تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 56 ) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( 57 ) ) .
246 يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ : إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) أَيْ : لَيْسَ إِلَيْكَ ذَلِكَ ، إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) [ الْبَقَرَةِ : 272 ] ، وَقَالَ : ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) [ يُوسُفَ : 103 ] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَخَصُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ; فَإِنَّهُ قَالَ : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أَيْ : هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْغِوَايَةَ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ كَانَ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ، وَيَقُومُ فِي صَفِّهِ وَيُحِبُّهُ حُبًّا [ شَدِيدًا ] طَبْعِيًّا لَا شَرْعِيًّا ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَحَانَ أَجَلُهُ ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْإِيمَانِ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَسَبَقَ الْقَدَرُ فِيهِ ، وَاخْتُطِفَ مِنْ يَدِهِ ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ ، وَلِلَّهِ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ - وَهُوَ الْمُسَيَّبُ بْنُ حَزَنٍ الْمَخْزُومِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا عَمُّ ، قُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ " . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ : يَا أَبَا طَالِبٍ ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ ، وَيَعُودَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، حَتَّى قَالَ آخَرَ مَا قَالَ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَأَبَى أَنْ يَقُولَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَمَا لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ " . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ) [ التَّوْبَةِ : 113 ] ، وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) .
أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ . وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ وَفَاةُ أَبِي طَالِبٍ أَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " يَا عَمَّاهُ ، قُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي بِهَا قُرَيْشٌ ، يَقُولُونَ : مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَعُ الْمَوْتِ ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ ، لَا أَقُولُهَا إِلَّا لِأُقِرَّ بِهَا عَيْنَكَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ .
247
وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وقَتَادَةُ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَقَالَ : أَيِ ابْنَ أَخِي ، مِلَّةَ الْأَشْيَاخِ . وَكَانَ آخِرَ مَا قَالَ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ قَيْصَرَ جَاءَ إِلَيَّ قَالَ : كَتَبَ مَعِي قَيْصَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابًا ، فَأَتَيْتُهُ فَدَفَعْتُ الْكِتَابَ ، فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ ، ثُمَّ قَالَ : " مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ " قُلْتُ : مِنْ تَنُوخَ . قَالَ : " هَلْ لَكَ فِي دِينِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ ؟ " قُلْتُ : إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ ، وَعَلَى دِينِهِمْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَظَرَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) : [ يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ اعْتِذَارِ بَعْضِ الْكُفَّارِ فِي عَدَمِ اتِّبَاعِ الْهُدَى حَيْثُ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) ] أَيْ : نَخْشَى إِنِ اتَّبَعْنَا مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْهُدَى ، وَخَالَفْنَا مَنْ حَوْلَنَا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ الْمُشْرِكِينَ ، أَنْ يَقْصِدُونَا بِالْأَذَى وَالْمُحَارَبَةِ ، وَيَتَخَطَّفُونَا أَيْنَمَا كُنَّا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ : ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ) يَعْنِي : هَذَا الَّذِي اعْتَذَرُوا بِهِ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ فِي بَلَدٍ أَمِينٍ ، وَحَرَمٍ مُعَظَّمٍ آمِنٍ مُنْذُ وُضِعَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْحَرَمُ آمِنًا فِي حَالِ كَفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ ، وَلَا يَكُونُ آمِنًا لَهُمْ وَقَدْ أَسْلَمُوا وَتَابَعُوا الْحَقَّ ؟ .
وَقَوْلُهُ : ( يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) أَيْ : مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ مِمَّا حَوْلَهُ مِنَ الطَّائِفِ وَغَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَتَاجِرُ وَالْأَمْتِعَةُ ( رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ) أَيْ : مِنْ عِنْدِنَا ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) فَلِهَذَا قَالُوا مَا قَالُوا .
وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ : أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : قَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ - : أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ الَّذِي قَالَ : ( إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) .
246 يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ : إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) أَيْ : لَيْسَ إِلَيْكَ ذَلِكَ ، إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) [ الْبَقَرَةِ : 272 ] ، وَقَالَ : ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) [ يُوسُفَ : 103 ] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَخَصُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ; فَإِنَّهُ قَالَ : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أَيْ : هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْغِوَايَةَ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ كَانَ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ، وَيَقُومُ فِي صَفِّهِ وَيُحِبُّهُ حُبًّا [ شَدِيدًا ] طَبْعِيًّا لَا شَرْعِيًّا ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَحَانَ أَجَلُهُ ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْإِيمَانِ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَسَبَقَ الْقَدَرُ فِيهِ ، وَاخْتُطِفَ مِنْ يَدِهِ ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ ، وَلِلَّهِ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ - وَهُوَ الْمُسَيَّبُ بْنُ حَزَنٍ الْمَخْزُومِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا عَمُّ ، قُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ " . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ : يَا أَبَا طَالِبٍ ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ ، وَيَعُودَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، حَتَّى قَالَ آخَرَ مَا قَالَ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَأَبَى أَنْ يَقُولَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَمَا لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ " . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ) [ التَّوْبَةِ : 113 ] ، وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) .
أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ . وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ وَفَاةُ أَبِي طَالِبٍ أَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " يَا عَمَّاهُ ، قُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي بِهَا قُرَيْشٌ ، يَقُولُونَ : مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَعُ الْمَوْتِ ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ ، لَا أَقُولُهَا إِلَّا لِأُقِرَّ بِهَا عَيْنَكَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ .
247
وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وقَتَادَةُ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَقَالَ : أَيِ ابْنَ أَخِي ، مِلَّةَ الْأَشْيَاخِ . وَكَانَ آخِرَ مَا قَالَ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ قَيْصَرَ جَاءَ إِلَيَّ قَالَ : كَتَبَ مَعِي قَيْصَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابًا ، فَأَتَيْتُهُ فَدَفَعْتُ الْكِتَابَ ، فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ ، ثُمَّ قَالَ : " مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ " قُلْتُ : مِنْ تَنُوخَ . قَالَ : " هَلْ لَكَ فِي دِينِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ ؟ " قُلْتُ : إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ ، وَعَلَى دِينِهِمْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَظَرَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) : [ يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ اعْتِذَارِ بَعْضِ الْكُفَّارِ فِي عَدَمِ اتِّبَاعِ الْهُدَى حَيْثُ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) ] أَيْ : نَخْشَى إِنِ اتَّبَعْنَا مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْهُدَى ، وَخَالَفْنَا مَنْ حَوْلَنَا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ الْمُشْرِكِينَ ، أَنْ يَقْصِدُونَا بِالْأَذَى وَالْمُحَارَبَةِ ، وَيَتَخَطَّفُونَا أَيْنَمَا كُنَّا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ : ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ) يَعْنِي : هَذَا الَّذِي اعْتَذَرُوا بِهِ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ فِي بَلَدٍ أَمِينٍ ، وَحَرَمٍ مُعَظَّمٍ آمِنٍ مُنْذُ وُضِعَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْحَرَمُ آمِنًا فِي حَالِ كَفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ ، وَلَا يَكُونُ آمِنًا لَهُمْ وَقَدْ أَسْلَمُوا وَتَابَعُوا الْحَقَّ ؟ .
وَقَوْلُهُ : ( يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) أَيْ : مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ مِمَّا حَوْلَهُ مِنَ الطَّائِفِ وَغَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَتَاجِرُ وَالْأَمْتِعَةُ ( رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ) أَيْ : مِنْ عِنْدِنَا ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) فَلِهَذَا قَالُوا مَا قَالُوا .
وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ : أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : قَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ - : أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ الَّذِي قَالَ : ( إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith