تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
191 ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ( 85 ) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ( 86 ) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ( 87 ) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ( 88 ) ) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) يَعْنِي : بِالسَّبَبِ الْمُنَزَّلِ ] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) : مُنَزَّلًا وَطَرِيقًا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : ( سَبَبًا ) قَالَ : طَرِيقًا فِي الْأَرْضِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : أَيْ أَتْبَعَ مَنَازِلَ الْأَرْضِ وَمَعَالِمَهَا .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) أَيِ الْمَنَازِلَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) قَالَ : عِلْمًا . وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَعُبَيْدُ بْنُ يَعْلَى ، وَالسُّدِّيُّ .
وَقَالَ مَطَرٌ : مَعَالِمُ وَآثَارٌ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ) أَيْ : فَسَلَكَ طَرِيقًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَقْصَى مَا يَسْلُكُ فِيهِ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ ، وَهُوَ مَغْرِبُ الْأَرْضِ . وَأَمَّا الْوُصُولُ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ السَّمَاءِ فَمُتَعَذِّرٌ ، وَمَا يَذْكُرُهُ أَصْحَابُ الْقِصَصِ وَالْأَخْبَارِ مِنْ أَنَّهُ سَارَ فِي الْأَرْضِ مُدَّةً وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ مِنْ وَرَائِهِ فَشَيْءٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ . وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنْ خُرَافَاتِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَاخْتِلَاقِ زَنَادِقَتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ
وَقَوْلُهُ : ( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) أَيْ : رَأَى الشَّمْسَ فِي مَنْظَرِهِ تَغْرُبُ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ ، وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مَنِ انْتَهَى إِلَى سَاحِلِهِ ، يَرَاهَا كَأَنَّهَا تَغْرُبُ فِيهِ ، وَهِيَ لَا تُفَارِقُ الْفَلَكَ الرَّابِعَ الَّذِي هِيَ مُثَبَّتَةٌ فِيهِ لَا تُفَارِقُهُ .
وَالْحَمِئَةُ مُشْتَقَّةٌ عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ مِنْ " الْحَمْأَةِ " وَهُوَ الطِّينُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) [ الْحِجْرِ : 28 ] أَيْ طِينٍ أَمْلَسَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ يَقُولُ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ ( فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) ثُمَّ فَسَّرَهَا : ذَاتُ حَمْأَةٍ . قَالَ نَافِعٌ : وَسُئِلَ عَنْهَا كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ : أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنِّي ، وَلَكِنِّي أَجِدُهَا فِي الْكِتَابِ تَغِيبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ .
وَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ مِصْدَعٍ ، عَنِ ابْنِ 192 عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ ( حَمِئَةٍ )
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَجَدَهَا تَغْرُبَ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ " يَعْنِي حَارَّةً . وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَأَيَّهُمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ .
قُلْتُ : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَعْنَيَيْهِمَا ؛ إِذْ قَدْ تَكُونُ حَارَّةً لِمُجَاوَرَتِهَا وَهْجِ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَمُلَاقَاتِهَا الشُّعَاعِ بِلَا حَائِلٍ وَ ( حَمِئَةٍ ) فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَسْوَدَ ، كَمَا قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَغَيْرُهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ ، حَدَّثَنِي مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الشَّمْسِ حِينَ غَابَتْ ، فَقَالَ : " فِي نَارِ اللَّهِ الْحَامِيَةِ [ فِي نَارِ اللَّهِ الْحَامِيَةِ ] ، لَوْلَا مَا يَزَعُهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، لَأَحْرَقَتْ مَا عَلَى الْأَرْضِ " .
قُلْتُ : وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ . وَفِي صِحَّةِ رَفْعِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ ، وَلَعَلَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، مِنْ زَامِلَتَيْهِ اللَّتَيْنِ وَجَدَهُمَا يَوْمَ الْيَرْمُوكِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ بِشْرٍ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حَاضِرٍ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ذُكِرَ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْكَهْفِ " تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ مَا نَقْرَؤُهَا إِلَّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُهَا : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كَمَا قَرَأَتْهَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ : فِي بَيْتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ ؟ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبٍ فَقَالَ لَهُ : أَيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِي التَّوْرَاةِ ؟ [ فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ : سَلْ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ ، فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِهَا ، وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِي التَّوْرَاةِ ] فِي مَاءٍ وَطِينٍ . وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَغْرِبِ . قَالَ ابْنُ حَاضِرٍ : لَوْ أَنِّي عِنْدَكُمَا أَفَدْتُكَ بِكَلَامٍ تَزْدَادُ فِيهِ بَصِيرَةً فِي حَمِئَةٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَإِذًا مَا هُوَ ؟ قُلْتُ : فِيمَا يُؤْثَرُ مِنْ قَوْلِ تُبَّعٍ ، فِيمَا ذَكَرَ بِهِ ذَا الْقَرْنَيْنِ فِي تَخَلُّقِهِ بِالْعِلْمِ وَاتِّبَاعِهِ إِيَّاهُ :
﴿﴾ بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا ﴿﴾ ﴿﴾ فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ ﴿﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا الْخُلُبُ ؟ قُلْتُ : الطِّينُ بِكَلَامِهِمْ . [ يَعْنِي بِكَلَامِ حِمْيَرَ ] . قَالَ : مَا الثَّاطُ ؟ 193 قُلْتُ : الْحَمْأَةُ . قَالَ : فَمَا الْحَرْمَدُ ؟ قُلْتُ : الْأَسْوَدُ . قَالَ : فَدَعَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا أَوْ غُلَامًا فَقَالَ : اكْتُبْ مَا يَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : بَيْنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ فَقَرَأَ : ( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) فَقَالَ كَعْبٌ : وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقْرَؤُهَا كَمَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ غَيْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّا نَجِدُهَا فِي التَّوْرَاةِ : تَغْرُبُ فِي مَدَرَةٍ سَوْدَاءَ .
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ ( وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ) قَالَ : مَدِينَةٌ لَهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ بَابٍ ، لَوْلَا أَصْوَاتُ أَهْلِهَا لَسَمِعَ النَّاسُ وُجُوبَ الشَّمْسِ حِينَ تَجِبُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ) أَيْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ ، ذَكَرُوا أَنَّهَا كَانَتْ أُمَّةً عَظِيمَةً مِنْ بَنِي آدَمَ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ) مَعْنَى هَذَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَكَّنَهُ مِنْهُمْ وَحَكَّمَهُ فِيهِمْ ، وَأَظْفَرَهُ بِهِمْ وَخَيَّرَهُ : إِنْ شَاءَ قَتَلَ وَسَبَى ، وَإِنْ شَاءَ مَنَّ أَوْ فَدَى . فَعُرِفَ عَدْلُهُ وَإِيمَانُهُ فِيمَا أَبْدَاهُ عَدْلَهُ وَبَيَانَهُ
فِي قَوْلِهِ : ( أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ) أَيْ : مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَشِرْكِهِ بِرَبِّهِ ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) قَالَ قَتَادَةُ : بِالْقَتْلِ : وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ يَحْمِي لَهُمْ بَقَرَ النُّحَاسِ وَيَضَعُهُمْ فِيهَا حَتَّى يَذُوبُوا . وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : كَانَ يُسَلِّطُ الظُّلْمَةَ ، فَتَدْخُلُ أَفْوَاهَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ ، وَتَغْشَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ) أَيْ : شَدِيدًا بَلِيغًا وَجِيعًا أَلِيمًا . وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ ) أَيْ : تَابَعَنَا عَلَى مَا نَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ( فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ) أَيْ : فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ( وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ) قَالَ مُجَاهِدٌ : مَعْرُوفًا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) يَعْنِي : بِالسَّبَبِ الْمُنَزَّلِ ] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) : مُنَزَّلًا وَطَرِيقًا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : ( سَبَبًا ) قَالَ : طَرِيقًا فِي الْأَرْضِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : أَيْ أَتْبَعَ مَنَازِلَ الْأَرْضِ وَمَعَالِمَهَا .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) أَيِ الْمَنَازِلَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) قَالَ : عِلْمًا . وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَعُبَيْدُ بْنُ يَعْلَى ، وَالسُّدِّيُّ .
وَقَالَ مَطَرٌ : مَعَالِمُ وَآثَارٌ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ) أَيْ : فَسَلَكَ طَرِيقًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَقْصَى مَا يَسْلُكُ فِيهِ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ ، وَهُوَ مَغْرِبُ الْأَرْضِ . وَأَمَّا الْوُصُولُ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ السَّمَاءِ فَمُتَعَذِّرٌ ، وَمَا يَذْكُرُهُ أَصْحَابُ الْقِصَصِ وَالْأَخْبَارِ مِنْ أَنَّهُ سَارَ فِي الْأَرْضِ مُدَّةً وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ مِنْ وَرَائِهِ فَشَيْءٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ . وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنْ خُرَافَاتِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَاخْتِلَاقِ زَنَادِقَتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ
وَقَوْلُهُ : ( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) أَيْ : رَأَى الشَّمْسَ فِي مَنْظَرِهِ تَغْرُبُ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ ، وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مَنِ انْتَهَى إِلَى سَاحِلِهِ ، يَرَاهَا كَأَنَّهَا تَغْرُبُ فِيهِ ، وَهِيَ لَا تُفَارِقُ الْفَلَكَ الرَّابِعَ الَّذِي هِيَ مُثَبَّتَةٌ فِيهِ لَا تُفَارِقُهُ .
وَالْحَمِئَةُ مُشْتَقَّةٌ عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ مِنْ " الْحَمْأَةِ " وَهُوَ الطِّينُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) [ الْحِجْرِ : 28 ] أَيْ طِينٍ أَمْلَسَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ يَقُولُ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ ( فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) ثُمَّ فَسَّرَهَا : ذَاتُ حَمْأَةٍ . قَالَ نَافِعٌ : وَسُئِلَ عَنْهَا كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ : أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنِّي ، وَلَكِنِّي أَجِدُهَا فِي الْكِتَابِ تَغِيبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ .
وَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ مِصْدَعٍ ، عَنِ ابْنِ 192 عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ ( حَمِئَةٍ )
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَجَدَهَا تَغْرُبَ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ " يَعْنِي حَارَّةً . وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَأَيَّهُمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ .
قُلْتُ : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَعْنَيَيْهِمَا ؛ إِذْ قَدْ تَكُونُ حَارَّةً لِمُجَاوَرَتِهَا وَهْجِ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَمُلَاقَاتِهَا الشُّعَاعِ بِلَا حَائِلٍ وَ ( حَمِئَةٍ ) فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَسْوَدَ ، كَمَا قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَغَيْرُهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ ، حَدَّثَنِي مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الشَّمْسِ حِينَ غَابَتْ ، فَقَالَ : " فِي نَارِ اللَّهِ الْحَامِيَةِ [ فِي نَارِ اللَّهِ الْحَامِيَةِ ] ، لَوْلَا مَا يَزَعُهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، لَأَحْرَقَتْ مَا عَلَى الْأَرْضِ " .
قُلْتُ : وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ . وَفِي صِحَّةِ رَفْعِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ ، وَلَعَلَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، مِنْ زَامِلَتَيْهِ اللَّتَيْنِ وَجَدَهُمَا يَوْمَ الْيَرْمُوكِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ بِشْرٍ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حَاضِرٍ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ذُكِرَ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْكَهْفِ " تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ مَا نَقْرَؤُهَا إِلَّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُهَا : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كَمَا قَرَأَتْهَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ : فِي بَيْتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ ؟ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبٍ فَقَالَ لَهُ : أَيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِي التَّوْرَاةِ ؟ [ فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ : سَلْ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ ، فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِهَا ، وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِي التَّوْرَاةِ ] فِي مَاءٍ وَطِينٍ . وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَغْرِبِ . قَالَ ابْنُ حَاضِرٍ : لَوْ أَنِّي عِنْدَكُمَا أَفَدْتُكَ بِكَلَامٍ تَزْدَادُ فِيهِ بَصِيرَةً فِي حَمِئَةٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَإِذًا مَا هُوَ ؟ قُلْتُ : فِيمَا يُؤْثَرُ مِنْ قَوْلِ تُبَّعٍ ، فِيمَا ذَكَرَ بِهِ ذَا الْقَرْنَيْنِ فِي تَخَلُّقِهِ بِالْعِلْمِ وَاتِّبَاعِهِ إِيَّاهُ :
﴿﴾ بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا ﴿﴾ ﴿﴾ فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ ﴿﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا الْخُلُبُ ؟ قُلْتُ : الطِّينُ بِكَلَامِهِمْ . [ يَعْنِي بِكَلَامِ حِمْيَرَ ] . قَالَ : مَا الثَّاطُ ؟ 193 قُلْتُ : الْحَمْأَةُ . قَالَ : فَمَا الْحَرْمَدُ ؟ قُلْتُ : الْأَسْوَدُ . قَالَ : فَدَعَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا أَوْ غُلَامًا فَقَالَ : اكْتُبْ مَا يَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : بَيْنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ فَقَرَأَ : ( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) فَقَالَ كَعْبٌ : وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقْرَؤُهَا كَمَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ غَيْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّا نَجِدُهَا فِي التَّوْرَاةِ : تَغْرُبُ فِي مَدَرَةٍ سَوْدَاءَ .
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ ( وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ) قَالَ : مَدِينَةٌ لَهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ بَابٍ ، لَوْلَا أَصْوَاتُ أَهْلِهَا لَسَمِعَ النَّاسُ وُجُوبَ الشَّمْسِ حِينَ تَجِبُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ) أَيْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ ، ذَكَرُوا أَنَّهَا كَانَتْ أُمَّةً عَظِيمَةً مِنْ بَنِي آدَمَ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ) مَعْنَى هَذَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَكَّنَهُ مِنْهُمْ وَحَكَّمَهُ فِيهِمْ ، وَأَظْفَرَهُ بِهِمْ وَخَيَّرَهُ : إِنْ شَاءَ قَتَلَ وَسَبَى ، وَإِنْ شَاءَ مَنَّ أَوْ فَدَى . فَعُرِفَ عَدْلُهُ وَإِيمَانُهُ فِيمَا أَبْدَاهُ عَدْلَهُ وَبَيَانَهُ
فِي قَوْلِهِ : ( أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ) أَيْ : مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَشِرْكِهِ بِرَبِّهِ ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) قَالَ قَتَادَةُ : بِالْقَتْلِ : وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ يَحْمِي لَهُمْ بَقَرَ النُّحَاسِ وَيَضَعُهُمْ فِيهَا حَتَّى يَذُوبُوا . وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : كَانَ يُسَلِّطُ الظُّلْمَةَ ، فَتَدْخُلُ أَفْوَاهَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ ، وَتَغْشَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ) أَيْ : شَدِيدًا بَلِيغًا وَجِيعًا أَلِيمًا . وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ ) أَيْ : تَابَعَنَا عَلَى مَا نَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ( فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ) أَيْ : فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ( وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ) قَالَ مُجَاهِدٌ : مَعْرُوفًا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith