تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
الصفحة 1536 · ص. المطبوع 541
( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ( 13 ) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ( 14 ) ) .
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ ، فِي تَسْخِيرِهِ اللَّيْلَ بِظَلَامِهِ وَالنَّهَارَ بِضِيَائِهِ ، وَيَأْخُذُ مِنْ طُولِ هَذَا فَيَزِيدُهُ فِي قِصَرِ هَذَا فَيَعْتَدِلَانِ . ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا ، فَيَطُولُ هَذَا وَيَقْصُرُ هَذَا ، ثُمَّ يَتَقَارَضَانِ صَيْفًا وَشِتَاءً ، ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) أَيْ : وَالنُّجُومَ السَّيَّارَاتِ ، وَالثَّوَابِتَ الثَّاقِبَاتِ بِأَضْوَائِهِنَّ أَجْرَامَ السَّمَاوَاتِ ، الْجَمِيعُ يَسِيرُونَ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ ، وَعَلَى مِنْهَاجٍ مُقَنَّنٍ مُحَرَّرٍ ، تَقْدِيرًا مِنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ .
( كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ) أَيْ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ) أَيِ : الَّذِي فَعَلَ هَذَا هُوَ الرَّبُّ الْعَظِيمُ ، الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) أَيْ : مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُورَةِ مَنْ تَزْعُمُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ، ( مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ) .
541 قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَطَاءٌ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ : الْقِطْمِيرُ : هُوَ اللِّفَافَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى نَوَاةِ التَّمْرَةِ ، أَيْ : لَا يَمْلِكُونَ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا ، وَلَا بِمِقْدَارِ هَذَا الْقِطْمِيرِ .
ثُمَّ قَالَ : ( إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ) يَعْنِي الْآلِهَةَ الَّتِي تَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَسْمَعُونَ دُعَاءَكُمْ ; لِأَنَّهَا جَمَادٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا ( وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ) أَيْ : لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مَا تَطْلُبُونَ مِنْهَا ، ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) ، أَيْ : يَتَبَرَّءُونَ مِنْكُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) [ الْأَحْقَافِ : 5 ، 6 ] ، وَقَالَ : ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) [ مَرْيَمَ : 81 ، 82 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) أَيْ : وَلَا يُخْبِرُكَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَمَآلِهَا وَمَا تَصِيرُ إِلَيْهِ ، مِثْلُ خَبِيرٍ بِهَا .
قَالَ قَتَادَةُ : يَعْنِي نَفْسَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَإِنَّهُ أَخْبَرُ بِالْوَاقِعِ لَا مَحَالَةَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث