تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1466 · printed p. 369
369 ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ( 18 ) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 ) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ [ وَكَرَمِهِ ] أَنَّهُ لَا يُسَاوِي فِي حُكْمِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِآيَاتِهِ مُتْبِعًا لِرُسُلِهِ ، بِمَنْ كَانَ فَاسِقًا ، أَيْ : خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ مُكَذِّبًا لِرُسُلِهِ إِلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) [ الْجَاثِيَةِ : 21 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) [ ص : 28 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ) [ الْحَشْرِ : 20 ] ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا : ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ) أَيْ : عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَدْ ذَكَرَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ; وَلِهَذَا فَصَّلَ حُكْمَهُمْ فَقَالَ : ( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) أَيْ : صَدَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا ، وَهِيَ الصَّالِحَاتُ ( فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى ) أَيِ : الَّتِي فِيهَا الْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ وَالْغُرَفُ الْعَالِيَةُ ) نُزُلًا ) أَيْ : ضِيَافَةً وَكَرَامَةً ( بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا ) أَيْ : خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ ، ( فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ) كَقَوْلِهِ : ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا ) الْآيَةَ [ الْحَجِّ : 22 ] .
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : وَاللَّهِ إِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ ، وَإِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَبَ لَيَرْفَعُهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ تَقْمَعُهُمْ .
( وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) أَيْ : يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ [ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ] ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي بِالْعَذَابِ الْأَدْنَى مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَأَسْقَامَهَا وَآفَاتِهَا ، وَمَا يَحِلُّ بِأَهْلِهَا مِمَّا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَتُوبُوا إِلَيْهِ . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَعَطِيَّةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، وَخَصِيفٍ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - : يَعْنِي بِهِ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ : يَعْنِي بِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي 370 إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ) قَالَ : سُنُونَ أَصَابَتْهُمْ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ) قَالَ : الْمُصِيبَاتُ وَالدُّخَانُ قَدْ مَضَيَا ، وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ . وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، نَحْوَهُ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : الْعَذَابُ الْأَدْنَى : مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ يَوْمَ بَدْرٍ . وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ : لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ بِمَكَّةَ إِلَّا دَخَلَهُ الْحُزْنُ عَلَى قَتِيلٍ لَهُمْ أَوْ أَسِيرٍ ، فَأُصِيبُوا أَوْ غَرِمُوا ، وَمِنْهُمْ مَنْ جُمِعَ لَهُ الْأَمْرَانِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ) أَيْ : لَا أَظْلِمُ مِمَّنْ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِآيَاتِهِ وَبَيَّنَهَا لَهُ وَوَضَّحَهَا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَهَا وَجَحَدَهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا وَتَنَاسَاهَا ، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا .
قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِيَّاكُمْ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ فَقَدِ اغْتَرَّ أَكْبَرَ الْغِرَّةِ ، وَأَعْوَزَ أَشَدَّ الْعَوَزِ ، وَعَظَّمَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ : ( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ) أَيْ : سَأَنْتَقِمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْكَلَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أَجْرَمَ ، مَنْ عَقَدَ لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ ، أَوْ عَقَّ وَالِدَيْهِ ، أَوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ يَنْصُرُهُ ، فَقَدْ أَجْرَمَ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ )
371 وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، بِهِ ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith