تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1455 · printed p. 350
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 29 ) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 30 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ) بِمَعْنَى : يَأْخُذُ مِنْهُ فِي النَّهَارِ ، فَيَطُولُ ذَلِكَ وَيَقْصُرُ هَذَا ، 350 وَهَذَا يَكُونُ زَمَنَ الصَّيْفِ يَطُولُ النَّهَارُ إِلَى الْغَايَةِ ، ثُمَّ يُسْرِعُ فِي النَّقْصِ فَيَطُولُ اللَّيْلُ وَيَقْصُرُ النَّهَارُ ، وَهَذَا يَكُونُ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ ، ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) قِيلَ : إِلَى غَايَةٍ مَحْدُودَةٍ . وَقِيلَ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَكِلَا الْمَعْنِيِّينَ صَحِيحٌ ، وَيُسْتَشْهِدُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ ؟ " . قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " فَإِنَّهَا تُذْهِبُ فَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ ، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ رَبَّهَا فَيُوشِكُ أَنْ يُقَالَ لَهَا : ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَاتِمِ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الشَّمْسُ بِمَنْزِلَةِ السَّاقِيَةِ ، تَجْرِي بِالنَّهَارِ فِي السَّمَاءِ فِي فَلَكِهَا ، فَإِذَا غَرَبَتْ جَرَتْ بِاللَّيْلِ فِي فَلَكِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَشْرِقِهَا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ . إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ، كَقَوْلِهِ : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) [ الْحَجِّ : 70 ] . وَمَعْنَى هَذَا : أَنَّهُ تَعَالَى الْخَالِقُ الْعَالِمُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، كَقَوْلِهِ : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) [ الطَّلَاقِ : 12 ] .
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ) أَيْ : إِنَّمَا يُظْهِرُ لَكُمْ آيَاتِهِ لِتَسْتَدِلُّوا بِهَا عَلَى أَنَّهُ الْحَقُّ ، أَيِ : الْمَوْجُودُ الْحَقُّ ، الْإِلَهُ الْحَقُّ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ; لِأَنَّ كُلَّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْجَمِيعُ خَلْقُهُ وَعَبِيدُهُ ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى تَحْرِيكِ ذَرَّةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَوِ اجْتَمَعَ كُلُّ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا لَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) أَيِ : الْعَلِيُّ : الَّذِي لَا أَعْلَى مِنْهُ ، الْكَبِيرُ : الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، فَكُلُّ شَيْءٍ خَاضِعٌ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith