَعَ عَلَى مَا قَالَهُ بِخَمْسَةٍ يَشْهَدُونَ ، وَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ بَغْلُهُ ، وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : إنَّ فِيهِ قَضَاءً وَصُلْحًا ، أَمَّا الصُّلْحُ : فَيُبَاعُ الْبَغْلُ ، فَيُقَسَّمُ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ ، لِهَذَا خَمْسَةٌ ، وَلِهَذَا اثْنَانِ ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ إلَّا الْقَضَاءَ بِالْحَقِّ ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ بَغْلُهُ ، مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ فَإِنْ تَشَاحَحْتُمَا . أَيُّكُمَا يَحْلِفُ ; أَقْرَعْت بَيْنَكُمَا عَلَى الْحَلِفِ ; فَأَيُّكُمَا قَرَعَ حَلَفَ ; فَقَضَى بِهَذَا وَأَتَى بِشَاهِدٍ " ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ .
فَرَأَى الصُّلْحَ بَيْنَهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الثَّمَنِ عَلَى عَدَدِ الشُّهُودِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْقُرْعَةِ . وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبَانَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { ۝ إذَا جَاءَ هَذَا بِشَاهِدٍ ; وَهَذَا بِشَاهِدٍ ، أَقْرِعْ بَيْنَهُمْ ; عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا : مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { ۝ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجُلَيْنِ : اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِي مَتَاعٍ ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَقَالَ : اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ } .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِي حُجَّتِهِمَا . قُلْت : وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ هُدْبَةَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا ، فَبَعَثَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا } وَلَكِنْ لِلْحَدِيثِ عِلَلٌ ، مِنْهَا : أَنَّ هَمَّامًا قَالَ عَنْ قَتَادَةَ { ۝ فَبَعَثَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ } .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعِيرٍ ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَقَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ } وَهَكَذَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ قَتَادَةَ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ كَذَلِكَ ، فَهَذَانِ وَجْهَانِ عَنْ هَمَّامٍ فِي إرْسَالِهِ وَاتِّصَالِهِ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ : اتِّصَالُهُ ، وَشَذَّ عَنْهُ عَبْدُ الصَّمَدِ فَأَرْسَلَهُ ، فَهَذَانِ أَيْضًا وَجْهَانِ عَنْ هَمَّامٍ فِي إرْسَالِهِ وَاتِّصَالِهِ .
وَرَوَاهُ شُعْبَةُ فَأَرْسَلَهُ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ " : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، 275 عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَابَّةٍ ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَجَعَلَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ } وَكَأَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ " أَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا " أَوْلَى بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ قَدْ تَابَعَهُ عَنْ قَتَادَةَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ ، رَوَاهُ عَنْهُ رَوْحٌ وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ قَتَادَةَ ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةُ حُفَّاظٍ ، أَحَدُهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ شُعْبَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ ، اتَّفَقُوا عَنْ قَتَادَةَ فِي أَنَّهُ { ۝ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ } . فَقَدْ اضْطَرَبَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى كَمَا تَرَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاَلَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُدَّعِيَيْنِ إذَا كَانَتْ أَيْدِيهمَا عَلَيْهِ سَوَاءً ، أَوْ تَسَاوَتْ بَيِّنَتَاهُمَا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، كَمَا فِي
حَدِيثِ سِمَاكٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعِيرٍ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آخِذٌ بِرَأْسِهِ ، فَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاهِدَيْنِ ، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ } .
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عُمَيْمِ بْنِ طَرْفَةَ : أُنْبِئْتُ { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعِيرٍ ، وَنَزَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاهِدَيْنِ ، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ } وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي " كِتَابِ الْعِلَلِ " : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ ؟ فَقَالَ : مَرْجِعُ هَذَا الْحَدِيثِ إلَى سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمٍ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ سِمَاكًا قَالَ : أَنَا حَدَّثْت أَبَا بُرْدَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَإِرْسَالُ شُعْبَةَ لَهُ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ كَالدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ قُلْت : لَكِنْ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ : { ۝ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ }
وَفِي حَدِيثِ سِمَاكٍ { ۝ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَزَعَ بِشَاهِدَيْنِ } وَفِي لَفْظٍ : { ۝ فَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاهِدَيْنِ } . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ كَأَنَّهَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ ; لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَا قَضِيَّتَيْنِ ، فَلَعَلَّهُ لَمَّا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَسَقَطَتَا قِيلَ : { ۝ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ } وَقُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْيَدِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَمِيمٌ مَجْهُولٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا وَصَفْنَا ، يَعْنِي أَنَّهُ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ .
قَالَ : وَسَعِيدٌ قَالَ ، وَالْحَدِيثَانِ إذَا اخْتَلَفَا فَالْحُجَّةُ فِي أَقْوَى الْحَدِيثَيْنِ ، وَسَعِيدٌ مِنْ أَصَحِّ النَّاسِ مُرْسِلًا ،
وَالْقُرْعَةُ أَشْبَهُ ، هَذَا قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ . ثُمَّ قَالَ فِي الْجَدِيدِ : هَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ ، وَأَنَا فِيهِ وَاقِفٌ ، ثُمَّ قَالَ : لَا يُعْطَى وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا ، وَيُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحَا . 276
قُلْت : وَقَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ أَصَحُّ وَأَوْلَى ; لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قُوَّةِ الْقُرْعَةِ وَأَدِلَّتِهَا ، وَأَنَّ فِي وَقْفِ الْمَالِ حَتَّى يَصْطَلِحَا تَأْخِيرُ الْخُصُومَةِ ، وَتَعْطِيلُ الْمَالِ ، وَتَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ وَلِكَثْرَةِ الْوَرَثَةِ ، فَالْقُرْعَةُ أَوْلَى الطُّرُقِ لِلسُّلُوكِ ، وَأَقْرَبُهَا إلَى فَصْلِ النِّزَاعِ ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْ أَصَحِّ الْأَدِلَّةِ ، وَلِهَذَا قَالَ : هِيَ أَشْبَهُ . وَبِالْجُمْلَةِ : فَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذَكَرْنَا فِي الْقُرْعَةِ تَبَيَّنَ لَهُ : أَنَّ الْقَوْلَ بِهَا أَوْلَى مِنْ وَقْفِ الْمَالِ أَبَدًا ، حَتَّى يَصْطَلِحَ الْمُدَّعُونَ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ الْمُرْسَلِينَ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث