تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1063 · printed p. 148
( سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ( 22 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي عِدَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، فَحَكَى ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِرَابِعٍ ، وَلِمَا ضَعَّفَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ : ( رَجْمًا بِالْغَيْبِ ) أَيْ : قَوْلًا بِلَا عِلْمٍ ، كَمَنْ يَرْمِي إِلَى مَكَانٍ لَا يَعْرِفُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُصِيبُ ، وَإِنْ أَصَابَ فَبِلَا قَصْدٍ ، ثُمَّ حَكَى الثَّالِثَ وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَوْ قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ . 148
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ) إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الْأَحْسَنَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ رَدُّ الْعِلْمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ إِذْ لَا احْتِيَاجَ إِلَى الْخَوْضِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِلَا عِلْمٍ ، لَكِنْ إِذَا أَطْلَعَنَا عَلَى أَمْرٍ قُلْنَا بِهِ ، وَإِلَّا وَقَفْنَا حَيْثُ وَقَفْنَا .
وَقَوْلُهُ : ( مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) أَيْ : مِنَ النَّاسِ . قَالَ قَتَادَةُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنَا مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - كَانُوا سَبْعَةً . وَكَذَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَنَا مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ ، وَيَقُولُ : عَدَّتُهُمْ سَبْعَةٌ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) قَالَ : أَنَا مِنَ الْقَلِيلِ ، كَانُوا سَبْعَةً .
فَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَةً ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ وَضَحُ الْوَرِقِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَكَانُوا كَذَلِكَ لَيْلَهُمْ وَنَهَارَهُمْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ، يَبْكُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ بِاللَّهِ ، وَكَانُوا ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ : مَكْسَلْمِينَا وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ وَهُوَ الَّذِي كَلَّمَ الْمَلِكَ عَنْهُمْ ، وَ مَجْسِيمِيلِنِينَا وَتِمْلِيخَا وَمَرْطُونَسُ ، وَكَشْطُونَسُ ، وَبَيْرُونَسُ ، وَدِيمُوسُ ، وَيَطُونَسُ وَقَالُوشُ .
هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَيُحْتَمَلُ هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَمِنْ بَيْنِهِ وَبَيْنَهُ ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَةً ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَّائِيِّ أَنَّ اسْمَ كَلْبِهِمْ حِمْرَانُ ، وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَاسْمِ كَلْبِهِمْ نَظَرٌ فِي صِحَّتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ؛ فَإِنَّ غَالِبَ ذَلِكَ مُتَلَقًّى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا ) أَيْ : سَهْلًا هَيِّنًا ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ ( وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) أَيْ : فَإِنَّهُمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا مَا يَقُولُونَهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ، أَيْ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إِلَى كَلَامٍ مَعْصُومٍ ، وَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِالْحَقِّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ ، فَهُوَ الْمُقَدِّمُ الْحَاكِمُ عَلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمُهُ مِنَ الْكُتُبِ وَالْأَقْوَالِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith