تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
الصفحة 1134 · ص. المطبوع 284
( قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ( 36 ) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ( 37 ) )
( إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ( 38 ) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ( 39 ) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ( 40 ) )
هَذِهِ إِجَابَةٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِيمَا سَأَلَ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَتَذْكِيرٌ لَهُ بِنِعَمِهِ السَّالِفَةِ عَلَيْهِ ، فِيمَا كَانَ أَلْهَمَ أُمَّهُ حِينَ كَانَتْ تُرْضِعُهُ ، وَتَحْذَرُ عَلَيْهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ أَنْ يَقْتُلُوهُ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الَّتِي يَقْتُلُونَ فِيهَا الْغِلْمَانَ . فَاتَّخَذَتْ لَهُ تَابُوتًا ، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ ثُمَّ تَضَعُهُ فِيهِ ، وَتُرْسِلُهُ فِي الْبَحْرِ - وَهُوَ النِّيلُ - وَتُمْسِكُهُ إِلَى مَنْزِلِهَا بِحَبْلٍ فَذَهَبَتْ مَرَّةً لِتَرْبِطَهُ فَانْفَلَتَ مِنْهَا 284 وَذَهَبَ بِهِ الْبَحْرُ ، فَحَصَلَ لَهَا مِنَ الْغَمِّ وَالْهَمِّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ : ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ) [ الْقَصَصِ : 10 ] فَذَهَبَ بِهِ الْبَحْرُ إِلَى دَارِ فِرْعَوْنَ ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) [ الْقَصَصِ : 8 ] أَيْ قَدَرًا مَقْدُورًا مِنَ اللَّهِ ، حَيْثُ كَانُوا هُمْ يَقْتُلُونَ الْغِلْمَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، حَذَرًا مِنْ وُجُودِ مُوسَى ، فَحَكَمَ اللَّهُ - وَلَهُ السُّلْطَانُ الْعَظِيمُ ، وَالْقُدْرَةُ التَّامَّةُ - أَلَّا يُرَبَّى إِلَّا عَلَى فِرَاشِ فِرْعَوْنَ ، وَيُغَذَّى بِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ ، مَعَ مَحَبَّتِهِ وَزَوْجَتِهِ لَهُ; وَلِهَذَا قَالَ : ( يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) أَيْ : عِنْدَ عَدُوِّكَ ، جَعَلْتُهُ يُحِبُّكَ . قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ : ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) قَالَ : حَبَّبْتُكَ إِلَى عِبَادِي .
( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) قَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ : تُرَبَّى بِعَيْنِ اللَّهِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : تُغَذَّى عَلَى عَيْنِي .
وَقَالَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى : ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) بِحَيْثُ أَرَى .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : يَعْنِي أَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَلِكِ يَنْعَمُ وَيَتْرَفُ ، غِذَاؤُهُ عِنْدَهُمْ غِذَاءُ الْمَلِكِ ، فَتِلْكَ الصَّنْعَةُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ) وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ آلِ فِرْعَوْنَ ، عَرَضُوا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ، فَأَبَاهَا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) فَجَاءَتْ أُخْتُهُ وَقَالَتْ ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) [ الْقَصَصِ : 12 ] . تَعْنِي هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ تُرْضِعُهُ لَكُمْ بِالْأُجْرَةِ ؟ فَذَهَبَتْ بِهِ وَهُمْ مَعَهَا إِلَى أُمِّهِ ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ ثَدْيَهَا ، فَقَبِلَهُ ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا ، وَاسْتَأْجَرُوهَا عَلَى إِرْضَاعِهِ فَنَالَهَا بِسَبَبِهِ سَعَادَةٌ وَرِفْعَةٌ وَرَاحَةٌ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ أَغْنَمُ وَأَجْزَلُ ; وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : ۝ " مَثَلُ الصَّانِعِ الَّذِي يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ ، كَمَثَلِ أَمِّ مُوسَى ، تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا " .
وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا : ( فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ) أَيْ : عَلَيْكَ ، ( وَقَتَلْتَ نَفْسًا ) يَعْنِي : الْقِبْطِيَّ ، ( فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ) وَهُوَ مَا حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ عَزْمِ آلِ فِرْعَوْنَ عَلَى قَتْلِهِ فَفَرَّ مِنْهُمْ هَارِبًا ، حَتَّى وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ ، وَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ : ( لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [ الْقَصَصِ : 25 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنِهِ ، قَوْلُهُ : ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) :
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث