الطرق الحكمية
الطرق الحكمية
page 7 · printed p. 12
5 - ( فَصْلٌ )
وَمِنْ ذَلِكَ { ۝ أَنَّ ابْنَيْ عَفْرَاءَ لَمَّا تَدَاعَيَا قَتْلَ أَبِي جَهْلٍ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا ؟ . قَالَا : لَا ، قَالَ فَأَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا . فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِمَا ، قَالَ لِأَحَدِهِمَا : هَذَا قَتَلَهُ وَقَضَى لَهُ بِسَلَبِهِ } .
وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَحْكَامِ ، وَأَحَقِّهَا بِالِاتِّبَاعِ ، فَالدَّمُ فِي النَّصْلِ شَاهِدٌ عَجِيبٌ . وَبِالْجُمْلَةِ : فَالْبَيِّنَةُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ وَمَنْ خَصَّهَا بِالشَّاهِدَيْنِ ، أَوْ الْأَرْبَعَةِ ، أَوْ الشَّاهِدِ لَمْ يُوَفِّ مُسَمَّاهَا حَقَّهُ .
وَلَمْ تَأْتِ الْبَيِّنَةُ قَطُّ فِي الْقُرْآنِ مُرَادًا بِهَا الشَّاهِدَانِ وَإِنَّمَا أَتَتْ مُرَادًا بِهَا الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ ، مُفْرَدَةً مَجْمُوعَةً وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي } الْمُرَادُ بِهِ : أَنَّ عَلَيْهِ بَيَانُ مَا يُصَحِّحُ دَعْوَاهُ لِيَحْكُمَ لَهُ ، وَالشَّاهِدَانِ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ غَيْرَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيِّنَةِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنْهَا ، لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى صِدْقِ الْمُدَّعِي .
فَإِنَّهَا أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ إخْبَارِ الشَّاهِدِ ، وَالْبَيِّنَةُ وَالدَّلَالَةُ وَالْحُجَّةُ وَالْبُرْهَانُ وَالْآيَةُ وَالتَّبْصِرَةُ وَالْعَلَامَةُ وَالْأَمَارَةُ : مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : { ۝ أَرَدْت السَّفَرَ إلَى خَيْبَرَ ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لَهُ : إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ ، فَقَالَ : إذَا أَتَيْت وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا ، 12 فَإِذَا طَلَبَ مِنْك آيَةً ، فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ } فَهَذَا اعْتِمَادٌ فِي الدَّفْعِ إلَى الطَّالِبِ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَلَامَةِ ، وَإِقَامَةٌ لَهَا مَقَامَ الشَّاهِدِ .
فَالشَّارِعُ لَمْ يُلْغِ الْقَرَائِنَ وَالْأَمَارَاتِ وَدَلَالَاتِ الْأَحْوَالِ ، بَلْ مَنْ اسْتَقْرَأَ الشَّرْعَ فِي مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ وَجَدَهُ شَاهِدًا لَهَا بِالِاعْتِبَارِ ، مُرَتِّبًا عَلَيْهَا الْأَحْكَامَ وَقَوْلُ أَبِي الْوَفَاءِ ابْنِ عَقِيلٍ : " لَيْسَ هَذَا فِرَاسَةً " ، فَيُقَالُ : وَلَا مَحْذُورَ فِي تَسْمِيَتِهِ فِرَاسَةً ، فَهِيَ فِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ .
وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْفِرَاسَةَ وَأَهْلَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } وَهُمْ الْمُتَفَرِّسُونَ الْآخِذُونَ بِالسِّيمَا ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ ، يُقَالُ : تَفَرَّسْت فِيك كَيْتَ وَكَيْتَ وَتَوَسَّمْته .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } وَفِي " جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ " مَرْفُوعًا : { ۝ اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَرَأَ { إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } } .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith