الطرق الحكمية
الطرق الحكمية
98 - ( فَصْلٌ )
201 عُمُومُ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصُهَا : إذَا عُرِفَ هَذَا فَعُمُومُ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصُهَا ، وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلَايَةِ : يَتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ ، فَقَدْ يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ - فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ - مَا يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ آخَرَ ، وَبِالْعَكْسِ ، وَكَذَلِكَ الْحِسْبَةُ ، وَوِلَايَةُ الْمَالِ ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ فِي الْأَصْلِ وِلَايَاتٌ دِينِيَّةٌ ، وَمَنَاصِبُ شَرْعِيَّةٌ ، فَمَنْ عَدَلَ فِي وِلَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ ، وَسَاسَهَا بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ ، وَأَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، فَهُوَ مِنْ الْأَبْرَارِ الْعَادِلِينَ ، وَمَنْ حَكَمَ فِيهَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ ، فَهُوَ مِنْ الظَّالِمِينَ الْمُعْتَدِينَ ، وَ { إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } .
فَوِلَايَةُ الْحَرْبِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ ، فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ وَمَا جَاوَرَهَا : تَخْتَصُّ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ : مِنْ الْقَتْلِ ، وَالْقَطْعِ ، وَالْجَلْدِ ، وَيَدْخُلُ فِيهَا الْحُكْمُ فِي دَعَاوَى التُّهَمِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شُهُودٌ وَلَا إقْرَارٌ ، كَمَا تَخْتَصُّ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ بِمَا فِيهِ كِتَابٌ وَشُهُودٌ وَإِقْرَارٌ ، مِنْ الدَّعَاوَى الَّتِي تَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ الْحُقُوقِ وَالْحُكْمَ بِإِيصَالِهَا إلَى أَرْبَابِهَا ، وَالنَّظَرِ فِي الْأَبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ مُعَيَّنٌ ، وَالنَّظَرِ فِي حَالِ نُظَّارِ الْوُقُوفِ ، وَأَوْصِيَاءِ الْيَتَامَى ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَفِي بِلَادٍ أُخْرَى - كَبِلَادِ الْغَرْبِ - لَيْسَ لِوَالِي الْحَرْبِ مَعَ الْقَاضِي حُكْمٌ فِي شَيْءٍ ، إنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ مُتَوَلِّي الْقَضَاءِ .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ : فَخَاصَّتُهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ ، وَأَهْلِ الدِّيوَانِ وَنَحْوِهِمْ ، فَعَلَى مُتَوَلِّي الْحِسْبَةِ أَنْ يَأْمُرَ الْعَامَّةَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا ، وَيُعَاقِبَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ ، وَأَمَّا الْقَتْلُ : فَإِلَى غَيْرِهِ ، وَيَتَعَاهَدُ الْأَئِمَّةَ وَالْمُؤَذِّنِينَ ، فَمَنْ فَرَّطَ مِنْهُمْ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْأُمَّةِ وَخَرَجَ عَنْ الْمَشْرُوعِ أَلْزَمَهُ بِهِ ، وَاسْتَعَانَ فِيمَا يَعْجَزُ عَنْهُ بِوَالِي الْحَرْبِ وَالْقَاضِي .
وَاعْتِنَاءُ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِإِلْزَامِ الرَّعِيَّةِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ ، وَأَسَاسُهُ وَقَاعِدَتُهُ ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ : " إنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ ، 202 فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَشَدُّ إضَاعَةً " . وَيَأْمُرُ وَالِي الْحِسْبَةِ بِالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ ، وَالنُّصْحِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ ، وَيَنْهَى عَنْ الْخِيَانَةِ ، وَتَطْفِيفِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ ، وَالْغِشِّ فِي الصِّنَاعَاتِ وَالْبِيَاعَاتِ ، وَيَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ ، وَأَحْوَالِ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الْأَطْعِمَةَ وَالْمَلَابِسَ وَالْآلَاتِ ، فَيَمْنَعُهُمْ مِنْ صِنَاعَةِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، كَآلَاتِ الْمَلَاهِي ، وَثِيَابِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ ، وَيَمْنَعُ مِنْ اتِّخَاذِ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرَاتِ ، وَيَمْنَعُ صَاحِبَ كُلِّ صِنَاعَةٍ مِنْ الْغِشِّ فِي صِنَاعَتِهِ ، وَيَمْنَعُ مِنْ إفْسَادِ نَقْدِ النَّاسِ وَتَغْيِيرِهَا ، وَيَمْنَعُ مِنْ جَعْلِ النُّقُودِ مَتْجَرًا ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يُدْخِلُ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ ، بَلْ الْوَاجِبُ : أَنْ تَكُونَ النُّقُودُ رُءُوسَ أَمْوَالٍ ، يَتَّجِرُ بِهَا ، وَلَا يَتَّجِرُ فِيهَا ، وَإِذَا حَرَّمَ السُّلْطَانُ سِكَّةً أَوْ نَقْدًا مُنِعَ مِنْ الِاخْتِلَاطِ بِمَا أَذِنَ فِي الْمُعَامَلَةِ بِهِ .
وَمُعْظَمُ وِلَايَتِهِ وَقَاعِدَتُهَا : الْإِنْكَارُ عَلَى هَؤُلَاءِ الزَّغَلِيَّةِ ، وَأَرْبَابِ الْغِشِّ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُفْسِدُونَ مَصَالِحَ الْأُمَّةِ ، وَالضَّرَرُ بِهِمْ عَامٌّ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ أَلَّا يُهْمِلَ أَمْرَهُمْ ، وَأَنْ يُنَكِّلَ بِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ ، وَلَا يَرْفَعُ عَنْهُمْ عُقُوبَتَهُ ، فَإِنَّ الْبَلِيَّةَ بِهِمْ عَظِيمَةٌ ، وَالْمَضَرَّةَ بِهِمْ شَامِلَةٌ وَلَا سِيَّمَا هَؤُلَاءِ الْكِيمَاوِيِّينَ الَّذِينَ يَغُشُّونَ النُّقُودَ وَالْجَوَاهِرَ ، وَالْعِطْرَ وَالطِّيبَ وَغَيْرَهَا ، يُضَاهِئُونَ بِزَغْلِهِمْ وَغِشِّهِمْ خَلْقَ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا فَيَقْدِرُ الْعِبَادُ أَنْ يَخْلُقُوا كَخَلْقِهِ ، قَالَ تَعَالَى - فِيمَا حَكَى عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي ، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً ، فَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً } .
وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَصْنُوعَاتُ - كَالطَّبَائِخِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ - غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ إلَّا بِتَوَسُّطِ النَّاسِ ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } ، وَقَالَ تَعَالَى : { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } وَكَانَتْ الْمَخْلُوقَاتُ مِنْ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالدَّوَابِّ غَيْرَ مَقْدُورٍ لِبَنِي آدَمَ أَنْ 203 يَصْنَعُوهَا ، لَكِنْ يُشَبِّهُونَ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْغِشِّ ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْكِيمْيَاءِ ، فَإِنَّهَا ذَهَبٌ مُشَبَّهٌ .
وَيَدْخُلُ فِي الْمُنْكَرَاتِ : مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ ، مِثْلُ عُقُودِ الرِّبَا ، صَرِيحًا وَاحْتِيَالًا ، وَعُقُودِ الْمَيْسِرِ ، كَبُيُوعِ الْغَرَرِ ، وَكَحَبْلِ الْحَبَلَةِ . وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ، وَالنَّجْشِ . وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا ، وَتَصْرِيَةِ الدَّابَّةِ اللَّبُونِ ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّدْلِيسِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ ، كَمَا إذَا بَاعَهُ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا نَقْدًا . حِيلَةً عَلَى الرِّبَا .
وَمِنْهَا : مَا تَكُونُ ثُنَائِيَّةً . وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مِنْ اثْنَيْنِ : مِثْلُ أَنْ يَجْمَعَ إلَى الْقَرْضِ : بَيْعًا أَوْ إجَارَةً أَوْ مُسَاقَاةً أَوْ مُزَارَعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا ، أَوْ الرِّبَا } .
وَمِنْهَا : مَا تَكُونُ ثُلَاثِيَّةً ، وَهِيَ أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا لِلرِّبَا ، فَيَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ آكِلِ الرِّبَا ، ثُمَّ يَبِيعُهَا لِمُعْطِي الرِّبَا إلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يُعِيدُهَا إلَى صَاحِبِهَا بِنَقْصِ دَرَاهِمَ يَسْتَعِيدُهَا الْمُحَلِّلُ . وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ : مِنْهَا مَا هُوَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ ، مِثْلُ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ الشَّرْعِيِّ ، أَوْ بِغَيْرِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ ، أَوْ يَقْلِبُ فِيهَا الدَّيْنَ عَلَى الْمُعْسِرِ ، فَإِنَّ الْمُعْسِرَ يَجِبُ إنْظَارُهُ ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَمَتَى اسْتَحَلَّ الْمُرَابِي قَلْبَ الدَّيْنِ ، وَقَالَ لِلْمَدِينِ : إمَّا أَنْ تَقْضِيَ ، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي الدَّيْنِ وَالْمُدَّةِ : فَهُوَ كَافِرٌ ، يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، وَأُخِذَ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ . فَعَلَى وَالِي الْحِسْبَةِ إنْكَارُ ذَلِكَ جَمِيعِهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ ، وَعُقُوبَةُ فَاعِلِهِ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى دَعْوَى وَمُدَّعًى عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إنْكَارُهَا ، وَالنَّهْيُ عَنْهَا .
201 عُمُومُ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصُهَا : إذَا عُرِفَ هَذَا فَعُمُومُ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصُهَا ، وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلَايَةِ : يَتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ ، فَقَدْ يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ - فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ - مَا يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ آخَرَ ، وَبِالْعَكْسِ ، وَكَذَلِكَ الْحِسْبَةُ ، وَوِلَايَةُ الْمَالِ ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ فِي الْأَصْلِ وِلَايَاتٌ دِينِيَّةٌ ، وَمَنَاصِبُ شَرْعِيَّةٌ ، فَمَنْ عَدَلَ فِي وِلَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ ، وَسَاسَهَا بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ ، وَأَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، فَهُوَ مِنْ الْأَبْرَارِ الْعَادِلِينَ ، وَمَنْ حَكَمَ فِيهَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ ، فَهُوَ مِنْ الظَّالِمِينَ الْمُعْتَدِينَ ، وَ { إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } .
فَوِلَايَةُ الْحَرْبِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ ، فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ وَمَا جَاوَرَهَا : تَخْتَصُّ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ : مِنْ الْقَتْلِ ، وَالْقَطْعِ ، وَالْجَلْدِ ، وَيَدْخُلُ فِيهَا الْحُكْمُ فِي دَعَاوَى التُّهَمِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شُهُودٌ وَلَا إقْرَارٌ ، كَمَا تَخْتَصُّ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ بِمَا فِيهِ كِتَابٌ وَشُهُودٌ وَإِقْرَارٌ ، مِنْ الدَّعَاوَى الَّتِي تَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ الْحُقُوقِ وَالْحُكْمَ بِإِيصَالِهَا إلَى أَرْبَابِهَا ، وَالنَّظَرِ فِي الْأَبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ مُعَيَّنٌ ، وَالنَّظَرِ فِي حَالِ نُظَّارِ الْوُقُوفِ ، وَأَوْصِيَاءِ الْيَتَامَى ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَفِي بِلَادٍ أُخْرَى - كَبِلَادِ الْغَرْبِ - لَيْسَ لِوَالِي الْحَرْبِ مَعَ الْقَاضِي حُكْمٌ فِي شَيْءٍ ، إنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ مُتَوَلِّي الْقَضَاءِ .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ : فَخَاصَّتُهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ ، وَأَهْلِ الدِّيوَانِ وَنَحْوِهِمْ ، فَعَلَى مُتَوَلِّي الْحِسْبَةِ أَنْ يَأْمُرَ الْعَامَّةَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا ، وَيُعَاقِبَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ ، وَأَمَّا الْقَتْلُ : فَإِلَى غَيْرِهِ ، وَيَتَعَاهَدُ الْأَئِمَّةَ وَالْمُؤَذِّنِينَ ، فَمَنْ فَرَّطَ مِنْهُمْ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْأُمَّةِ وَخَرَجَ عَنْ الْمَشْرُوعِ أَلْزَمَهُ بِهِ ، وَاسْتَعَانَ فِيمَا يَعْجَزُ عَنْهُ بِوَالِي الْحَرْبِ وَالْقَاضِي .
وَاعْتِنَاءُ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِإِلْزَامِ الرَّعِيَّةِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ ، وَأَسَاسُهُ وَقَاعِدَتُهُ ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ : " إنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ ، 202 فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَشَدُّ إضَاعَةً " . وَيَأْمُرُ وَالِي الْحِسْبَةِ بِالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ ، وَالنُّصْحِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ ، وَيَنْهَى عَنْ الْخِيَانَةِ ، وَتَطْفِيفِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ ، وَالْغِشِّ فِي الصِّنَاعَاتِ وَالْبِيَاعَاتِ ، وَيَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ ، وَأَحْوَالِ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الْأَطْعِمَةَ وَالْمَلَابِسَ وَالْآلَاتِ ، فَيَمْنَعُهُمْ مِنْ صِنَاعَةِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، كَآلَاتِ الْمَلَاهِي ، وَثِيَابِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ ، وَيَمْنَعُ مِنْ اتِّخَاذِ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرَاتِ ، وَيَمْنَعُ صَاحِبَ كُلِّ صِنَاعَةٍ مِنْ الْغِشِّ فِي صِنَاعَتِهِ ، وَيَمْنَعُ مِنْ إفْسَادِ نَقْدِ النَّاسِ وَتَغْيِيرِهَا ، وَيَمْنَعُ مِنْ جَعْلِ النُّقُودِ مَتْجَرًا ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يُدْخِلُ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ ، بَلْ الْوَاجِبُ : أَنْ تَكُونَ النُّقُودُ رُءُوسَ أَمْوَالٍ ، يَتَّجِرُ بِهَا ، وَلَا يَتَّجِرُ فِيهَا ، وَإِذَا حَرَّمَ السُّلْطَانُ سِكَّةً أَوْ نَقْدًا مُنِعَ مِنْ الِاخْتِلَاطِ بِمَا أَذِنَ فِي الْمُعَامَلَةِ بِهِ .
وَمُعْظَمُ وِلَايَتِهِ وَقَاعِدَتُهَا : الْإِنْكَارُ عَلَى هَؤُلَاءِ الزَّغَلِيَّةِ ، وَأَرْبَابِ الْغِشِّ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُفْسِدُونَ مَصَالِحَ الْأُمَّةِ ، وَالضَّرَرُ بِهِمْ عَامٌّ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ أَلَّا يُهْمِلَ أَمْرَهُمْ ، وَأَنْ يُنَكِّلَ بِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ ، وَلَا يَرْفَعُ عَنْهُمْ عُقُوبَتَهُ ، فَإِنَّ الْبَلِيَّةَ بِهِمْ عَظِيمَةٌ ، وَالْمَضَرَّةَ بِهِمْ شَامِلَةٌ وَلَا سِيَّمَا هَؤُلَاءِ الْكِيمَاوِيِّينَ الَّذِينَ يَغُشُّونَ النُّقُودَ وَالْجَوَاهِرَ ، وَالْعِطْرَ وَالطِّيبَ وَغَيْرَهَا ، يُضَاهِئُونَ بِزَغْلِهِمْ وَغِشِّهِمْ خَلْقَ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا فَيَقْدِرُ الْعِبَادُ أَنْ يَخْلُقُوا كَخَلْقِهِ ، قَالَ تَعَالَى - فِيمَا حَكَى عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي ، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً ، فَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً } .
وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَصْنُوعَاتُ - كَالطَّبَائِخِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ - غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ إلَّا بِتَوَسُّطِ النَّاسِ ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } ، وَقَالَ تَعَالَى : { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } وَكَانَتْ الْمَخْلُوقَاتُ مِنْ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالدَّوَابِّ غَيْرَ مَقْدُورٍ لِبَنِي آدَمَ أَنْ 203 يَصْنَعُوهَا ، لَكِنْ يُشَبِّهُونَ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْغِشِّ ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْكِيمْيَاءِ ، فَإِنَّهَا ذَهَبٌ مُشَبَّهٌ .
وَيَدْخُلُ فِي الْمُنْكَرَاتِ : مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ ، مِثْلُ عُقُودِ الرِّبَا ، صَرِيحًا وَاحْتِيَالًا ، وَعُقُودِ الْمَيْسِرِ ، كَبُيُوعِ الْغَرَرِ ، وَكَحَبْلِ الْحَبَلَةِ . وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ، وَالنَّجْشِ . وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا ، وَتَصْرِيَةِ الدَّابَّةِ اللَّبُونِ ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّدْلِيسِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ ، كَمَا إذَا بَاعَهُ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا نَقْدًا . حِيلَةً عَلَى الرِّبَا .
وَمِنْهَا : مَا تَكُونُ ثُنَائِيَّةً . وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مِنْ اثْنَيْنِ : مِثْلُ أَنْ يَجْمَعَ إلَى الْقَرْضِ : بَيْعًا أَوْ إجَارَةً أَوْ مُسَاقَاةً أَوْ مُزَارَعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا ، أَوْ الرِّبَا } .
وَمِنْهَا : مَا تَكُونُ ثُلَاثِيَّةً ، وَهِيَ أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا لِلرِّبَا ، فَيَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ آكِلِ الرِّبَا ، ثُمَّ يَبِيعُهَا لِمُعْطِي الرِّبَا إلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يُعِيدُهَا إلَى صَاحِبِهَا بِنَقْصِ دَرَاهِمَ يَسْتَعِيدُهَا الْمُحَلِّلُ . وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ : مِنْهَا مَا هُوَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ ، مِثْلُ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ الشَّرْعِيِّ ، أَوْ بِغَيْرِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ ، أَوْ يَقْلِبُ فِيهَا الدَّيْنَ عَلَى الْمُعْسِرِ ، فَإِنَّ الْمُعْسِرَ يَجِبُ إنْظَارُهُ ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَمَتَى اسْتَحَلَّ الْمُرَابِي قَلْبَ الدَّيْنِ ، وَقَالَ لِلْمَدِينِ : إمَّا أَنْ تَقْضِيَ ، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي الدَّيْنِ وَالْمُدَّةِ : فَهُوَ كَافِرٌ ، يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، وَأُخِذَ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ . فَعَلَى وَالِي الْحِسْبَةِ إنْكَارُ ذَلِكَ جَمِيعِهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ ، وَعُقُوبَةُ فَاعِلِهِ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى دَعْوَى وَمُدَّعًى عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إنْكَارُهَا ، وَالنَّهْيُ عَنْهَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث