تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ( 23 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ( 24 ) )
لَمَّا ذَكَرَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانُوا عَاهِدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ، وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَ ( صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) ، قَالَ بَعْضُهُمْ : أَجْلَهُ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : عَهْدَهُ . وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ .
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) أَيْ : وَمَا غَيَّرُوا عَهْدَ اللَّهِ ، وَلَا نَقَضُوهُ وَلَا بَدَّلُوهُ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُفَ ، فَقَدْتُ آيَةً مِنْ " سُورَةِ الْأَحْزَابِ " كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ - الَّذِي جَعَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ - : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) 393 .
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ - فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا - مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : " حَسَنٌ صَحِيحٌ " .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : نَرَى هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) .
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ : قَالَ أَنَسٌ : عَمِيَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ سُمِّيتُ بِهِ ، لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَشَقَّ عَلَيْهِ وَقَالَ : أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُيِّبْتُ عَنْهُ ، لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ . قَالَ : فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا ، فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ يَوْمَ ] أُحُدٍ ، فَاسْتَقْبَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ يَا أَبَا عَمْرٍو ، أَبِنْ . وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ ، قَالَ : فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ قَالَ : فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ ، فَقَالَتْ أُخْتُهُ - عَمَّتِي الرُّبَيِّعُ ابْنَةُ النَّضْرِ - : فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ . قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) . قَالَ : فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ ، وَفِي أَصْحَابِهِ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، بِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، بِهِ نَحْوَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَمَّهُ - يَعْنِي : أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ - غَابَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : غُيِّبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالًا لِلْمُشْرِكِينَ ، لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي : الْمُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ فَلَقِيَهُ سَعْدٌ - يَعْنِي : ابْنَ مُعَاذٍ - دُونَ أُحُدٍ ، فَقَالَ : أَنَا مَعَكَ . قَالَ سَعْدٌ : فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصْنَعَ مَا صَنَعَ . قَالَ : فَوُجِدَ فِيهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ ضَرْبَةَ سَيْفٍ ، وَطَعْنَةَ رُمْحٍ ، وَرَمْيَةَ سَهْمٍ . وَكَانُوا يَقُولُونَ : فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ [ نَزَلَتْ ] : ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) 394 وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، وَالنَّسَائِيِّ فِيهِ أَيْضًا ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، كِلَاهُمَا ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةَ قَالَ : لَمَّا أَنْ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُحُدٍ ، صَعِدَ الْمِنْبَرِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَعَزَّى الْمُسْلِمِينَ بِمَا أَصَابَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) . فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَأَقْبَلْتُ وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ حَضْرَمِيَّانِ فَقَالَ : " أَيُّهَا السَّائِلُ ، هَذَا مِنْهُمْ " .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّلْحِيِّ ، بِهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ وَالْمَنَاقِبِ أَيْضًا ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مُوسَى وَعِيسَى ابْنِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، بِهِ . وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي الْعَقَدِيَّ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ - يَعْنِي ابْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ : [ دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَمَّا خَرَجْتُ ، دَعَانِي فَقَالَ : أَلَا أَضَعْ عِنْدَكَ يَا ابْنَ أَخِي حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ " .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ الطَّلْحِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ ] : قَامَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ " .
وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) قَالَ : عَهْدَهُ ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) قَالَ : يَوْمًا . 395 وَقَالَ الْحَسَنُ : ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) يَعْنِي مَوْتَهُ عَلَى الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) الْمَوْتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُبَدِّلْ تَبْدِيلًا . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ( نَحْبَهُ ) نَذْرَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) أَيْ : وَمَا غَيَّرُوا عَهْدَهُمْ ، وَبَدَّلُوا الْوَفَاءَ بِالْغَدْرِ ، بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، وَمَا نَقَضُوهُ كَفِعْلِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا : ( إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ) ، ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : إِنَّمَا يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالْخَوْفِ وَالزِّلْزَالِ لِيَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، فَيَظْهَرُ أَمْرُ هَذَا بِالْفِعْلِ ، وَأَمْرُ هَذَا بِالْفِعْلِ ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ ، وَلَكِنْ لَا يُعَذِّبُ الْخَلْقَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ ، حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا يَعْلَمُهُ فِيهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) [ مُحَمَّدٍ : 31 ] ، فَهَذَا عِلْمٌ بِالشَّيْءِ بَعْدَ كَوْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ السَّابِقُ حَاصِلًا بِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ . وَكَذَا قَالَ تَعَالَى : ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 179 ] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ) أَيْ : بِصَبْرِهِمْ عَلَى مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، وَقِيَامِهِمْ بِهِ ، وَمُحَافَظَتِهِمْ عَلَيْهِ . ( وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ ) : وَهُمُ النَّاقِضُونَ لِعَهْدِ اللَّهِ ، الْمُخَالِفُونَ لِأَوَامِرِهِ ، فَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ عِقَابَهُ وَعَذَابَهُ ، وَلَكِنْ هُمْ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ فِي الدُّنْيَا ، إِنْ شَاءَ اسْتَمَرَّ بِهِمْ عَلَى مَا فَعَلُوا حَتَّى يَلْقَوْهُ بِهِ فَيُعَذِّبُهُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ تَابَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَرْشَدَهُمْ إِلَى النِّزُوعِ عَنِ النِّفَاقِ إِلَى الْإِيمَانِ ، وَعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ . وَلَمَّا كَانَتْ رَحْمَتُهُ وَرَأْفَتُهُ بِخَلْقِهِ هِيَ الْغَالِبَةُ لِغَضَبِهِ قَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) .
لَمَّا ذَكَرَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانُوا عَاهِدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ، وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَ ( صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) ، قَالَ بَعْضُهُمْ : أَجْلَهُ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : عَهْدَهُ . وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ .
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) أَيْ : وَمَا غَيَّرُوا عَهْدَ اللَّهِ ، وَلَا نَقَضُوهُ وَلَا بَدَّلُوهُ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُفَ ، فَقَدْتُ آيَةً مِنْ " سُورَةِ الْأَحْزَابِ " كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ - الَّذِي جَعَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ - : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) 393 .
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ - فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا - مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : " حَسَنٌ صَحِيحٌ " .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : نَرَى هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) .
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ : قَالَ أَنَسٌ : عَمِيَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ سُمِّيتُ بِهِ ، لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَشَقَّ عَلَيْهِ وَقَالَ : أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُيِّبْتُ عَنْهُ ، لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ . قَالَ : فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا ، فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ يَوْمَ ] أُحُدٍ ، فَاسْتَقْبَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ يَا أَبَا عَمْرٍو ، أَبِنْ . وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ ، قَالَ : فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ قَالَ : فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ ، فَقَالَتْ أُخْتُهُ - عَمَّتِي الرُّبَيِّعُ ابْنَةُ النَّضْرِ - : فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ . قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) . قَالَ : فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ ، وَفِي أَصْحَابِهِ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، بِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، بِهِ نَحْوَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَمَّهُ - يَعْنِي : أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ - غَابَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : غُيِّبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالًا لِلْمُشْرِكِينَ ، لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي : الْمُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ فَلَقِيَهُ سَعْدٌ - يَعْنِي : ابْنَ مُعَاذٍ - دُونَ أُحُدٍ ، فَقَالَ : أَنَا مَعَكَ . قَالَ سَعْدٌ : فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصْنَعَ مَا صَنَعَ . قَالَ : فَوُجِدَ فِيهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ ضَرْبَةَ سَيْفٍ ، وَطَعْنَةَ رُمْحٍ ، وَرَمْيَةَ سَهْمٍ . وَكَانُوا يَقُولُونَ : فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ [ نَزَلَتْ ] : ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) 394 وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، وَالنَّسَائِيِّ فِيهِ أَيْضًا ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، كِلَاهُمَا ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةَ قَالَ : لَمَّا أَنْ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُحُدٍ ، صَعِدَ الْمِنْبَرِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَعَزَّى الْمُسْلِمِينَ بِمَا أَصَابَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) . فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَأَقْبَلْتُ وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ حَضْرَمِيَّانِ فَقَالَ : " أَيُّهَا السَّائِلُ ، هَذَا مِنْهُمْ " .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّلْحِيِّ ، بِهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ وَالْمَنَاقِبِ أَيْضًا ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مُوسَى وَعِيسَى ابْنِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، بِهِ . وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي الْعَقَدِيَّ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ - يَعْنِي ابْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ : [ دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَمَّا خَرَجْتُ ، دَعَانِي فَقَالَ : أَلَا أَضَعْ عِنْدَكَ يَا ابْنَ أَخِي حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ " .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ الطَّلْحِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ ] : قَامَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ " .
وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) قَالَ : عَهْدَهُ ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) قَالَ : يَوْمًا . 395 وَقَالَ الْحَسَنُ : ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) يَعْنِي مَوْتَهُ عَلَى الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ . ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) الْمَوْتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُبَدِّلْ تَبْدِيلًا . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ( نَحْبَهُ ) نَذْرَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) أَيْ : وَمَا غَيَّرُوا عَهْدَهُمْ ، وَبَدَّلُوا الْوَفَاءَ بِالْغَدْرِ ، بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، وَمَا نَقَضُوهُ كَفِعْلِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا : ( إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ) ، ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : إِنَّمَا يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالْخَوْفِ وَالزِّلْزَالِ لِيَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، فَيَظْهَرُ أَمْرُ هَذَا بِالْفِعْلِ ، وَأَمْرُ هَذَا بِالْفِعْلِ ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ ، وَلَكِنْ لَا يُعَذِّبُ الْخَلْقَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ ، حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا يَعْلَمُهُ فِيهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) [ مُحَمَّدٍ : 31 ] ، فَهَذَا عِلْمٌ بِالشَّيْءِ بَعْدَ كَوْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ السَّابِقُ حَاصِلًا بِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ . وَكَذَا قَالَ تَعَالَى : ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 179 ] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ) أَيْ : بِصَبْرِهِمْ عَلَى مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، وَقِيَامِهِمْ بِهِ ، وَمُحَافَظَتِهِمْ عَلَيْهِ . ( وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ ) : وَهُمُ النَّاقِضُونَ لِعَهْدِ اللَّهِ ، الْمُخَالِفُونَ لِأَوَامِرِهِ ، فَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ عِقَابَهُ وَعَذَابَهُ ، وَلَكِنْ هُمْ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ فِي الدُّنْيَا ، إِنْ شَاءَ اسْتَمَرَّ بِهِمْ عَلَى مَا فَعَلُوا حَتَّى يَلْقَوْهُ بِهِ فَيُعَذِّبُهُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ تَابَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَرْشَدَهُمْ إِلَى النِّزُوعِ عَنِ النِّفَاقِ إِلَى الْإِيمَانِ ، وَعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ . وَلَمَّا كَانَتْ رَحْمَتُهُ وَرَأْفَتُهُ بِخَلْقِهِ هِيَ الْغَالِبَةُ لِغَضَبِهِ قَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith