تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ( 46 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ الزَّاعِمِينَ أَنَّكَ مَجْنُونٌ : ( إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ) أَيْ : إِنَّمَا آمُرُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ، وَهِيَ : ( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) أَيْ : تَقُومُوا قِيَامًا خَالِصًا لِلَّهِ ، مِنْ غَيْرِ هَوًى وَلَا عَصَبِيَّةٍ ، فَيَسْأَلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا : هَلْ بِمُحَمَّدٍ مِنْ جُنُونٍ ؟ فَيَنْصَحُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، ( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) أَيْ : يَنْظُرُ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَسْأَلُ غَيْرَهُ مِنَ النَّاسِ عَنْ شَأْنِهِ إِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ ، وَيَتَفَكَّرُ فِي ذَلِكَ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) .
هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ .
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " أُعْطِيتُ ثَلَاثًا لَمْ يُعْطَهُنَّ مِنْ قَبْلِي وَلَا فَخْرٌ : أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِمَنْ قَبْلِي ، كَانُوا قَبْلِي يَجْمَعُونَ غَنَائِمَهُمْ فَيَحْرُقُونَهَا . وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ ، وَكَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ 526 إِلَى قَوْمِهِ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، أَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ ، وَأُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ ، قَالَ اللَّهُ : ( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ) وَأُعِنْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ بَيْنَ يَدَيَّ " - فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ ، وَتَفْسِيرهَا بِالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَفُرَادَى بَعِيدٌ ، وَلَعَلَّهُ مُقْحَمٌ فِي الْحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، فَإِنَّ أَصْلَهُ ثَابِتٌ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) : قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَهَا :
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ ، فَقَالَ : " يَا صَبَاحَاهُ " . فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ ، فَقَالُوا : مَا لَكَ ؟ فَقَالَ : " أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ ، أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي ؟ " قَالُوا : بَلَى . قَالَ : " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ " . فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : تَبًّا لَكَ! أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) [ الْمَسَدِ ] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَنَادَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ، أَتُدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا يَأْتِيهِمْ ، فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَرَاءَى لَهُمْ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ أَبْصَرَ الْعَدُوَّ ، فَأَقْبَلَ لِيُنْذِرَهُمْ وَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ ، فَأَهْوَى بِثَوْبِهِ : أَيُّهَا النَّاسُ ، أُوتِيتُمْ . أَيُّهَا النَّاسُ ، أُوتِيتُمْ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " .
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ جَمِيعًا ، إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي " . تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ .
يَقُولُ تَعَالَى : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ الزَّاعِمِينَ أَنَّكَ مَجْنُونٌ : ( إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ) أَيْ : إِنَّمَا آمُرُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ، وَهِيَ : ( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) أَيْ : تَقُومُوا قِيَامًا خَالِصًا لِلَّهِ ، مِنْ غَيْرِ هَوًى وَلَا عَصَبِيَّةٍ ، فَيَسْأَلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا : هَلْ بِمُحَمَّدٍ مِنْ جُنُونٍ ؟ فَيَنْصَحُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، ( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) أَيْ : يَنْظُرُ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَسْأَلُ غَيْرَهُ مِنَ النَّاسِ عَنْ شَأْنِهِ إِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ ، وَيَتَفَكَّرُ فِي ذَلِكَ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) .
هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ .
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " أُعْطِيتُ ثَلَاثًا لَمْ يُعْطَهُنَّ مِنْ قَبْلِي وَلَا فَخْرٌ : أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِمَنْ قَبْلِي ، كَانُوا قَبْلِي يَجْمَعُونَ غَنَائِمَهُمْ فَيَحْرُقُونَهَا . وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ ، وَكَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ 526 إِلَى قَوْمِهِ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، أَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ ، وَأُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ ، قَالَ اللَّهُ : ( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ) وَأُعِنْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ بَيْنَ يَدَيَّ " - فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ ، وَتَفْسِيرهَا بِالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَفُرَادَى بَعِيدٌ ، وَلَعَلَّهُ مُقْحَمٌ فِي الْحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، فَإِنَّ أَصْلَهُ ثَابِتٌ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) : قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَهَا :
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ ، فَقَالَ : " يَا صَبَاحَاهُ " . فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ ، فَقَالُوا : مَا لَكَ ؟ فَقَالَ : " أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ ، أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي ؟ " قَالُوا : بَلَى . قَالَ : " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ " . فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : تَبًّا لَكَ! أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) [ الْمَسَدِ ] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَنَادَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ، أَتُدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا يَأْتِيهِمْ ، فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَرَاءَى لَهُمْ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ أَبْصَرَ الْعَدُوَّ ، فَأَقْبَلَ لِيُنْذِرَهُمْ وَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ ، فَأَهْوَى بِثَوْبِهِ : أَيُّهَا النَّاسُ ، أُوتِيتُمْ . أَيُّهَا النَّاسُ ، أُوتِيتُمْ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " .
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ جَمِيعًا ، إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي " . تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث