تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1640 · printed p. 131
( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ( 7 ) )
( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 8 ) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ الْأَرْبَعَةِ ، وَمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْكُرُوبِيِّينَ ، بِأَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ، أَيْ : يَقْرِنُونَ بَيْنَ التَّسْبِيحِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ النَّقَائِصِ ، وَالتَّحْمِيدِ الْمُقْتَضِي لِإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْمَدْحِ ، ( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) أَيْ : خَاشِعُونَ لَهُ أَذِلَّاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَأَنَّهُمْ ( يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أَيْ : مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ مِمَّنْ آمَنَ بِالْغَيْبِ ، فَقَيَّضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ أَنْ يَدْعُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ سَجَايَا الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، كَانُوا يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : " ۝ إِذَا دَعَا الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ : آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِهِ " .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَّقَ أُمَيَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ ، فَقَالَ :
﴿﴾ رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ ﴿﴾
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " صَدَقَ " . فَقَالَ :
﴿﴾ وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ حَمْرَاءُ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ ﴿﴾ ﴿﴾ تَأبَى فَمَا تَطْلُعْ لَنَا فِي رِسْلِهَا ﴿﴾ ﴿﴾ إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ ﴿﴾
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " صَدَقَ "
.
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ : وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَانُوا ثَمَانِيَةً ، 131 كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) [ الْحَاقَّةِ : 17 ] .
وَهُنَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : مَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَدَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، قَالَ : ۝ كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ : " مَا تُسَمَّوْنَ هَذِهِ ؟ " قَالُوا : السَّحَابَ . قَالَ : " وَالْمُزْنَ ؟ " قَالُوا : وَالْمُزْنَ . قَالَ : " وَالْعَنَانَ ؟ " قَالُوا : وَالْعَنَانَ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَلَمْ أُتْقِنِ الْعَنَانَ جَيِّدًا - قَالَ : " هَلْ تَدْرُونَ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ؟ " قَالُوا : لَا نَدْرِي . قَالَ : " بُعْدُ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ ، أَوِ اثْنَتَانِ ، أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً ، ثُمَّ السَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ " حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ " ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ ، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ ، بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ، ثُمَّ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فَوْقَ ذَلِكَ " ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ ، كَمَا قَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ : حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ ، أَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ : " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ " . وَأَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ : " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ " .
وَلِهَذَا يَقُولُونَ إِذَا اسْتَغْفَرُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا : ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ) أَيْ : إِنَّ رَحْمَتَكَ تَسَعُ ذُنُوبَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ ، وَعِلْمُكَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ [ وَأَقْوَالِهِمْ ] وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ ، ( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) أَيْ : فَاصْفَحْ عَنِ الْمُسِيئِينَ إِذَا تَابُوا وَأَنَابُوا وَأَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ ، وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ ، مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ ، ( وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) أَيْ : وَزَحْزِحْهُمْ عَنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ ، وَهُوَ الْعَذَابُ الْمُوجِعُ الْأَلِيمُ .
( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) أَيِ : اجْمَعْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ ، لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ فِي مَنَازِلَ مُتَجَاوِرَةٍ ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) [ الطُّورِ : 21 ] أَيْ : سَاوَيْنَا بَيْنَ الْكُلِّ فِي الْمَنْزِلَةِ ، لِتَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ ، وَمَا نَقَصْنَا الْعَالِيَ حَتَّى يُسَاوِيَ الدَّانِيَ ، بَلْ رَفَعْنَا النَّاقِصَ فِي الْعَمَلِ ، فَسَاوَيْنَاهُ بِكَثِيرِ الْعَمَلِ ، تُفَضُّلًا مِنَّا وَمِنَّةً .
132
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ ، وَأَيْنَ هُمْ ؟ فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا طَبَقَتَكَ فِي الْعَمَلِ فَيَقُولُ : إِنِّي إِنَّمَا عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ . فَيُلْحَقُونَ بِهِ فِي الدَّرَجَةِ ، ثُمَّ تَلَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذِهِ الْآيَةَ : ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .
قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ : أَنْصَحُ عِبَادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَلَائِكَةُ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ) وَأَغُشُّ عِبَادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الشَّيَاطِينُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أَيِ : الَّذِي لَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ ، وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، الْحَكِيمُ فِي أَقْوَالِكَ وَأَفْعَالِكَ ، مِنْ شَرْعِكَ وَقَدَرِكَ
( وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ) أَيْ : فِعْلَهَا أَوْ وَبَالَهَا مِمَّنْ وَقَعَتْ مِنْهُ ، ( وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ( فَقَدْ رَحِمْتَهُ ) أَيْ : لَطَفْتَ بِهِ وَنَجَّيْتَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، ( وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith