تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 27 ) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ( 28 ) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ( 29 ) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 ) ) .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قِيلِ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِلْهُدْهُدِ حِينَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَهْلِ سَبَأٍ وَمَلِكَتِهِمْ : ( قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) أَيْ : أَصْدَقْتَ فِي إِخْبَارِكَ هَذَا ، ( أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) فِي مَقَالَتِكَ ، فَتَتَخَلَّصَ مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي أَوْعَدْتُكَ ؟ .
( اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ) : وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَتَبَ كِتَابًا إِلَى بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا . وَأَعْطَاهُ لِذَلِكَ الْهُدْهُدِ فَحَمَلَهُ ، قِيلَ : فِي جَنَاحِهِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الطَّيْرُ ، وَقِيلَ : بِمِنْقَارِهِ . وَذَهَبَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَجَاءَ إِلَى قَصْرِ بِلْقِيسَ ، إِلَى الْخَلْوَةِ الَّتِي كَانَتْ تَخْتَلِي فِيهَا بِنَفْسِهَا ، فَأَلْقَاهُ إِلَيْهَا مِنْ كُوَّةٍ هُنَالِكَ بَيْنَ يَدَيْهَا ، ثُمَّ تَوَلَّى نَاحِيَةً أَدَبًا وَرِيَاسَةً ، فَتَحَيَّرَتْ مِمَّا رَأَتْ ، وَهَالَهَا ذَلِكَ ، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى الْكِتَابِ فَأَخَذَتْهُ ، فَفَتَحَتْ خَتْمَهُ وَقَرَأَتْهُ ، فَإِذَا فِيهِ : ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) فَجَمَعَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أُمَرَاءَهَا وَوُزَرَاءَهَا وَكُبَرَاءَ دَوْلَتِهَا وَمَمْلَكَتِهَا ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُمْ : ( يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) تَعْنِي بِكَرَمِهِ : مَا رَأَتْهُ مِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ ، كَوْنُ طَائِرٍ أَتَى بِهِ فَأَلْقَاهُ إِلَيْهَا ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهَا أَدَبًا . وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ قَرَأَتْهُ عَلَيْهِمْ .
( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) . فَعَرَفُوا أَنَّهُ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ ، وَأَنَّهُ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ ، وَهَذَا الْكِتَابُ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ وَالْوَجَازَةِ وَالْفَصَاحَةِ ، فَإِنَّهُ حَصَّلَ الْمَعْنَى بِأَيْسَرِ عِبَارَةٍ وَأَحْسَنِهَا ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَلَمْ يَكْتُبْ أَحَدٌ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قَبْلَ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا فِي تَفْسِيرِهِ ، حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْفَضْلِ أَبُو يَعْلَى الْحَنَّاطُ ، حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَالِحٍ ، [ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ] أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ بُرَيدةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " إِنِّي أَعْلَمُ آيَةً لَمْ 189 تَنْزِلْ عَلَى نَبِيٍّ قَبْلِي بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ " قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ آيَةٍ ؟ قَالَ : " سَأُعلِمُكَهَا قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ " . قَالَ : فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ ، فَأَخْرَجَ إِحْدَى قَدَمَيْهِ ، فَقُلْتُ : نَسِيَ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْتُبُ : بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَكَتَبَ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) .
وَقَوْلُهُ : ( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ ) : يَقُولُ قَتَادَةُ : لَا تُجِيرُوا عَلَيَّ ( وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : لَا تَمْتَنِعُوا وَلَا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ .
( وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مُوَحِّدِينَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مُخْلِصِينَ . وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : طَائِعِينَ .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قِيلِ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِلْهُدْهُدِ حِينَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَهْلِ سَبَأٍ وَمَلِكَتِهِمْ : ( قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) أَيْ : أَصْدَقْتَ فِي إِخْبَارِكَ هَذَا ، ( أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) فِي مَقَالَتِكَ ، فَتَتَخَلَّصَ مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي أَوْعَدْتُكَ ؟ .
( اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ) : وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَتَبَ كِتَابًا إِلَى بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا . وَأَعْطَاهُ لِذَلِكَ الْهُدْهُدِ فَحَمَلَهُ ، قِيلَ : فِي جَنَاحِهِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الطَّيْرُ ، وَقِيلَ : بِمِنْقَارِهِ . وَذَهَبَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَجَاءَ إِلَى قَصْرِ بِلْقِيسَ ، إِلَى الْخَلْوَةِ الَّتِي كَانَتْ تَخْتَلِي فِيهَا بِنَفْسِهَا ، فَأَلْقَاهُ إِلَيْهَا مِنْ كُوَّةٍ هُنَالِكَ بَيْنَ يَدَيْهَا ، ثُمَّ تَوَلَّى نَاحِيَةً أَدَبًا وَرِيَاسَةً ، فَتَحَيَّرَتْ مِمَّا رَأَتْ ، وَهَالَهَا ذَلِكَ ، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى الْكِتَابِ فَأَخَذَتْهُ ، فَفَتَحَتْ خَتْمَهُ وَقَرَأَتْهُ ، فَإِذَا فِيهِ : ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) فَجَمَعَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أُمَرَاءَهَا وَوُزَرَاءَهَا وَكُبَرَاءَ دَوْلَتِهَا وَمَمْلَكَتِهَا ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُمْ : ( يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) تَعْنِي بِكَرَمِهِ : مَا رَأَتْهُ مِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ ، كَوْنُ طَائِرٍ أَتَى بِهِ فَأَلْقَاهُ إِلَيْهَا ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهَا أَدَبًا . وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ قَرَأَتْهُ عَلَيْهِمْ .
( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) . فَعَرَفُوا أَنَّهُ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ ، وَأَنَّهُ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ ، وَهَذَا الْكِتَابُ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ وَالْوَجَازَةِ وَالْفَصَاحَةِ ، فَإِنَّهُ حَصَّلَ الْمَعْنَى بِأَيْسَرِ عِبَارَةٍ وَأَحْسَنِهَا ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَلَمْ يَكْتُبْ أَحَدٌ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قَبْلَ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا فِي تَفْسِيرِهِ ، حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْفَضْلِ أَبُو يَعْلَى الْحَنَّاطُ ، حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَالِحٍ ، [ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ] أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ بُرَيدةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " إِنِّي أَعْلَمُ آيَةً لَمْ 189 تَنْزِلْ عَلَى نَبِيٍّ قَبْلِي بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ " قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ آيَةٍ ؟ قَالَ : " سَأُعلِمُكَهَا قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ " . قَالَ : فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ ، فَأَخْرَجَ إِحْدَى قَدَمَيْهِ ، فَقُلْتُ : نَسِيَ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْتُبُ : بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَكَتَبَ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) .
وَقَوْلُهُ : ( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ ) : يَقُولُ قَتَادَةُ : لَا تُجِيرُوا عَلَيَّ ( وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : لَا تَمْتَنِعُوا وَلَا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ .
( وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مُوَحِّدِينَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مُخْلِصِينَ . وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : طَائِعِينَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith