تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ( 38 ) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ( 39 ) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 40 ) ) .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ كَيْفَ أَبَادَهُمْ وَتَنَوَّعَ فِي عَذَابِهِمْ ، فَأَخَذَهُمْ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ ، فَعَادٌ قَوْمُ هُودٍ ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْأَحْقَافَ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ بِلَادِ الْيَمَنِ ، وَثَمُودُ قَوْمُ صَالِحٍ ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْحِجْرَ قَرِيبًا مِنْ وَادِي الْقُرَى . وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ مَسَاكِنَهُمَا جَيِّدًا ، وَتَمُرُّ عَلَيْهَا كَثِيرًا . وَقَارُونُ صَاحِبُ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ وَمَفَاتِيحِ الْكُنُوزِ الثَّقِيلَةِ . وَفِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ فِي زَمَانِ مُوسَى وَوَزِيرُهُ هَامَانَ الْقِبْطِيَّانِ الْكَافِرَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .
( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ) أَيْ : كَانَتْ عُقُوبَتُهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ ، ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) ، وَهُمْ عَادٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : مَنْ أَشُدُّ مِنَّا قُوَّةً ؟ فَجَاءَتْهُمْ رِيحٌ صَرْصَرٌ بَارِدَةٌ شَدِيدَةُ الْبَرْدِ ، عَاتِيَةٌ شَدِيدَةُ الْهُبُوبِ جِدًّا ، تَحْمِلُ عَلَيْهِمْ حَصْبَاءَ الْأَرْضِ فَتَقْلِبُهَا عَلَيْهِمْ ، وَتَقْتَلِعُهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَتَرْفَعُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ، ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَتَشْدَخُهُ فَيَبْقَى بَدَنًا بِلَا رَأْسٍ ، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ) ، وَهُمْ ثَمُودُ ، قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ وَظَهَرَتْ لَهُمُ الدَّلَالَةُ ، مِنْ تِلْكَ النَّاقَةِ الَّتِي انْفَلَقَتْ عَنْهَا الصَّخْرَةُ ، مِثْلَ مَا سَأَلُوا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، وَمَعَ هَذَا مَا آمَنُوا بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى طُغْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَتَهَدَّدُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَالِحًا وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ ، وَتَوَعَّدُوهُمْ بِأَنْ يُخْرِجُوهُمْ وَيَرْجُمُوهُمْ ، فَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَخَمَدَتِ الْأَصْوَاتَ مِنْهُمْ وَالْحَرَكَاتِ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ ) ، وَهُوَ قَارُونُ الَّذِي طَغَى وَبَغَى وَعَتَا ، وَعَصَى الرَّبَّ الْأَعْلَى ، وَمَشَى فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ، وَفَرِحَ وَمَرِحَ وَتَاهَ بِنَفْسِهِ ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ) ، وَهُمْ فِرْعَوْنُ وَوَزِيرُهُ هَامَانُ ، وَجُنُودُهُ عَنْ آخِرِهِمْ ، أُغْرِقُوا فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ ، ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) أَيْ : فِيمَا فَعَلَ بِهِمْ ، ( وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) أَيْ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ 279 بِهِمْ جَزَاءً وِفَاقًا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ ، وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ ، ثُمَّ قَالَ : ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ) [ الْآيَةَ ] ، أَيْ : مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) ، قَالَ : قَوْمُ لُوطٍ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ) ، قَالَ : قَوْمُ نُوحٍ .
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَإِنَّ ابْنَ جُرْيَجٍ لَمْ يُدْرِكْهُ . ثُمَّ قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِهْلَاكُ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفَانِ ، وَقَوْمِ لُوطٍ بِإِنْزَالِ الرِّجْزِ مِنَ السَّمَاءِ ، وَطَالَ السِّيَاقُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ هَذَا السِّيَاقِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) قَالَ : قَوْمُ لُوطٍ ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ) ، قَوْمُ شُعَيْبٍ . وَهَذَا بَعِيدٌ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ كَيْفَ أَبَادَهُمْ وَتَنَوَّعَ فِي عَذَابِهِمْ ، فَأَخَذَهُمْ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ ، فَعَادٌ قَوْمُ هُودٍ ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْأَحْقَافَ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ بِلَادِ الْيَمَنِ ، وَثَمُودُ قَوْمُ صَالِحٍ ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْحِجْرَ قَرِيبًا مِنْ وَادِي الْقُرَى . وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ مَسَاكِنَهُمَا جَيِّدًا ، وَتَمُرُّ عَلَيْهَا كَثِيرًا . وَقَارُونُ صَاحِبُ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ وَمَفَاتِيحِ الْكُنُوزِ الثَّقِيلَةِ . وَفِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ فِي زَمَانِ مُوسَى وَوَزِيرُهُ هَامَانَ الْقِبْطِيَّانِ الْكَافِرَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .
( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ) أَيْ : كَانَتْ عُقُوبَتُهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ ، ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) ، وَهُمْ عَادٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : مَنْ أَشُدُّ مِنَّا قُوَّةً ؟ فَجَاءَتْهُمْ رِيحٌ صَرْصَرٌ بَارِدَةٌ شَدِيدَةُ الْبَرْدِ ، عَاتِيَةٌ شَدِيدَةُ الْهُبُوبِ جِدًّا ، تَحْمِلُ عَلَيْهِمْ حَصْبَاءَ الْأَرْضِ فَتَقْلِبُهَا عَلَيْهِمْ ، وَتَقْتَلِعُهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَتَرْفَعُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ، ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَتَشْدَخُهُ فَيَبْقَى بَدَنًا بِلَا رَأْسٍ ، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ) ، وَهُمْ ثَمُودُ ، قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ وَظَهَرَتْ لَهُمُ الدَّلَالَةُ ، مِنْ تِلْكَ النَّاقَةِ الَّتِي انْفَلَقَتْ عَنْهَا الصَّخْرَةُ ، مِثْلَ مَا سَأَلُوا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، وَمَعَ هَذَا مَا آمَنُوا بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى طُغْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَتَهَدَّدُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَالِحًا وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ ، وَتَوَعَّدُوهُمْ بِأَنْ يُخْرِجُوهُمْ وَيَرْجُمُوهُمْ ، فَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَخَمَدَتِ الْأَصْوَاتَ مِنْهُمْ وَالْحَرَكَاتِ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ ) ، وَهُوَ قَارُونُ الَّذِي طَغَى وَبَغَى وَعَتَا ، وَعَصَى الرَّبَّ الْأَعْلَى ، وَمَشَى فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ، وَفَرِحَ وَمَرِحَ وَتَاهَ بِنَفْسِهِ ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ) ، وَهُمْ فِرْعَوْنُ وَوَزِيرُهُ هَامَانُ ، وَجُنُودُهُ عَنْ آخِرِهِمْ ، أُغْرِقُوا فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ ، ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) أَيْ : فِيمَا فَعَلَ بِهِمْ ، ( وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) أَيْ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ 279 بِهِمْ جَزَاءً وِفَاقًا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ ، وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ ، ثُمَّ قَالَ : ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ) [ الْآيَةَ ] ، أَيْ : مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) ، قَالَ : قَوْمُ لُوطٍ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ) ، قَالَ : قَوْمُ نُوحٍ .
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَإِنَّ ابْنَ جُرْيَجٍ لَمْ يُدْرِكْهُ . ثُمَّ قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِهْلَاكُ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفَانِ ، وَقَوْمِ لُوطٍ بِإِنْزَالِ الرِّجْزِ مِنَ السَّمَاءِ ، وَطَالَ السِّيَاقُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ هَذَا السِّيَاقِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) قَالَ : قَوْمُ لُوطٍ ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ) ، قَوْمُ شُعَيْبٍ . وَهَذَا بَعِيدٌ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith