تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1446 · printed p. 342
فَصْلٌ فِي الْخُمُولِ وَالتَّوَاضُعِ
وَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِوَصِيَّةِ لُقْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِابْنِهِ ، وَقَدْ جَمَعَ فِي ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا كِتَابًا مُفْرَدًا [ وَ ] نَحْنُ ، نَذْكُرُ مِنْهُ مَقَاصِدَهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْمَدَنِيُّ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " رُبَّ أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ يُصْفَحُ عَنْ أَبْوَابِ النَّاسِ ، إِذَا أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ " .
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ ، وَزَادَ مِنْهُمُ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ .
[ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " طُوبَى لِلْأَتْقِيَاءِ الْأَثْرِيَاءِ الَّذِينَ إِذَا حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا ، وَإِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا ، أُولَئِكَ مَصَابِيحُ مُجَرَّدُونَ مَنْ كُلِّ فِتْنَةٍ غَبْرَاءَ مُشِينَةٍ " ] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ يَبْكِي عِنْدَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ يَا مُعَاذُ ؟ قَالَ : حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ : ۝ " إِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الْأَثْرِيَاءَ ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا ، وَإِذَا حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا ، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى ، يَنْجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ " .
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ ، حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَطَاءٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " رُبَّ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، لَوْ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ لَأَعْطَاهُ الْجَنَّةَ ، وَلَمْ يُعْطِهُ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا " .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَوْ أَتَى بَابَ أَحَدِكُمْ يَسْأَلُهُ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ 342 فِلْسًا لَمْ يُعْطَهُ ، وَلَوْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ لَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا ، وَلَوْ سَأَلَهُ الدُّنْيَا لَمْ يُعْطِهِ إِيَّاهَا ، وَلَمْ يَمْنَعْهَا إِيَّاهُ لِهَوَانِهِ عَلَيْهِ ، ذُو طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ " .
وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنَّ مِنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ مَنْ هُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ ذُو طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، الَّذِينَ إِذَا اسْتَأْذَنُوا عَلَى الْأُمَرَاءِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ ، وَإِذَا خَطَبُوا النِّسَاءَ لَمْ يُنْكَحُوا ، وَإِذَا قَالُوا لَمْ يُنْصَتْ لَهُمْ ، حَوَائِجُ أَحَدِهِمْ تَتَجَلْجَلُ فِي صَدْرِهِ ، لَوْ قُسِّمَ نُورُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ النَّاسِ لَوَسِعَهُمْ " . قَالَ : وَأَنْشَدَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ :
﴿﴾ أَلَا رُبَّ ذِي طِمْرَيْنِ فِي مَنْزِلٍ غَدًا ﴿﴾ ﴿﴾ زَرَابِيُّهُ مَبْثُوثَةٌ وَنَمَارِقُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ قَدِ اطَّرَدَتْ أَنْهَارُهُ حَوْلَ قَصْرِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَشْرَقَ وَالتَفَّتْ عَلَيْهِ حَدَائِقُهُ ﴿﴾
وَرُوِيَ - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا : ۝ " قَالَ اللَّهُ : مِنْ أَغْبَطِ أَوْلِيَائِي عِنْدِي : مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ، ذُو حَظٍّ مِنْ صَلَاةٍ ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ ، لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ . إِنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ " . قَالَ : ثُمَّ نَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ وَقَالَ : " عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ ، وَقَلَّ تُرَاثَهُ ، وَقَلَّتْ بَوَاكِيهِ " .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : أَحَبُّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ الْغُرَبَاءُ . قِيلَ : وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : الْفَرَّارُونَ بِدِينِهِمْ ، يُجْمَعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ .
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَلَمْ أُنْعِمْ عَلَيْكَ ؟ أَلَمْ أُعْطِكَ ؟ أَلَمْ أَسْتُرْكَ ؟ أَلَمْ . . ؟ أَلَمْ . . ؟ أَلَمْ أَخْمِلْ ذِكْرَكَ ؟ ثُمَّ قَالَ الْفُضَيْلُ : إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا تُعْرَفَ فَافْعَلْ ، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يُثْنَى عَلَيْكَ ، وَمَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مَذْمُومًا عِنْدَ النَّاسِ مَحْمُودًا عِنْدَ اللَّهِ .
وَكَانَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ ذِكْرًا خَامِلًا .
وَكَانَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي عِنْدَكَ مَنْ أَرْفَعِ خَلْقِكَ ، وَاجْعَلْنِي فِي نَفْسِي مَنْ أَوْضَعِ خَلْقِكَ ، وَعِنْدَ النَّاسِ مِنْ أَوْسَطِ خَلْقِكَ . ثُمَّ قَالَ :
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith