تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 21 ) ) .
قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمَا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ : كَانَ الْهُدْهُدُ مُهَنْدِسًا ، يَدُلُّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَلَى الْمَاءِ ، إِذَا كَانَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ طَلَبَهُ فَنَظَرَ لَهُ الْمَاءَ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ ، كَمَا يَرَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ الظَّاهِرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَيَعْرِفُ كَمْ مِسَاحَةُ بُعْدِهِ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ ، فَإِذَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ أَمَرَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، الْجَانَّ فَحَفَرُوا لَهُ ذَلِكَ الْمَكَانَ ، حَتَّى يَسْتَنْبِطَ الْمَاءَ مِنْ قَرَارِهِ ، فَنَزَلَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [ يَوْمًا ] ، بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ ، فَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ لِيَرَى الْهُدْهُدَ ، فَلَمْ يَرَهُ ، ( فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) .
حَدَّثَ يَوْمًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِنَحْوِ هَذَا ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ ، يُقَالُ لَهُ : " نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ " ، وَكَانَ كَثِيرَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ لَهُ : قِفْ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، غُلِبْتَ الْيَوْمَ ! قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : إِنَّكَ تُخْبِرُ عَنِ الْهُدْهُدِ أَنَّهُ يَرَى الْمَاءَ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ ، وَإِنَّ الصَّبِيَّ لَيَضَعُ لَهُ الْحَبَّةَ فِي الْفَخِّ ، وَيَحْثُو عَلَى الْفَخِّ تُرَابًا ، فَيَجِيءُ الْهُدْهُدُ لِيَأْخُذَهَا فَيَقَعُ فِي الْفَخِّ ، فَيَصِيدُهُ الصَّبِيُّ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْلَا أَنْ يَذْهَبَ هَذَا فَيَقُولُ : رَدَدْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَمَا أَجَبْتُهُ . فَقَالَ لَهُ : وَيْحَكَ ! إِنَّهُ إِذَا نَزَلَ الْقَدَرُ عَمِيَ الْبَصَرُ ، وَذَهَبَ الْحَذَرُ . فَقَالَ لَهُ نَافِعٌ : وَاللَّهِ لَا أُجَادِلُكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ 185 أَبَدًا .
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْزِيِّ - مَنْ أَهْلِ " بَرْزَةَ " مِنْ غَوْطَةِ دِمَشْقَ ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ يَصُومُ [ يَوْمَ ] الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، وَكَانَ أَعْوَرَ قَدْ بَلَغَ الثَّمَانِينَ - فَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ عَوَرِهِ ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ شُهُورًا ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ نَزَلَا عِنْدَهُ جُمْعَةً فِي قَرْيَةِ بِرْزَةَ ، وَسَأَلَاهُ عَنْ وَادٍ بِهَا ، فَأَرَيْتُهُمَا إِيَّاهُ ، فَأَخْرَجَا مَجَامِرَ وَأَوْقَدَا فِيهَا بَخُورًا كَثِيرًا ، حَتَّى عَجْعَجَ الْوَادِي بِالدُّخَانِ ، فَأَخَذَا يَعْزِمَانِ وَالْحَيَّاتُ تُقْبِلُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ إِلَيْهِمَا ، فَلَا يَلْتَفِتَانِ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا ، حَتَّى أَقْبَلَتْ حَيَّةٌ نَحْوَ الذِّرَاعِ ، وَعَيْنَاهَا تُوقِدَانِ مِثْلَ الدِّينَارِ . فَاسْتَبْشَرَا بِهَا عَظِيمًا ، وَقَالَا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُخَيِّبْ سَفَرَنَا مِنْ سَنَةٍ ، وَكَسَرَا الْمَجَامِرَ ، وَأَخَذَا الْحَيَّةَ فَأَدْخَلَا فِي عَيْنِهَا مِيلًا فَاكْتَحَلَا بِهِ ، فَسَأَلْتُهُمَا أَنْ يُكَحِّلَانِي ، فَأَبَيَا ، فَأَلْحَحْتُ عَلَيْهِمَا وَقُلْتُ : لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَتَوَعَّدْتُهُمَا بِالدَّوْلَةِ ، فَكَحَّلَا عَيْنِيَ الْوَاحِدَةَ الْيُمْنَى ، فَحِينَ وَقَعَ فِي عَيْنِي نَظَرْتُ إِلَى الْأَرْضِ تَحْتِي مِثْلَ الْمِرْآةِ ، أَنْظُرُ مَا تَحْتَهَا كَمَا تُرَى الْمِرْآةُ ، ثُمَّ قَالَا لِي : سِرْ مَعَنَا قَلِيلًا فَسِرْتُ مَعَهُمَا وَهُمَا يُحَدِّثَانِ ، حَتَّى إِذَا بَعُدْتُ عَنِ الْقَرْيَةِ ، أَخَذَانِي فَكَتَّفَانِي ، وَأَدْخَلَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ فِي عَيْنِي فَفَقَأَهَا ، وَرَمَى بِهَا وَمَضَيَا . فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ مُلْقًى مَكْتُوفًا ، حَتَّى مَرَّ بِي نَفَرٌ فَفَكَّ وَثَاقِي . فَهَذَا مَا كَانَ مِنْ خَبَرِ عَيْنِي .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْمِنْقَرِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : اسْمُ هُدْهُدِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : عَنْبَرٌ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِذَا غَدَا إِلَى مَجْلِسِهِ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ فِيهِ : تَفَقَّدَ الطَّيْرَ ، وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ يَأْتِيهِ نُوَبٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الطَّيْرِ ، كُلَّ يَوْمٍ طَائِرٌ ، فَنَظَرَ فَرَأَى مِنْ أَصْنَافِ الطَّيْرِ كُلِّهَا مَنْ حَضَرَهُ إِلَّا الْهُدْهُدَ ، ( فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) أَخْطَأَهُ بَصَرِي مِنَ الطَّيْرِ ، أَمْ غَابَ فَلَمْ يَحْضُرْ ؟ .
وَقَوْلُهُ : ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) : قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي نَتْفَ رِيشِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : نَتْفُ رِيشِهِ وَتَشْمِيسُهُ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : إِنَّهُ نَتْفُ رِيشِهِ ، وَتَرْكُهُ مُلْقًى يَأْكُلُهُ الذَّرُّ وَالنَّمْلُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ) يَعْنِي : قَتْلَهُ ، ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) أَيْ : بِعُذْرٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : لَمَّا قَدِمَ الْهُدْهُدُ قَالَ لَهُ الطَّيْرُ : مَا خَلَّفَكَ ، فَقَدْ نَذَرَ سُلَيْمَانُ دَمَكَ ! فَقَالَ : هَلِ اسْتَثْنَى ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) فَقَالَ : نَجَوْتُ إِذًا .
186
قَالَ مُجَاهِدٌ : إِنَّمَا دَفَعَ [ اللَّهُ ] عَنْهُ بِبِرِّهِ بِأُمِّهِ .
قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمَا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ : كَانَ الْهُدْهُدُ مُهَنْدِسًا ، يَدُلُّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَلَى الْمَاءِ ، إِذَا كَانَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ طَلَبَهُ فَنَظَرَ لَهُ الْمَاءَ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ ، كَمَا يَرَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ الظَّاهِرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَيَعْرِفُ كَمْ مِسَاحَةُ بُعْدِهِ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ ، فَإِذَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ أَمَرَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، الْجَانَّ فَحَفَرُوا لَهُ ذَلِكَ الْمَكَانَ ، حَتَّى يَسْتَنْبِطَ الْمَاءَ مِنْ قَرَارِهِ ، فَنَزَلَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [ يَوْمًا ] ، بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ ، فَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ لِيَرَى الْهُدْهُدَ ، فَلَمْ يَرَهُ ، ( فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) .
حَدَّثَ يَوْمًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِنَحْوِ هَذَا ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ ، يُقَالُ لَهُ : " نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ " ، وَكَانَ كَثِيرَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ لَهُ : قِفْ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، غُلِبْتَ الْيَوْمَ ! قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : إِنَّكَ تُخْبِرُ عَنِ الْهُدْهُدِ أَنَّهُ يَرَى الْمَاءَ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ ، وَإِنَّ الصَّبِيَّ لَيَضَعُ لَهُ الْحَبَّةَ فِي الْفَخِّ ، وَيَحْثُو عَلَى الْفَخِّ تُرَابًا ، فَيَجِيءُ الْهُدْهُدُ لِيَأْخُذَهَا فَيَقَعُ فِي الْفَخِّ ، فَيَصِيدُهُ الصَّبِيُّ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْلَا أَنْ يَذْهَبَ هَذَا فَيَقُولُ : رَدَدْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَمَا أَجَبْتُهُ . فَقَالَ لَهُ : وَيْحَكَ ! إِنَّهُ إِذَا نَزَلَ الْقَدَرُ عَمِيَ الْبَصَرُ ، وَذَهَبَ الْحَذَرُ . فَقَالَ لَهُ نَافِعٌ : وَاللَّهِ لَا أُجَادِلُكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ 185 أَبَدًا .
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْزِيِّ - مَنْ أَهْلِ " بَرْزَةَ " مِنْ غَوْطَةِ دِمَشْقَ ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ يَصُومُ [ يَوْمَ ] الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، وَكَانَ أَعْوَرَ قَدْ بَلَغَ الثَّمَانِينَ - فَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ عَوَرِهِ ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ شُهُورًا ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ نَزَلَا عِنْدَهُ جُمْعَةً فِي قَرْيَةِ بِرْزَةَ ، وَسَأَلَاهُ عَنْ وَادٍ بِهَا ، فَأَرَيْتُهُمَا إِيَّاهُ ، فَأَخْرَجَا مَجَامِرَ وَأَوْقَدَا فِيهَا بَخُورًا كَثِيرًا ، حَتَّى عَجْعَجَ الْوَادِي بِالدُّخَانِ ، فَأَخَذَا يَعْزِمَانِ وَالْحَيَّاتُ تُقْبِلُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ إِلَيْهِمَا ، فَلَا يَلْتَفِتَانِ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا ، حَتَّى أَقْبَلَتْ حَيَّةٌ نَحْوَ الذِّرَاعِ ، وَعَيْنَاهَا تُوقِدَانِ مِثْلَ الدِّينَارِ . فَاسْتَبْشَرَا بِهَا عَظِيمًا ، وَقَالَا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُخَيِّبْ سَفَرَنَا مِنْ سَنَةٍ ، وَكَسَرَا الْمَجَامِرَ ، وَأَخَذَا الْحَيَّةَ فَأَدْخَلَا فِي عَيْنِهَا مِيلًا فَاكْتَحَلَا بِهِ ، فَسَأَلْتُهُمَا أَنْ يُكَحِّلَانِي ، فَأَبَيَا ، فَأَلْحَحْتُ عَلَيْهِمَا وَقُلْتُ : لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَتَوَعَّدْتُهُمَا بِالدَّوْلَةِ ، فَكَحَّلَا عَيْنِيَ الْوَاحِدَةَ الْيُمْنَى ، فَحِينَ وَقَعَ فِي عَيْنِي نَظَرْتُ إِلَى الْأَرْضِ تَحْتِي مِثْلَ الْمِرْآةِ ، أَنْظُرُ مَا تَحْتَهَا كَمَا تُرَى الْمِرْآةُ ، ثُمَّ قَالَا لِي : سِرْ مَعَنَا قَلِيلًا فَسِرْتُ مَعَهُمَا وَهُمَا يُحَدِّثَانِ ، حَتَّى إِذَا بَعُدْتُ عَنِ الْقَرْيَةِ ، أَخَذَانِي فَكَتَّفَانِي ، وَأَدْخَلَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ فِي عَيْنِي فَفَقَأَهَا ، وَرَمَى بِهَا وَمَضَيَا . فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ مُلْقًى مَكْتُوفًا ، حَتَّى مَرَّ بِي نَفَرٌ فَفَكَّ وَثَاقِي . فَهَذَا مَا كَانَ مِنْ خَبَرِ عَيْنِي .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْمِنْقَرِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : اسْمُ هُدْهُدِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : عَنْبَرٌ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِذَا غَدَا إِلَى مَجْلِسِهِ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ فِيهِ : تَفَقَّدَ الطَّيْرَ ، وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ يَأْتِيهِ نُوَبٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الطَّيْرِ ، كُلَّ يَوْمٍ طَائِرٌ ، فَنَظَرَ فَرَأَى مِنْ أَصْنَافِ الطَّيْرِ كُلِّهَا مَنْ حَضَرَهُ إِلَّا الْهُدْهُدَ ، ( فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) أَخْطَأَهُ بَصَرِي مِنَ الطَّيْرِ ، أَمْ غَابَ فَلَمْ يَحْضُرْ ؟ .
وَقَوْلُهُ : ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) : قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي نَتْفَ رِيشِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : نَتْفُ رِيشِهِ وَتَشْمِيسُهُ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : إِنَّهُ نَتْفُ رِيشِهِ ، وَتَرْكُهُ مُلْقًى يَأْكُلُهُ الذَّرُّ وَالنَّمْلُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ) يَعْنِي : قَتْلَهُ ، ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) أَيْ : بِعُذْرٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : لَمَّا قَدِمَ الْهُدْهُدُ قَالَ لَهُ الطَّيْرُ : مَا خَلَّفَكَ ، فَقَدْ نَذَرَ سُلَيْمَانُ دَمَكَ ! فَقَالَ : هَلِ اسْتَثْنَى ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) فَقَالَ : نَجَوْتُ إِذًا .
186
قَالَ مُجَاهِدٌ : إِنَّمَا دَفَعَ [ اللَّهُ ] عَنْهُ بِبِرِّهِ بِأُمِّهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith