تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1349 · printed p. 194
194 ( قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ( 41 ) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ( 42 ) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ( 43 ) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 44 ) )
لَمَّا جِيءَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِعَرْشِ بِلْقِيسَ قَبْلَ قُدُومِهَا ، أَمَرَ بِهِ أَنْ يُغَيَّرَ بَعْضُ صِفَاتِهِ ، لِيَخْتَبِرَ مَعْرِفَتَهَا وَثَبَاتَهَا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ، هَلْ تُقْدِمُ عَلَى أَنَّهُ عَرْشُهَا أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ ، فَقَالَ : ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَزَعَ عَنْهُ فُصُوصَهُ وَمَرَافِقَهُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَمَرَ بِهِ فَغُيِّرَ مَا كَانَ أَحْمَرَ جُعِلَ أَصْفَرَ ، وَمَا كَانَ أَصْفَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ : وَمَا كَانَ أَخْضَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ ، غُيِّرَ كُلُّ شَيْءٍ عَنْ حَالِهِ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : زَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا .
[ وَقَالَ قَتَادَةُ : جَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ وَمُقَدَّمَهُ مُؤَخَّرَهُ ، وَزَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا ] .
( فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ) أَيْ : عُرِضَ عَلَيْهَا عَرْشُهَا ، وَقَدْ غُيِّرَ وَنُكِّرَ ، وَزِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ مِنْهُ ، فَكَانَ فِيهَا ثَبَاتٌ وَعَقْلٌ ، وَلَهَا لُبٌّ وَدَهَاءٌ وَحَزْمٌ ، فَلَمْ تُقْدِمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ لِبُعْدِ مَسَافَتِهِ عَنْهَا ، وَلَا أَنَّهُ غَيْرُهُ ، لِمَا رَأَتْ مِنْ آثَارِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَإِنْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ وَنُكِّرَ ، فَقَالَتْ : ( كَأَنَّهُ هُوَ ) أَيْ : يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ . وَهَذَا غَايَةٌ فِي الذَّكَاءِ وَالْحَزْمِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) : قَالَ مُجَاهِدٌ : سُلَيْمَانُ يَقُولُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ) : هَذَا مِنْ تَمَامِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَيْ : قَالَ سُلَيْمَانُ : ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) ، وَهِيَ كَانَتْ قَدْ صَدَّهَا ، أَيْ : مَنَعَهَا مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ . ( مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ) . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدٌ حَسَنٌ ، وَقَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ : ( وَصَدَّهَا ) ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى سُلَيْمَانَ ، أَوْ إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، تَقْدِيرُهُ : وَمَنَعَهَا ( مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أَيْ : صَدَّهَا عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ( إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ) .
قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مُجَاهِدٍ : أَنَّهَا إِنَّمَا أَظْهَرَتِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ دُخُولِهَا إِلَى الصَّرْحِ ، كَمَا سَيَأْتِي .
وَقَوْلُهُ : ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهَا قَصْرًا عَظِيمًا مِنْ قَوَارِيرَ ، أَيْ : مِنْ زُجَاجٍ ، وَأَجْرَى تَحْتَهُ الْمَاءَ ، فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ أَمْرَهُ يَحْسَبُ أَنَّهُ مَاءٌ ، وَلَكِنَّ الزُّجَاجَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاشِي وَبَيْنَهُ . وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي دَعَا 195 سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِلَى اتِّخَاذِهِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى تَزْوِيجِهَا وَاصْطِفَائِهَا لِنَفْسِهِ ; ذُكِرَ لَهُ جَمَالُهَا وَحُسْنُهَا ، وَلَكِنْ فِي سَاقَيْهَا هُلْبٌ عَظِيمٌ ، وَمُؤَخَّرُ أَقْدَامِهَا كَمُؤَخَّرِ الدَّابَّةِ . فَسَاءَهُ ذَلِكَ ، فَاتَّخَذَ هَذَا لِيَعْلَمَ صِحَّتَهُ أَمْ لَا ؟ - هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَغَيْرِهِ - فَلَمَّا دَخَلَتْ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ، رَأَى أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَحْسَنَهُ قَدَمًا ، وَلَكِنْ رَأَى عَلَى رِجْلَيْهَا شَعْرًا ; لِأَنَّهَا مَلِكَةٌ لَيْسَ لَهَا بَعْلٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهَا : الْمُوسَى ؟ فَقَالَتْ : لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ . وَكَرِهَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ ، وَقَالَ لِلْجِنِّ : اصْنَعُوا شَيْئًا غَيْرَ الْمُوسَى يَذْهَبُ بِهِ هَذَا الشَّعْرُ ، فَصَنَعُوا لَهُ النُّورَةَ . وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتُّخِذَتْ لَهُ النُّورَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ : ثُمَّ قَالَ لَهَا : ادْخُلِي الصَّرْحَ ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا ، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا . فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ ، فَقِيلَ لَهَا : إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ . فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : لَمَّا رَأَتِ الْعِلْجَةُ الصَّرْحَ عَرَفَتْ - وَاللَّهِ - أَنَّ قَدْ رَأَتْ مُلْكًا أَعْظَمَ مِنْ مُلْكِهَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِالصَّرْحِ ، وَقَدْ عَمِلَتْهُ لَهُ الشَّيَاطِينُ مِنْ زُجَاجٍ ، كَأَنَّهُ الْمَاءُ بَيَاضًا . ثُمَّ أَرْسَلَ الْمَاءَ تَحْتَهُ ، ثُمَّ وُضِعَ لَهُ فِيهِ سَرِيرُهُ ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، ثُمَّ قَالَ : ادْخُلِي الصَّرْحَ ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا ، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا ( فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) ، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ ، قِيلَ لَهَا : ( إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ) ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . فَقَالَتْ بِقَوْلِ الزَّنَادِقَةِ ، فَوَقَعَ سُلَيْمَانُ سَاجِدًا إِعْظَامًا لِمَا قَالَتْ ، وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ ، فَسَقَطَ فِي يَدَيْهَا حِينَ رَأَتْ سُلَيْمَانَ صَنَعَ مَا صَنَعَ ، فَلَمَّا رَفَعَ سُلَيْمَانُ رَأْسَهُ قَالَ : وَيْحَكِ ! مَاذَا قُلْتِ ؟ - قَالَ : وَأُنْسِيَتْ مَا قَالَتْ فَقَالَتْ : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذَا أَثَرًا غَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ ، وَنَحْنُ فِي الْأَزْدِ - قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرِهِ ، ثُمَّ تُوضَعُ كَرَاسِيُّ حَوْلَهُ ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا الْإِنْسُ ، ثُمَّ يَجْلِسُ الْجِنُّ ، ثُمَّ الشَّيَاطِينُ ، ثُمَّ تَأْتِي الرِّيحُ فَتَرْفَعُهُمْ ، ثُمَّ تُظِلُّهُمُ الطَّيْرُ ، ثُمَّ 196 يَغْدُونَ قَدْرَ مَا يَشْتَهِي الرَّاكِبُ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرًا وَرَوَاحَهَا شَهْرًا ، قَالَ : فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسِيرٍ لَهُ ، إِذْ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَفَقَدَ الْهُدْهُدَ فَقَالَ : ( مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) ، قَالَ : فَكَانَ عَذَابُهُ إِيَّاهُ أَنْ يَنْتِفَهُ ، ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الْأَرْضِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ نَمْلَةٍ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ .
قَالَ عَطَاءٌ : وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) - فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ - ( قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا ) وَكَتَبَ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ، إِلَى بِلْقِيسَ : ( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) ، فَلَمَّا أَلْقَى الْهُدْهُدُ بِالْكِتَابِ إِلَيْهَا ، أُلْقِيَ فِي رُوعِهَا : إِنَّهُ كِتَابٌ كَرِيمٌ ، وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ ، وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأَتَوْنِي مُسْلِمِينَ . قَالُوا : نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ . قَالَتْ : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ . فَلَمَّا جَاءَتِ الْهَدِيَّةُ سُلَيْمَانَ قَالَ : أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : وَكَانَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَبَيْنَ مَلِكَةِ سَبَأٍ وَمَنْ مَعَهَا حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ كَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحِيرَةِ ، قَالَ عَطَاءٌ : وَمُجَاهِدٌ حِينَئِذٍ فِي الْأَزْدِ - قَالَ سُلَيْمَانُ : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ؟ قَالَ : وَبَيْنَ عَرْشِهَا وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ ، ( قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) . قَالَ : وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ مَجْلِسٌ يَجْلِسُ فِيهِ لِلنَّاسِ ، كَمَا يَجْلِسُ الْأُمَرَاءُ ثُمَّ يَقُومُ - قَالَ : ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) . قَالَ سُلَيْمَانُ : أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ : أَنَا أَنْظُرُ فِي كِتَابِ رَبِّي ، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . قَالَ : [ فَنَظَرَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ فَلَمَّا قَطَعَ كَلَامَهُ رَدَّ سُلَيْمَانُ بَصَرَهُ ] ، فَنَبَعَ عَرْشُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمِ سُلَيْمَانَ ، مِنْ تَحْتِ كُرْسِيٍّ كَانَ سُلَيْمَانُ يَضَعُ عَلَيْهِ رِجْلَهُ ، ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَى السَّرِيرِ . قَالَ : فَلَمَّا رَأَى سُلَيْمَانُ عَرْشَهَا [ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ] قَالَ : ( هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ) ، ( قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ لَهَا : أَهَكَذَا عَرْشُكِ ؟ قَالَتْ : كَأَنَّهُ هُوَ . قَالَ : فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَمْرَيْنِ ، قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ : أُرِيدُ مَاءً [ مِنْ زَبَدٍ رِوَاءً ] لَيْسَ مِنْ أَرْضٍ وَلَا مِنْ سَمَاءٍ - وَكَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ ، سَأَلَ الْإِنْسَ ثُمَّ الْجِنَّ ثُمَّ الشَّيَاطِينَ . [ قَالَ ] فَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ : هَذَا هَيِّنٌ ، أَجْرِ الْخَيْلَ ثُمَّ خُذْ عَرَقَهَا ، ثُمَّ امْلَأْ مِنْهُ الْآنِيَةَ . قَالَ : فَأَمَرَ بِالْخَيْلِ فَأُجْرِيَتْ ، ثُمَّ أَخَذَ عَرَقَهَا فَمَلَأَ مِنْهُ الْآنِيَةَ . قَالَ : وَسَأَلَتْ عَنْ لَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : فَوَثَبَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَرِيرِهِ ، فَخَرَّ سَاجِدًا ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، لَقَدْ سَأَلَتْنِي عَنْ أَمْرٍ إِنَّهُ يَتَكَايَدُ ، أَيْ : يَتَعَاظَمُ فِي قَلْبِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ . قَالَ : ارْجِعْ فَقَدْ كَفَيْتُكَهُمْ ، قَالَ : فَرَجَعَ إِلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ : مَا سَأَلْتِ عَنْهُ ؟ قَالَتْ : مَا سَأَلْتُكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ . فَقَالَ لِجُنُودِهِ : مَا سَأَلَتْ عَنْهُ ؟ فَقَالُوا : مَا سَأَلَتْكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ . قَالَ : وَنَسُوهُ كُلُّهُمْ . قَالَ : وَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ لِسُلَيْمَانَ : تُرِيدُ أَنْ تَتَّخِذَهَا لِنَفْسِكَ ، فَإِنِ اتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ وُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ ، لَمْ نَنْفَكَّ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ . قَالَ : فَجَعَلُوا صَرْحًا مُمَرَّدًا مِنْ قَوَارِيرَ ، فِيهِ السَّمَكُ . قَالَ : فَقِيلَ لَهَا : 197 ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ، وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ، فَإِذَا هِيَ شَعْرَاءُ . فَقَالَ سُلَيْمَانُ : هَذَا قَبِيحٌ ، مَا يُذْهِبُهُ ؟ فَقَالُوا : تُذْهِبُهُ الْمَوَاسِي . فَقَالَ : أَثَرُ الْمُوسَى قَبِيحٌ ! قَالَ : فَجَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ النُّورَةَ . قَالَ : فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُعِلَتْ لَهُ النُّورَةُ .
ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ .
قُلْتُ : بَلْ هُوَ مُنْكَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَلَعَلَّهُ مِنْ أَوْهَامِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْأَقْرَبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ أَنَّهَا مُتَلَقَّاةٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، مِمَّا يُوجَدُ فِي صُحُفِهِمْ ، كَرِوَايَاتِ كَعْبٍ وَوَهْبٍ - سَامَحَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا نَقَلَاهُ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، مِنَ الْأَوَابِدِ وَالْغَرَائِبِ وَالْعَجَائِبِ ، مِمَّا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ ، وَمِمَّا حُرِّفَ وَبُدِّلَ وَنُسِخَ . وَقَدْ أَغْنَانَا اللَّهُ ، سُبْحَانَهُ ، عَنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَنْفَعُ وَأَوْضَحُ وَأَبْلَغُ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
أَصْلُ الصَّرْحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : هُوَ الْقَصْرُ ، وَكُلُّ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ ، قَالَ اللَّهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ لِوَزِيرِهِ هَامَانَ ( ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ) الْآيَةَ [ غَافِرٍ : 36 ، 37 ] . وَالصَّرْحُ : قَصْرٌ فِي الْيَمَنِ عَالِي الْبَنَّاءِ ، وَالْمُمَرَّدُ أَيِ : الْمَبْنِيُّ بَنَّاءً مُحْكَمًا أَمْلَسَ ( مِنْ قَوَارِيرَ ) أَيْ : زُجَاجٍ . وَتَمْرِيدُ الْبِنَاءِ تَمْلِيسُهُ . وَمَارِدٌ : حِصْنٌ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ .
وَالْغَرَضُ أَنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، اتَّخَذَ قَصْرًا عَظِيمًا مَنِيفًا مِنْ زُجَاجٍ لِهَذِهِ الْمَلِكَةِ ; لِيُرِيَهَا عَظَمَةَ سُلْطَانِهِ وَتَمَكُّنِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا آتَاهُ اللَّهُ ، تَعَالَى ، وَجَلَالَةَ مَا هُوَ فِيهِ ، وَتَبَصَّرَتْ فِي أَمْرِهِ انْقَادَتْ لِأَمْرِ اللَّهِ وَعَرَفَتْ أَنَّهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ ، وَمَلِكٌ عَظِيمٌ ، فَأَسْلَمَتْ لِلَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَالَتْ : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) أَيْ : بِمَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهَا وَشِرْكِهَا وَعِبَادَتِهَا وَقَوْمِهَا الشَّمْسَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، ( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَيْ : مُتَابَعَةً لِدِينِ سُلَيْمَانَ فِي عِبَادَتِهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith