الطرق الحكمية
الطرق الحكمية
الصفحة 27 · ص. المطبوع 43
( فَصْلٌ )
43 وَمِنْ الْحُكْمِ بِالْفِرَاسَةِ وَالْأَمَارَاتِ : مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : خَاصَمَ غُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أُمَّهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجَحَدَتْهُ ، فَسَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ ، فَلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ ، وَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِنَفَرٍ ، فَشَهِدُوا أَنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَأَنَّ الْغُلَامَ كَاذِبٌ عَلَيْهَا ، وَقَدْ قَذَفَهَا . فَأَمَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِضَرْبِهِ ، فَلَقِيَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلَ عَنْ أَمْرِهِمْ ، فَأُخْبِرَ فَدَعَاهُمْ ، ثُمَّ قَعَدَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَ الْمَرْأَةَ فَجَحَدَتْ ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ : اجْحَدْهَا كَمَا جَحَدَتْك ، فَقَالَ : يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهَا أُمِّي ، قَالَ : اجْحَدْهَا ، وَأَنَا أَبُوك وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ أَخَوَاك ، قَالَ : قَدْ جَحَدْتهَا ، وَأَنْكَرْتهَا . فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ : أَمْرِي فِي هَذِهِ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، وَفِينَا أَيْضًا ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أُشْهِدُ مَنْ حَضَرَ أَنِّي قَدْ زَوَّجْت هَذَا الْغُلَامَ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْغَرِيبَةِ مِنْهُ ، يَا قَنْبَرُ ائْتِنِي بِطِينَةٍ فِيهَا دِرْهَمٌ ، فَأَتَاهُ بِهَا ، فَعَدَّ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا ، فَدَفَعَهَا مَهْرًا لَهَا .
وَقَالَ لِلْغُلَامِ : خُذْ بِيَدِ امْرَأَتِك ، وَلَا تَأْتِنَا إلَّا وَعَلَيْك أَثَرُ الْعُرْسِ ، فَلَمَّا وَلَّى ، قَالَتْ الْمَرْأَةُ : يَا أَبَا الْحَسَنِ ، اللَّهَ اللَّهَ هُوَ النَّارُ ، هُوَ وَاَللَّهِ ابْنِي . قَالَ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : إنَّ أَبَاهُ كَانَ زِنْجِيًّا ، وَإِنَّ إخْوَتِي زَوَّجُونِي مِنْهُ ، فَحَمَلْت بِهَذَا الْغُلَامِ . وَخَرَجَ الرَّجُلُ غَازِيًا فَقُتِلَ ، وَبَعَثْت بِهَذَا إلَى حَيِّ بَنِي فُلَانٍ . فَنَشَأَ فِيهِمْ ، وَأَنِفْت أَنْ يَكُونَ ابْنِي ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَبُو الْحَسَنِ ، وَأَلْحَقَهُ بِهَا ، وَثَبَتَ نَسَبَهُ .
وَمِنْ ذَلِكَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَجُلًا : كَيْفَ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : مِمَّنْ يُحِبُّ الْفِتْنَةَ ، وَيَكْرَهُ الْحَقَّ ، وَيَشْهَدُ عَلَى مَا لَمْ يَرَهُ ، فَأَمَرَ بِهِ إلَى السِّجْنِ . فَأَمَرَ عَلِيٌّ بِرَدِّهِ ، وَقَالَ : صَدَقَ ، قَالَ : كَيْفَ صَدَّقْته ؟ قَالَ : يُحِبُّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } وَيَكْرَهُ الْمَوْتَ ، وَهُوَ حَقٌّ ، وَيَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَرَهُ ، فَأَمَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِطْلَاقِهِ ، قَالَ : { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } .
وَقَالَ الْأَصْبَغُ بْنُ نَبَاتَةَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى مَجْلِسِ عَلِيٍّ - وَالنَّاسُ حَوْلَهُ - فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ النَّاسِ ، إنَّ لِلدَّاخِلِ حَيْرَةً ، وَلِلسَّائِلِ رَوْعَةً ، وَهُمَا دَلِيلُ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ فَاحْتَمِلُوا زَلَّتِي إنْ كَانَتْ مِنْ سَهْوٍ نَزَلَ بِي ، وَلَا تَحْسَبُونِي مِنْ شَرِّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ . فَتَبَسَّمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُعْجِبَ بِهِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي وَجَدْت أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي خَرِبَةٍ بِالسَّوَادِ ، فَمَا عَلَيَّ ؟ وَمَا لِي ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إنْ كُنْت أَصَبْتهَا فِي خَرِبَةٍ تُؤَدِّي خَرَاجَهَا قَرْيَةٌ أُخْرَى عَامِرَةٌ بِقُرْبِهَا فَهِيَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ ، وَإِنْ كُنْت وَجَدَتْهَا فِي خَرِبَةٍ لَيْسَتْ تُؤَدِّي خَرَاجَهَا قَرْيَةٌ أُخْرَى 44 عَامِرَةٌ فَلَكَ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ ، وَلَنَا خُمُسٌ . قَالَ الرَّجُلُ : أَصَبْتهَا فِي خَرِبَةٍ لَيْسَ حَوْلَهَا أَنِيسٌ ، وَلَا عِنْدَهَا عُمْرَانُ ، فَخُذْ الْخُمُسَ ، قَالَ : قَدْ جَعَلْته لَك .
وَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلٌ أَسْوَدُ ، وَمَعَهُ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي أَغْرِسُ غَرْسًا أَسْوَدَ ، وَهَذِهِ سَوْدَاءُ عَلَى مَا تَرَى ، فَقَدْ أَتَتْنِي بِوَلَدٍ أَحْمَرَ ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ : وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا خُنْته ، وَإِنَّهُ لَوَلَدُهُ . فَبَقِيَ عُمَرُ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لِلْأَسْوَدِ : إنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْءٍ أَتَصْدُقُنِي ؟ قَالَ : أَجَلْ وَاَللَّهِ ، قَالَ : هَلْ وَاقَعْت امْرَأَتَك وَهِيَ حَائِضٌ ؟ قَالَ : قَدْ كَانَ ذَلِكَ ، قَالَ عَلِيٌّ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، إنَّ النُّطْفَةَ إذًا خُلِطَتْ بِالدَّمِ فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا خَلْقًا كَانَ أَحْمَرَ ، فَلَا تُنْكِرْ وَلَدَك ، فَأَنْتَ جَنَيْت عَلَى نَفْسِك .
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ : أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِامْرَأَةٍ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِشَابٍّ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَكَانَتْ تَهْوَاهُ ، فَلَمَّا لَمْ يُسَاعِدْهَا احْتَالَتْ عَلَيْهِ ، فَأَخَذَتْ بَيْضَةً فَأَلْقَتْ صُفَارَهَا ، وَصَبَّتْ الْبَيَاضَ عَلَى ثَوْبِهَا وَبَيْنَ فَخْذَيْهَا ، ثُمَّ جَاءَتْ إلَى عُمَرَ صَارِخَةً ، فَقَالَتْ : هَذَا الرَّجُلُ غَلَبَنِي عَلَى نَفْسِي ، وَفَضَحَنِي فِي أَهْلِي ، وَهَذَا أَثَرُ فِعَالِهِ . فَسَأَلَ عُمَرُ النِّسَاءَ فَقُلْنَ لَهُ : إنَّ بِبَدَنِهَا وَثَوْبِهَا أَثَرَ الْمَنِيِّ . فَهَمَّ بِعُقُوبَةِ الشَّابِّ فَجَعَلَ يَسْتَغِيثُ ، وَيَقُولُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، تَثَبَّتْ فِي أَمْرِي ، فَوَاَللَّهِ مَا أَتَيْت فَاحِشَةً وَمَا هَمَمْت بِهَا ، فَلَقَدْ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فَاعْتَصَمْت ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا تَرَى فِي أَمْرِهِمَا ، فَنَظَرَ عَلِيٌّ إلَى مَا عَلَى الثَّوْبِ . ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْغَلَيَانِ ، فَصَبَّ عَلَى الثَّوْبِ فَجَمَدَ ذَلِكَ الْبَيَاضُ ، ثُمَّ أَخَذَهُ وَاشْتَمَّهُ وَذَاقَهُ ، فَعَرَفَ طَعْمَ الْبَيْضِ وَزَجَرَ الْمَرْأَةَ ، فَاعْتَرَفَتْ .
قُلْت : وَيُشْبِهُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا عِنِّينٌ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَهِيَ ثَيِّبٌ ، فَإِنَّهُ يُخْلَى مَعَهَا فِي بَيْتٍ ، وَيُقَالُ لَهُ : أَخْرِجْ مَاءَك عَلَى شَيْءٍ ، فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ جُعِلَ عَلَى النَّارِ ، فَإِنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِيٌّ ، وَبَطَلَ قَوْلُهَا ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ . وَهَذَا حُكْمٌ بِالْأَمَارَاتِ الظَّاهِرَةِ ، فَإِنَّ الْمَنِيَّ إذَا جُعِلَ عَلَى النَّارِ ذَابَ وَاضْمَحَلَّ ، وَإِنْ كَانَ بَيَاضَ بَيْضٍ تَجَمَّعَ وَيَبِسَ ، فَإِنْ قَالَ : أَنَا أَعْجِزُ عَنْ إخْرَاجِ مَائِي صَحَّ قَوْلُهَا .
وَيُشْبِهُ هَذَا : مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ : أَنَّ زَوْجَيْنِ تَرَافَعَا إلَيْهِ ، وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا : أَنَّ الْآخَرَ عِذْيَوْطٌ يَغُوطُ عِنْدَ الْجِمَاعِ ، وَتَنَاكَرَا ، فَأَمَرَ أَنْ يُطْعَمَ أَحَدُهُمَا تِينًا ، وَالْآخَرُ قِثَّاءً ، فَعَلِمَ صَاحِبَ الْعَيْبِ بِذَلِكَ . 45
وَقَالَ الْأَصْبَغُ بْنُ نَبَاتَةَ : إنَّ شَابًّا شَكَا إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفَرًا ، فَقَالَ : إنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مَعَ أَبِي فِي سَفَرٍ . فَعَادُوا وَلَمْ يَعُدْ أَبِي ، فَسَأَلْتهمْ عَنْهُ ، فَقَالُوا : مَاتَ ، فَسَأَلْتهمْ عَنْ مَالِهِ ؟ فَقَالُوا : مَا تَرَكَ شَيْئًا ، وَكَانَ مَعَهُ مَالٌ كَثِيرٌ ، وَتَرَافَعْنَا إلَى شُرَيْحٍ ، فَاسْتَحْلَفَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ ، فَدَعَا عَلِيٌّ بِالشُّرَطِ ، فَوَكَّلَ بِكُلِّ رَجُلٍ رَجُلَيْنِ ، وَأَوْصَاهُمْ أَلَّا يُمَكِّنُوا بَعْضَهُمْ أَنْ يَدْنُوَ مِنْ بَعْضٍ ، وَلَا يَدَعُوا أَحَدًا يُكَلِّمُهُمْ ، وَدَعَا كَاتِبَهُ ، وَدَعَا أَحَدَهُمْ .
فَقَالَ : أَخْبِرْنِي عَنْ أَبِي هَذَا الْفَتَى : فِي أَيِّ يَوْمٍ خَرَجَ مَعَكُمْ ؟ وَفِي أَيِّ مَنْزِلٍ نَزَلْتُمْ ؟ وَكَيْفَ كَانَ سَيْرُكُمْ ؟ وَبِأَيِّ عِلَّةٍ مَاتَ ؟ وَكَيْفَ أُصِيبَ بِمَالِهِ ؟ وَسَأَلَهُ عَمَّنْ غَسَّلَهُ وَدَفَنَهُ ؟ وَمَنْ تَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ؟ وَأَيْنَ دُفِنَ ؟ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالْكَاتِبُ يَكْتُبُ ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلِيٌّ فَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ ، وَالْمُتَّهَمُونَ لَا عِلْمَ لَهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ قَدْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ . ثُمَّ دَعَا آخَرَ بَعْدَ أَنْ غَيَّبَ الْأَوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ ، فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلَ صَاحِبَهُ ، ثُمَّ الْآخَرَ كَذَلِكَ ، حَتَّى عَرَفَ مَا عِنْدَ الْجَمِيعِ ، فَوَجَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ بِضِدِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَاحِبُهُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ الْأَوَّلِ ، فَقَالَ : يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، قَدْ عَرَفْت غَدْرَك وَكَذِبَك بِمَا سَمِعْت مِنْ أَصْحَابِك ، وَمَا يُنْجِيك مِنْ الْعُقُوبَةِ إلَّا الصِّدْقُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ إلَى السِّجْنِ ، وَكَبَّرَ ، وَكَبَّرَ مَعَهُ الْحَاضِرُونَ ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْقَوْمُ الْحَالَ لَمْ يَشُكُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ ، فَدَعَا آخَرَ مِنْهُمْ ، فَهَدَّدَهُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَاَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ كَارِهًا لِمَا صَنَعُوا ، ثُمَّ دَعَا الْجَمِيعَ فَأَقَرُّوا بِالْقِصَّةِ ، وَاسْتُدْعِيَ الَّذِي فِي السِّجْنِ ، وَقِيلَ لَهُ : قَدْ أَقَرَّ أَصْحَابُك وَلَا يُنْجِيك سِوَى الصِّدْقِ ، فَأَقَرَّ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْقَوْمُ ، فَأَغْرَمَهُمْ الْمَالَ ، وَأَقَادَ مِنْهُمْ بِالْقَتِيلِ .
وَرُفِعَ إلَى بَعْضِ الْقُضَاةِ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى هَامَتِهِ ، فَادَّعَى الْمَضْرُوبُ : أَنَّهُ أَزَالَ بَصَرَهُ وَشَمَّهُ ، فَقَالَ : يُمْتَحَنُ ، بِأَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ إلَى قُرْصِ الشَّمْسِ ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ تَثْبُتْ عَيْنَاهُ لَهَا ، وَيَنْحَدِرُ مِنْهُمَا الدَّمْعُ . وَتُحْرَقُ خِرْقَةٌ وَتُقَدَّمُ إلَى أَنْفِهِ . فَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الشَّمِّ : بَلَغَتْ الرَّائِحَةُ خَيْشُومَهُ وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ .
وَرَأَيْت فِي " أَقْضِيَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " نَظِيرَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ، وَأَنَّ الْمَضْرُوبَ ادَّعَى أَنَّهُ أَخْرَسُ . وَأَمَرَ أَنْ يُخْرِجَ لِسَانَهُ وَيُنْخَسَ بِإِبْرَةٍ ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ أَحْمَرَ فَهُوَ صَحِيحُ اللِّسَانِ ، وَإِنْ خَرَجَ أَسْوَدَ فَهُوَ أَخْرَسُ .
وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ نَبَاتَةَ : قِيلَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فِدَاءِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : نَادُوا مِنْهُمْ مَنْ كَانَتْ جِرَاحَاتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، دُونَ مَنْ كَانَتْ مِنْ وَرَائِهِ . فَإِنَّهُ فَارٌّ .
قَالَ : وَأَوْصَى رَجُلٌ إلَى آخَرَ : أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ بِمَا أَحَبَّ ، فَتَصَدَّقَ بِعُشْرِهَا ، وَأَمْسَكَ الْبَاقِيَ ; فَخَاصَمُوهُ إلَى عَلِيٍّ . وَقَالُوا : يَأْخُذُ النِّصْفَ وَيُعْطِينَا النِّصْفَ . فَقَالَ : أَنْصَفُوك ; قَالَ : إنَّهُ قَالَ لِي : أَخْرِجْ بِهَا مَا أَحْبَبْت ; قَالَ : فَأَخْرِجْ عَنْ الرَّجُلِ تِسْعَمِائَةٍ ، وَالْبَاقِي لَك ; قَالَ : 46 وَكَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ الرَّجُلَ أَمَرَك أَنْ تُخْرِجَ مَا أَحْبَبْتُ ، وَقَدْ أَحْبَبْت التُّسْعُمَائَةَ ، فَأَخْرَجَهَا .
وَقَضَى فِي رَجُلَيْنِ حُرَّيْنِ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ ; ثُمًّ يَهْرُبَانِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ - بِقَطْعِ أَيْدِيهِمَا ; لِأَنَّهُمَا سَارِقَانِ لِأَنْفُسِهِمَا ، وَلِأَمْوَالِ النَّاسِ .
قُلْت : وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقَضَاءِ ، وَهُوَ الْحَقُّ ، وَهُمَا أَوْلَى بِالْقَطْعِ مِنْ السَّارِقِ الْمَعْرُوفِ ; فَإِنَّ السَّارِقَ إذَا قُطِعَ - دُونَ الْمُنْتَهِبِ وَالْمُغْتَصِبِ - لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .
وَلِهَذَا قُطِعَ النَّبَّاشُ ، وَلِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِقَطْعِ جَاحِدِ الْعَارِيَّةِ .
وَقَضَى عَلِيٌّ أَيْضًا فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ زِفَافِهَا أَدْخَلَتْ صَدِيقَهَا الْحَجَلَةَ سِرًّا ، وَجَاءَ الزَّوْجُ فَدَخَلَ الْحَجَلَةَ ، فَوَثَبَ إلَيْهِ الصَّدِيقُ فَاقْتَتَلَا ، فَقَتَلَ الزَّوْجُ الصَّدِيقَ . فَقَامَتْ إلَيْهِ الْمَرْأَةُ فَقَتَلَتْهُ ، فَقَضَى بِدِيَةِ الصَّدِيقِ عَلَى الْمَرْأَةِ ، ثُمَّ قَتَلَهَا بِالزَّوْجِ ، وَإِنَّمَا قَضَى بِدِيَةِ الصَّدِيقِ عَلَيْهَا : لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي عَرَّضَتْهُ لِقَتْلِ الزَّوْجِ لَهُ ; فَكَانَتْ هِيَ الْمُتَسَبِّبَةُ فِي قَتْلِهِ ، وَكَانَتْ أَوْلَى بِالضَّمَانِ مِنْ الزَّوْجِ الْمُبَاشِرِ ; لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ قَتَلَهُ قَتْلًا مَأْذُونًا فِيهِ ، دَفْعًا عَنْ حُرْمَتِهِ . فَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقَضَاءِ الَّذِي لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
وَقَضَى فِي رَجُلٍ فَرَّ مِنْ رَجُلٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ ، فَأَمْسَكَهُ لَهُ آخَرُ ، حَتَّى أَدْرَكَهُ فَقَتَلَهُ ; وَبِقُرْبِهِ رَجُلٌ يَنْظُرُ إلَيْهِمَا ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِ ، فَوَقَفَ يَنْظُرُ إلَيْهِ حَتَّى قَتَلَهُ . فَقَضَى أَنْ يُقْتَلَ الْقَاتِلُ ، وَيُحْبَسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ ، وَتُفْقَأَ عَيْنُ النَّاظِرِ الَّذِي وَقَفَ يَنْظُرُ وَلَمْ يُنْكِرْ .
فَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ ، إلَّا فِي فَقْءِ عَيْنِ النَّاظِرِ ، وَلَعَلَّ عَلِيًّا رَأَى تَعْزِيرَهُ بِذَلِكَ ، مَصْلَحَةً لِلْأَمَةِ ، وَلَهُ مَسَاغٌ فِي الشَّرْعِ فِي مَسْأَلَةِ فَقْءِ عَيْنِ النَّاظِرِ إلَى بَيْتِ الرَّجُلِ مِنْ خُصٍّ أَوْ طَاقَةٍ ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ ، الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا دَافِعَ ، لِكَوْنِهِ جَنَى عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ ، وَنَظَرَ نَظَرًا مُحَرَّمًا ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ .
فَجَوَّزَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْذِفَهُ فَيَفْقَأَ عَيْنَهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ . 47
وَفِي " الصَّحِيحِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، فَفَقَئُوا عَيْنَهُ ، فَلَا دِيَةَ لَهُ ، وَلَا قِصَاصَ } .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلٍ : قَالَ : { ۝ اطَّلَعَ رَجُلٌ فِي حُجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِهَا رَأْسَهُ ، فَقَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَنْظُرُنِي لَطَعَنْت بِهِ فِي عَيْنِك ، إنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ } .
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْهُ : { ۝ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سِتْرِ الْحُجْرَةِ ، وَفِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى ، فَقَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يُنْظِرُنِي حَتَّى آتِيَهُ لَطَعَنْت بِالْمِدْرَى فِي عَيْنِهِ ، وَهَلْ جُعِلَ الْإِذْنُ إلَّا مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ؟ } " أَيْ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَقِفُ لِي حَتَّى آتِيَهُ .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { ۝ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ ، فَذَهَبَ نَحْوَ الرَّجُلِ ، يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ بِهِ ، قَالَ : فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ بِهِ } .
وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ " وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : { ۝ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْقَمَ 48 عَيْنَهُ خُصَاصَ الْبَابِ ، فَبَصُرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ عُودًا مُحَدَّدًا ، فَوَجَأَ عَيْنَ الْأَعْرَابِيِّ فَانْقَمَعَ ، فَقَالَ : لَوْ ثَبَتَ لَفَقَأْتُ عَيْنَك } .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ : مَا كَانَ عَلَيْك مِنْ جُنَاحٍ } .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ } .
وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ " ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِ رَجُلٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ } .
فَالْحَقُّ : هُوَ الْأَخْذُ بِمُوجَبِ هَذِهِ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ ، وَالنَّاظِرُ إلَى الْقَاتِلِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ ، وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَهُ وَيَنْهَاهُ : أَعْظَمُ إثْمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَحَقُّ بِفَقْءِ الْعَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رَجُلٍ قَطَعَ فَرْجَ امْرَأَتِهِ : أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ دِيَةُ الْفَرْجِ ، وَيُجْبَرُ عَلَى إمْسَاكِهَا ، حَتَّى تَمُوتَ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا . فَلِلَّهِ مَا أَحْسَنَ هَذَا الْقَضَاءَ ، وَأَقْرَبَهُ مِنْ الصَّوَابِ . فَأَمَّا الْفَرْجُ : فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً اتِّفَاقًا ، وَأَمَّا إنْفَاقُهُ عَلَيْهَا إنْ طَلَّقَهَا ، فَلِأَنَّهُ أَفْسَدَهَا عَلَى الْأَزْوَاجِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِنَفَقَتِهَا وَمَصَالِحِهَا فَسَادًا لَا يَعُودُ ، وَأَمَّا إجْبَارُهُ عَلَى إمْسَاكِهَا : فَمُعَاقَبَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، فَإِنَّهُ قَصَدَ التَّخَلُّصَ مِنْهَا بِأَمْرٍ مُحَرَّمٍ ، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا بِالطَّلَاقِ ، أَوْ الْخُلْعِ ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلَى هَذِهِ الْمُثْلَةِ الْقَبِيحَةِ ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ أَنْ يُلْزَمَ بِإِمْسَاكِهَا إلَى الْمَوْتِ . وَقَضَى فِي مَوْلُودٍ وُلِدَ لَهُ رَأْسَانِ وَصَدْرَانِ فِي حِقْوٍ وَاحِدٍ ، فَقَالُوا لَهُ : أَيُوَرَّثُ مِيرَاثَ اثْنَيْنِ ، أَمْ مِيرَاثَ وَاحِدٍ ؟ فَقَالَ : يُتْرَكُ حَتَّى يَنَامَ ، ثُمَّ يُصَاحُ بِهِ ، فَإِنْ انْتَبَهَا جَمِيعًا ، كَانَ لَهُ مِيرَاثُ وَاحِدٍ ، وَإِنْ انْتَبَهَ وَاحِدٌ وَبَقِيَ الْآخَرُ ، كَانَ لَهُ مِيرَاثُ اثْنَيْنِ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَتَزَوَّجُ مَنْ وُلِدَ كَذَلِكَ ؟ قُلْت : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَمْ أَرَ لَهَا ذِكْرًا فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو جَبَلَةَ : رَأَيْت بِفَارِسَ امْرَأَةً لَهَا رَأْسَانِ وَصَدْرَانِ فِي حِقْوٍ وَاحِدٍ مُتَزَوِّجَةً ، تَغَارُ هَذِهِ عَلَى هَذِهِ ، وَهَذِهِ عَلَى هَذِهِ . 49
وَالْقِيَاسُ : أَنَّهَا تُزَوَّجُ ، كَمَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءُ ، وَيَتَمَتَّعُ الزَّوْجُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرْجَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي خَلْقِ الْمَرْأَةِ هَذَا إذَا كَانَ الرَّأْسَانِ عَلَى حِقْوٍ وَاحِدٍ وَرِجْلَيْنِ فَإِنْ كَانَا عَلَى حِقْوَيْنِ ، وَأَرْبَعَةِ أَرْجُلٍ .
فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : " أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، بِإِنْسَانٍ لَهُ رَأْسَانِ ، وَفَمَانِ ، وَأَرْبَعُ أَعْيُنٍ ، وَأَرْبَعُ أَيْدٍ ، وَأَرْبَعُ أَرْجُلٍ ، وَإِحْلِيلَانِ ، وَدُبُرَانِ . فَقَالُوا : كَيْفَ يَرِثُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَدَعَا بِعَلِيٍّ ، فَقَالَ : فِيهِمَا قَضِيَّتَانِ ، إحْدَاهُمَا : يُنْظَرُ إذَا نَامَ ، فَإِذَا غَطَّ غَطِيطَ وَاحِدٍ ، فَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ غَطَّ كُلٌّ مِنْهُمَا فَنَفْسَانِ ، وَأَمَّا الْقَضِيَّةُ الْأُخْرَى ، فَيُطْعَمَانِ وَيُسْقَيَانِ فَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، وَتَغَوَّطَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، فَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ بَالَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ ، وَتَغَوَّطَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ فَنَفْسَانِ . فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَا النِّكَاحَ . فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَكُونُ فَرْجٌ فِي فَرْجٍ وَعَيْنٌ تَنْظُرُ ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا إذْ حَدَثَتْ فِيهِمَا الشَّهْوَةُ ، فَإِنَّهُمَا سَيَمُوتَانِ جَمِيعًا سَرِيعًا ، فَمَا لَبِثَا أَنْ مَاتَا ، وَبَيْنَهُمَا سَاعَةٌ أَوْ نَحْوُهَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث