تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 23 ) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ( 25 ) )
هَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ - خُرِّجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ - الْمُؤْمِنَاتِ .
فَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ فِي هَذَا مِنْ كُلِّ مُحَصَّنَةٍ ، وَلَا سِيَّمَا الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ النُّزُولِ ، وَهِيَ عَائِشَةُ بِنْتُ الصَّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّهَا بَعْدَ هَذَا وَرَمَاهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ [ بَعْدَ هَذَا 32 الَّذِي ذُكِرَ ] فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ; لِأَنَّهُ مُعَانِدٌ لِلْقُرْآنِ . وَفِي بَقِيَّةِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ قَوْلَانِ : أَصَحُّهُمَا أَنَّهُنَّ كَهِيَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) كَقَوْلِهِ : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) [ الْأَحْزَابُ : 57 ] .
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِعَائِشَةَ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاشٍ ، عَنِ الْعَوَّامِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) [ قَالَ ] : نَزَلَتْ فِي عَائِشَةَ خَاصَّةً .
وَكَذَا قَالَ [ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَ ] مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : رُمِيتُ بِمَا رُمِيتُ بِهِ وَأَنَا غَافِلَةٌ ، فَبَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَتْ : فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عِنْدِي إِذْ أُوحِيَ ، إِلَيْهِ . قَالَتْ : وَكَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَخَذَهُ كَهَيْئَةِ السُّبَاتِ ، وَإِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدِي ، ثُمَّ اسْتَوَى جَالِسًا يَمْسَحُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَقَالَ : " يَا عَائِشَةُ أَبْشِرِي " . قَالَتْ : قُلْتُ : بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِكَ . فَقَرَأَ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) ، حَتَّى قَرَأَ : ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) [ النُّورِ : 26 ] .
هَكَذَا أَوْرَدَهُ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ خَاصٌّ بِهَا ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا سَبَبُ النُّزُولِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ يَعُمُّهَا كَغَيْرِهَا ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ كَقَوْلِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ ، وَسَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ : الْمُرَادُ بِهَا أَزْوَاجُ النَّبِيِّ خَاصَّةً ، دُونَ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) الْآيَةَ : يَعْنِي أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَمَاهُنَّ أَهْلُ النِّفَاقِ ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ اللَّعْنَةَ وَالْغَضَبَ ، وَبَاؤُوا بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْجَلْدَ وَالتَّوْبَةَ ، فَالتَّوْبَةُ تُقْبَلُ ، وَالشَّهَادَةُ تُرَدُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوُشَبٍ ، عَنْ شَيْخٍ مَنْ بَنِي أَسَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - قَالَ : فَسَّرَ سُورَةَ النُّورِ ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا ) الْآيَةَ - قَالَ : فِي شَأْنِ عَائِشَةَ ، وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ مُبْهَمَةٌ ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ) الْآيَةَ [ النُّورِ : 4 ، 5 ] ، قَالَ : فَجَعَلَ 33 لِهَؤُلَاءِ تَوْبَةً وَلَمْ يَجْعَلْ لِمَنْ قَذَفَ أُولَئِكَ تَوْبَةً ، قَالَ : فَهَمَّ بَعْضُ الْقَوْمِ أَنْ يَقُومَ إِلَيْهِ فَيُقَبِّلَ رَأْسَهُ ، مِنْ حُسْنِ مَا فَسَّرَ بِهِ سُورَةَ النُّورِ .
فَقَوْلُهُ : " وَهِيَ مُبْهَمَةٌ " ، أَيْ : عَامَّةٌ فِي تَحْرِيمِ قَذْفِ كُلِّ مُحْصَنَةٍ ، وَلَعْنَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : هَذَا فِي عَائِشَةَ ، وَمَنْ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا أَيْضًا الْيَوْمَ فِي الْمُسْلِمَاتِ ، فَلَهُ مَا قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَكِنْ عَائِشَةُ كَانَتْ إِمَامَ ذَلِكَ .
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ عُمُومَهَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَيُعَضِّدُ الْعُمُومَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ - حَدَّثَنَا عَمِّي ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ " . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذَفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، بِهِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَذَّاءُ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، ( ح ) وَحَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانَيُّ ، حَدَّثَنَا جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ يَهْدِمُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ " .
وَقَوْلُهُ ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّهُمْ - يَعْنِي : الْمُشْرِكِينَ - إِذَا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَهْلُ الصَّلَاةِ ، قَالُوا : تَعَالَوْا حَتَّى نَجْحَدَ . فَيَجْحَدُونَ فَيَخْتِمُ [ اللَّهُ ] عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ، وَتَشْهَدُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ، وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، عُرِفَ الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ ، فَيَجْحَدُ وَيُخَاصِمُ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَؤُلَاءِ جِيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ . فَيَقُولُ : كَذَبُوا . فَيَقُولُ : أَهْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ . فَيَقُولُ : كَذَبُوا ، فَيَقُولُ : احْلِفُوا . فَيَحْلِفُونَ ، ثُمَّ يُصمِتُهُمُ اللَّهُ ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النَّارَ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا 34 مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ فُضَيلِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَالَ : " أَتُدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ " قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ : بَلَى . فَيَقُولُ : لَا أُجِيزُ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلَّا مِنْ نَفْسِي . فَيَقُولُ : كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا ، وَبِالْكِرَامِ عَلَيْكَ شُهُودًا فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ ، وَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ : انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِعَمَلِهِ ، ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ ، فَيَقُولُ : بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا ، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ " .
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا ، عَنْ أَبِي بكرِ بنِ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ غَيْرَ الْأَشْجَعِيِّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَكَذَا قَالَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ابْنَ آدَمَ ، وَاللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ لَشُهُودًا غَيْرَ مُتَّهَمَةٍ مِنْ بَدَنِكَ ، فَرَاقِبْهُمْ وَاتَّقِ اللَّهَ فِي سِرِّكَ وَعَلَانِيَتِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ، وَالظُّلْمَةُ عِنْدَهُ ضَوْءٌ وَالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ بِاللَّهِ حَسَنُ الظَّنِّ ، فَلْيَفْعَلْ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( دِينَهُمُ ) أَيْ : حِسَابَهُمْ ، وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ ) دِينَهُمُ ) أَيْ : حِسَابَهُمْ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ .
ثُمَّ إِنَّ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ بِنَصْبِ ) الْحَقَّ ) عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِدِينِهِمْ ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ بِالرَّفْعِ ، عَلَى أَنَّهُ نَعَتُ الْجَلَالَةِ . وَقَرَأَهَا بَعْضُ السَّلَفِ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : " يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الْحَقُّ دِينَهُمْ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) أَيْ : وَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ وَحِسَابُهُ هُوَ الْعَدْلُ ، الَّذِي لَا جَوْرَ فِيهِ .
هَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ - خُرِّجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ - الْمُؤْمِنَاتِ .
فَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ فِي هَذَا مِنْ كُلِّ مُحَصَّنَةٍ ، وَلَا سِيَّمَا الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ النُّزُولِ ، وَهِيَ عَائِشَةُ بِنْتُ الصَّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّهَا بَعْدَ هَذَا وَرَمَاهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ [ بَعْدَ هَذَا 32 الَّذِي ذُكِرَ ] فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ; لِأَنَّهُ مُعَانِدٌ لِلْقُرْآنِ . وَفِي بَقِيَّةِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ قَوْلَانِ : أَصَحُّهُمَا أَنَّهُنَّ كَهِيَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) كَقَوْلِهِ : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) [ الْأَحْزَابُ : 57 ] .
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِعَائِشَةَ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاشٍ ، عَنِ الْعَوَّامِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) [ قَالَ ] : نَزَلَتْ فِي عَائِشَةَ خَاصَّةً .
وَكَذَا قَالَ [ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَ ] مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : رُمِيتُ بِمَا رُمِيتُ بِهِ وَأَنَا غَافِلَةٌ ، فَبَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَتْ : فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عِنْدِي إِذْ أُوحِيَ ، إِلَيْهِ . قَالَتْ : وَكَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَخَذَهُ كَهَيْئَةِ السُّبَاتِ ، وَإِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدِي ، ثُمَّ اسْتَوَى جَالِسًا يَمْسَحُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَقَالَ : " يَا عَائِشَةُ أَبْشِرِي " . قَالَتْ : قُلْتُ : بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِكَ . فَقَرَأَ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) ، حَتَّى قَرَأَ : ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) [ النُّورِ : 26 ] .
هَكَذَا أَوْرَدَهُ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ خَاصٌّ بِهَا ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا سَبَبُ النُّزُولِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ يَعُمُّهَا كَغَيْرِهَا ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ كَقَوْلِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ ، وَسَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ : الْمُرَادُ بِهَا أَزْوَاجُ النَّبِيِّ خَاصَّةً ، دُونَ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) الْآيَةَ : يَعْنِي أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَمَاهُنَّ أَهْلُ النِّفَاقِ ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ اللَّعْنَةَ وَالْغَضَبَ ، وَبَاؤُوا بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْجَلْدَ وَالتَّوْبَةَ ، فَالتَّوْبَةُ تُقْبَلُ ، وَالشَّهَادَةُ تُرَدُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوُشَبٍ ، عَنْ شَيْخٍ مَنْ بَنِي أَسَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - قَالَ : فَسَّرَ سُورَةَ النُّورِ ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا ) الْآيَةَ - قَالَ : فِي شَأْنِ عَائِشَةَ ، وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ مُبْهَمَةٌ ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ) الْآيَةَ [ النُّورِ : 4 ، 5 ] ، قَالَ : فَجَعَلَ 33 لِهَؤُلَاءِ تَوْبَةً وَلَمْ يَجْعَلْ لِمَنْ قَذَفَ أُولَئِكَ تَوْبَةً ، قَالَ : فَهَمَّ بَعْضُ الْقَوْمِ أَنْ يَقُومَ إِلَيْهِ فَيُقَبِّلَ رَأْسَهُ ، مِنْ حُسْنِ مَا فَسَّرَ بِهِ سُورَةَ النُّورِ .
فَقَوْلُهُ : " وَهِيَ مُبْهَمَةٌ " ، أَيْ : عَامَّةٌ فِي تَحْرِيمِ قَذْفِ كُلِّ مُحْصَنَةٍ ، وَلَعْنَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : هَذَا فِي عَائِشَةَ ، وَمَنْ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا أَيْضًا الْيَوْمَ فِي الْمُسْلِمَاتِ ، فَلَهُ مَا قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَكِنْ عَائِشَةُ كَانَتْ إِمَامَ ذَلِكَ .
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ عُمُومَهَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَيُعَضِّدُ الْعُمُومَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ - حَدَّثَنَا عَمِّي ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ " . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذَفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، بِهِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَذَّاءُ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، ( ح ) وَحَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانَيُّ ، حَدَّثَنَا جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ يَهْدِمُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ " .
وَقَوْلُهُ ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّهُمْ - يَعْنِي : الْمُشْرِكِينَ - إِذَا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَهْلُ الصَّلَاةِ ، قَالُوا : تَعَالَوْا حَتَّى نَجْحَدَ . فَيَجْحَدُونَ فَيَخْتِمُ [ اللَّهُ ] عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ، وَتَشْهَدُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ، وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، عُرِفَ الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ ، فَيَجْحَدُ وَيُخَاصِمُ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَؤُلَاءِ جِيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ . فَيَقُولُ : كَذَبُوا . فَيَقُولُ : أَهْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ . فَيَقُولُ : كَذَبُوا ، فَيَقُولُ : احْلِفُوا . فَيَحْلِفُونَ ، ثُمَّ يُصمِتُهُمُ اللَّهُ ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النَّارَ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا 34 مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ فُضَيلِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَالَ : " أَتُدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ " قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ : بَلَى . فَيَقُولُ : لَا أُجِيزُ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلَّا مِنْ نَفْسِي . فَيَقُولُ : كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا ، وَبِالْكِرَامِ عَلَيْكَ شُهُودًا فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ ، وَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ : انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِعَمَلِهِ ، ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ ، فَيَقُولُ : بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا ، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ " .
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا ، عَنْ أَبِي بكرِ بنِ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ غَيْرَ الْأَشْجَعِيِّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَكَذَا قَالَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ابْنَ آدَمَ ، وَاللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ لَشُهُودًا غَيْرَ مُتَّهَمَةٍ مِنْ بَدَنِكَ ، فَرَاقِبْهُمْ وَاتَّقِ اللَّهَ فِي سِرِّكَ وَعَلَانِيَتِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ، وَالظُّلْمَةُ عِنْدَهُ ضَوْءٌ وَالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ بِاللَّهِ حَسَنُ الظَّنِّ ، فَلْيَفْعَلْ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( دِينَهُمُ ) أَيْ : حِسَابَهُمْ ، وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ ) دِينَهُمُ ) أَيْ : حِسَابَهُمْ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ .
ثُمَّ إِنَّ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ بِنَصْبِ ) الْحَقَّ ) عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِدِينِهِمْ ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ بِالرَّفْعِ ، عَلَى أَنَّهُ نَعَتُ الْجَلَالَةِ . وَقَرَأَهَا بَعْضُ السَّلَفِ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : " يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الْحَقُّ دِينَهُمْ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) أَيْ : وَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ وَحِسَابُهُ هُوَ الْعَدْلُ ، الَّذِي لَا جَوْرَ فِيهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith