تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ( 25 ) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ( 26 ) )
هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِقْدَارِ مَا لَبِثَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ فِي كَهْفِهِمْ ، مُنْذُ أَرْقَدَهُمُ اللَّهُ إِلَى أَنْ بَعَثَهُمْ وَأَعْثَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَأَنَّهُ كَانَ مِقْدَارُهُ ثَلَاثَمِائَةِ [ سَنَةٍ ] وَتِسْعَ سِنِينَ بِالْهِلَالِيَّةِ ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ بِالشَّمْسِيَّةِ ، فَإِنَّ تَفَاوُتَ مَا بَيْنِ كُلِّ مِائَةِ [ سَنَةٍ ] بِالْقَمَرِيَّةِ إِلَى الشَّمْسِيَّةِ ثَلَاثُ سِنِينَ ؛ فَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ : ( وَازْدَادُوا تِسْعًا )
وَقَوْلُهُ : ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) أَيْ : إِذَا سُئِلْتَ عَنْ لَبْثِهِمْ وَلَيْسَ عِنْدَكَ [ عِلْمٌ ] فِي ذَلِكَ وَتَوْقِيفٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا تَتَقَدَّمْ فِيهِ بِشَيْءٍ ، بَلْ قُلْ فِي مِثْلِ هَذَا : ( اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أَيْ : لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا هُوَ أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ ، عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ كَمُجَاهِدٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ) هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، 151 وَقَدْ رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) قَالَ : وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : " وَقَالُوا : وَلَبِثُوا " ، يَعْنِي أَنَّهُ قَالَهُ النَّاسُ
وَهَكَذَا قَالَ - كَمَا قَالَ قَتَادَةُ - مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ .
وَفِي هَذَا الَّذِي زَعَمَهُ قَتَادَةُ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الَّذِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَبِثُوا ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ تِسْعٍ ، يَعْنُونَ بِالشَّمْسِيَّةِ ، وَلَوْ كَانَ اللَّهُ قَدْ حَكَى قَوْلَهُمْ لَمَا قَالَ : ( وَازْدَادُوا تِسْعًا ) وَظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ ، لَا حِكَايَةَ عَنْهُمْ . وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَرِوَايَةُ قَتَادَةَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُنْقَطِعَةٌ ، ثُمَّ هِيَ شَاذَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ) أَيْ : إِنَّهُ لَبَصِيرٌ بِهِمْ سَمِيعٌ لَهُمْ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : مَا أَبْصَرَهُ وَأَسْمَعَهُ ، وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : مَا أَبْصَرَ اللَّهَ لِكُلِّ مَوْجُودٍ ، وَأَسْمَعَهُ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ .
ثُمَّ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ) فَلَا أَحَدَ أَبْصَرُ مِنَ اللَّهِ وَلَا أَسْمَعُ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ) يَرَى أَعْمَالَهُمْ ، وَيَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، سَمِيعًا بَصِيرًا .
وَقَوْلُهُ : ( مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ) أَيْ : أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ وَزِيرٌ وَلَا نَصِيرٌ وَلَا شَرِيكٌ وَلَا مُشِيرٌ ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ .
هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِقْدَارِ مَا لَبِثَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ فِي كَهْفِهِمْ ، مُنْذُ أَرْقَدَهُمُ اللَّهُ إِلَى أَنْ بَعَثَهُمْ وَأَعْثَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَأَنَّهُ كَانَ مِقْدَارُهُ ثَلَاثَمِائَةِ [ سَنَةٍ ] وَتِسْعَ سِنِينَ بِالْهِلَالِيَّةِ ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ بِالشَّمْسِيَّةِ ، فَإِنَّ تَفَاوُتَ مَا بَيْنِ كُلِّ مِائَةِ [ سَنَةٍ ] بِالْقَمَرِيَّةِ إِلَى الشَّمْسِيَّةِ ثَلَاثُ سِنِينَ ؛ فَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ : ( وَازْدَادُوا تِسْعًا )
وَقَوْلُهُ : ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) أَيْ : إِذَا سُئِلْتَ عَنْ لَبْثِهِمْ وَلَيْسَ عِنْدَكَ [ عِلْمٌ ] فِي ذَلِكَ وَتَوْقِيفٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا تَتَقَدَّمْ فِيهِ بِشَيْءٍ ، بَلْ قُلْ فِي مِثْلِ هَذَا : ( اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أَيْ : لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا هُوَ أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ ، عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ كَمُجَاهِدٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ) هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، 151 وَقَدْ رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) قَالَ : وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : " وَقَالُوا : وَلَبِثُوا " ، يَعْنِي أَنَّهُ قَالَهُ النَّاسُ
وَهَكَذَا قَالَ - كَمَا قَالَ قَتَادَةُ - مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ .
وَفِي هَذَا الَّذِي زَعَمَهُ قَتَادَةُ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الَّذِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَبِثُوا ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ تِسْعٍ ، يَعْنُونَ بِالشَّمْسِيَّةِ ، وَلَوْ كَانَ اللَّهُ قَدْ حَكَى قَوْلَهُمْ لَمَا قَالَ : ( وَازْدَادُوا تِسْعًا ) وَظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ ، لَا حِكَايَةَ عَنْهُمْ . وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَرِوَايَةُ قَتَادَةَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُنْقَطِعَةٌ ، ثُمَّ هِيَ شَاذَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ) أَيْ : إِنَّهُ لَبَصِيرٌ بِهِمْ سَمِيعٌ لَهُمْ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : مَا أَبْصَرَهُ وَأَسْمَعَهُ ، وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : مَا أَبْصَرَ اللَّهَ لِكُلِّ مَوْجُودٍ ، وَأَسْمَعَهُ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ .
ثُمَّ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ) فَلَا أَحَدَ أَبْصَرُ مِنَ اللَّهِ وَلَا أَسْمَعُ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ) يَرَى أَعْمَالَهُمْ ، وَيَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، سَمِيعًا بَصِيرًا .
وَقَوْلُهُ : ( مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ) أَيْ : أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ وَزِيرٌ وَلَا نَصِيرٌ وَلَا شَرِيكٌ وَلَا مُشِيرٌ ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith