تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1203 · printed p. 406
( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ( 19 ) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ( 20 ) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ( 21 ) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ( 22 ) ) .
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنِ أَبِي ذَرٍّ; أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ : ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ ، وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي بَدْرٍ .
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ :
حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، سَمِعْتُ أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ قَيْسٌ : وَفِيهِمْ نَزَلَتْ : ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) ، قَالَ : هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ : عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ . انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) قَالَ : اخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ : نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ . فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ 406 مِنْكُمْ . وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : كِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا ، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ . فَأَفْلَجَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ ، وَأَنْزَلَ : ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) . وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) قَالَ : مُصَدِّقٌ وَمُكَذِّبٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : مَثَلُ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ اخْتَصَمَا فِي الْبَعْثِ . وَقَالَ - فِي رِوَايَةٍ : هُوَ وَعَطَاءٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) قَالَ : هِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، قَالَتِ النَّارَ : اجْعَلْنِي لِلْعُقُوبَةِ ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ : اجْعَلْنِي لِلرَّحْمَةِ .
وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ : إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْكَافِرُونَ وَالْمُؤْمِنُونَ ، يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا ، وَيَنْتَظِمُ فِيهِ قِصَّةُ يَوْمِ بَدْرٍ وَغَيْرُهَا; فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُونَ نُصْرَةَ دِينِ اللَّهِ ، وَالْكَافِرُونَ يُرِيدُونَ إِطْفَاءَ نُورِ الْإِيمَانِ وَخُذْلَانَ الْحَقِّ وَظُهُورَ الْبَاطِلِ . وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَهُوَ حَسَنٌ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ) أَيْ : فُصِّلَتْ لَهُمْ مُقَطَّعَاتٌ مِنْ نَارٍ .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : مِنْ نُحَاسٍ وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ حَرَارَةً إِذَا حَمِيَ .
( يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ) أَيْ : إِذَا صُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ .
وَقَالَ سَعِيدُ [ بْنُ جُبَيْرٍ ] هُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ ، أَذَابَ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنَ الشَّحْمِ وَالْأَمْعَاءِ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَكَذَلِكَ تَذُوبُ جُلُودُهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدٌ : تَسَاقَطَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ أَبِي السَّمْحِ ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " إِنْ الْحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، فَيَنْفُدُ الْجُمْجُمَةَ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ ، فَيَسْلِتُ مَا فِي جَوْفِهِ ، حَتَّى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ ، وَهُوَ الصِّهْرُ ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السُّرِّيِّ قَالَ : يَأْتِيهِ الْمَلَكُ يَحْمِلُ الْإِنَاءَ بِكَلْبَتَيْنِ مِنْ حَرَارَتِهِ ، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْ وَجْهِهِ تَكَرَّهَهُ ، قَالَ : فَيَرْفَعُ مِقْمَعَةً مَعَهُ فَيَضْرِبُ 407 بِهَا رَأْسَهُ ، فَيُفْرِغُ دِمَاغَهُ ، ثُمَّ يُفْرِغُ الْإِنَاءَ مِنْ دِمَاغِهِ ، فَيَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ دِمَاغِهِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ )
وَقَوْلُهُ : ( وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ) ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ ، عَنِ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " لَوْ أَنَّ مِقْمَعًا مِنْ حَدِيدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الثَّقَلَانِ مَا أَقَلُّوهُ مِنَ الْأَرْضِ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ ، عَنِ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَوْ ضُرِبَ الْجَبَلُ بِمِقْمَعٍ مِنْ حَدِيدٍ ، لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عَادَ كَمَا كَانَ ، وَلَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا " .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ) قَالَ : يُضْرَبُونَ بِهَا ، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ ، فَيَدْعُونَ بِالثُّبُورِ .
وَقَوْلُهُ : ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا ) : قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : النَّارُ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ ، لَا يُضِيءُ لَهَبُهَا وَلَا جَمْرُهَا ، ثُمَّ قَرَأَ : ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا )
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا ) قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ لَا يَتَنَفَّسُونَ .
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : وَاللَّهِ مَا طَمِعُوا فِي الْخُرُوجِ ، إِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ ، وَإِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ ، وَلَكِنْ يَرْفَعُهُمْ لَهَبُهَا ، وَتَرُدُّهُمْ مَقَامِعُهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) كَقَوْلِهِ ( وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) [ السَّجْدَةِ : 20 ] وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّهُمْ يُهَانُونَ بِالْعَذَابِ قَوْلًا وَفِعْلًا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith