تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
الصفحة 1598 · ص. المطبوع 58
( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 ) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ( 19 ) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ( 20 ) )
يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَنَّهُ كَانَ ذَا أَيْدٍ ، وَالْأَيْدُ : الْقُوَّةُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ .
قَالَ [ ابْنُ عَبَّاسٍ ] وَابْنُ زَيْدٍ وَالسُّدِّيُّ : الْأَيْدُ : الْقُوَّةُ وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ : ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) [ الذَّارِيَاتِ : 47 ]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْأَيْدُ : الْقُوَّةُ فِي الطَّاعَةِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : أُعْطِيَ دَاوُدُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وَفِقْهًا فِي الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ .
وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " ۝ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى " وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّابًا ، وَهُوَ الرَّجَّاعُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَشُئُونِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ) أَيْ : إِنَّهُ تَعَالَى سَخَّرَ الْجِبَالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ وَآخِرِ النَّهَارِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ) [ سَبَأٍ : 10 ] وَكَذَلِكَ كَانَتِ الطَّيْرُ تُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ وَتُرَجِّعُ بِتَرْجِيعِهِ إِذَا مَرَّ بِهِ الطَّيْرُ وَهُوَ سَابِحٌ فِي الْهَوَاءِ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَتَرَنَّمُ بِقِرَاءَةِ الزَّبُورِ لَا تَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ بَلْ تَقِفُ فِي الْهَوَاءِ وَتُسَبِّحُ مَعَهُ ، وَتُجِيبُهُ الْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ تُرَجِّعُ مَعَهُ وَتُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ 58 مُوسَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : ۝ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ لِهَذِهِ السَّاعَةِ صَلَاةً يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ )
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ مَوْلَاهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ۝ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى ، قَالَ : فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ فَقُلْتُ : أَخْبِرِي هَذَا مَا أَخْبَرْتِنِي بِهِ . فَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ فِي بَيْتِي ثُمَّ أَمَرَ بِمَاءٍ صُبَّ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَأَخَذَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ رَشَّ نَاحِيَةَ الْبَيْتِ فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ، وَذَلِكَ مِنَ الضُّحَى قِيَامُهُنَّ وَرُكُوعُهُنَّ وَسُجُودُهُنَّ وَجُلُوسُهُنَّ سَوَاءٌ ، قَرِيبٌ بِعَضُهُنَّ مِنْ بَعْضٍ ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَقُولُ : لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ مَا عَرَفْتُ صَلَاةَ الضُّحَى إِلَّا الْآنَ : ( يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ) وَكُنْتُ أَقُولُ : أَيْنَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ وَكَانَ بَعْدُ يَقُولُ : صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ .
وَلِهَذَا قَالَ : ( وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ) أَيْ : مَحْبُوسَةً فِي الْهَوَاءِ ، ( كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ) أَيْ : مُطِيعٌ يُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَابْنِ زَيْدٍ : ( كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ) أَيْ : مُطِيعٌ .
[ وَقَوْلُهُ ] ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ) أَيْ : جَعَلْنَا لَهُ مُلْكًا كَامِلًا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ .
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : كَانَ أَشَدَّ أَهْلِ الدُّنْيَا سُلْطَانًا .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ يَحْرُسُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ .
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ حَرَسُهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا لَا تَدُورُ عَلَيْهِمُ النَّوْبَةُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : أَرْبَعُونَ أَلْفًا مُشْتَمِلُونَ بِالسِّلَاحِ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ نَفَرَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعْدَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَى دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ اغْتَصَبَهُ بَقَرًا فَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَأَرْجَأَ أَمْرَهُمَا . فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أُمِرَ دَاوُدُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْمَنَامِ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ طَلَبَهُمَا وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلَامَ تَقْتُلُنِي وَقَدِ اغْتَصَبَنِي هَذَا بَقَرِي ؟ فَقَالَ : إِنِ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ فَأَنَا قَاتِلُكَ لَا مَحَالَةَ . فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ 59 اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْكَ بِقَتْلِي لِأَجْلِ هَذَا الَّذِي ادَّعَيْتُ عَلَيْهِ ، وَإِنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا ادَّعَيْتُ وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدِ اغْتَلْتُ أَبَاهُ وَقَتَلْتُهُ ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] فَقُتِلَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ )

وَقَوْلُهُ : ( وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : يَعْنِي : الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ وَالْفِطْنَةَ . وَقَالَ مَرَّةً : الْحِكْمَةَ وَالْعَدْلَ . وَقَالَ مَرَّةً : الصَّوَابَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : كِتَابَ اللَّهِ وَاتِّبَاعَ مَا فِيهِ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( الْحِكْمَةُ ) النُّبُوَّةُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالشَّعْبِيُّ فَصْلُ الْخِطَابِ : الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : شَاهِدَانِ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي فَصَلَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ - أَوْ قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ وَالصَّالِحُونَ - وَهُوَ قَضَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ : هُوَ إِصَابَةُ الْقَضَاءِ وَفَهْمِهِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا : هُوَ الْفَصْلُ فِي الْكَلَامِ وَفِي الْحُكْمِ
وَهَذَا يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ وَهُوَ الْمُرَادُ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ النُّمَيْرِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ قَالَ : " أَمَّا بَعْدُ " دَاوُدُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ .
وَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَصْلُ الْخِطَابِ : " أَمَّا بَعْدُ " .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث