تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
161 تَفْسِيرُ سُورَةِ فُصِّلَتْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ( 4 ) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ( 5 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) يَعْنِي : الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) [ النَّحْلِ : 102 ] وَقَوْلِهِ : ( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 192 - 194 ] .
وَقَوْلُهُ : ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) أَيْ : بُيِّنَتْ مَعَانِيهِ وَأُحْكِمَتْ أَحْكَامُهُ ، ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) أَيْ : فِي حَالِ كَوْنِهِ لَفْظًا عَرَبِيًّا ، بَيِّنًا وَاضِحًا ، فَمَعَانِيهِ مُفَصَّلَةٌ ، وَأَلْفَاظُهُ وَاضِحَةٌ غَيْرُ مُشْكِلَةٍ ، كَقَوْلِهِ : ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) [ هُودٍ : 1 ] أَيْ : هُوَ مُعْجِزٌ مِنْ حَيْثُ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ ، ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [ فُصِّلَتْ : 42 ] .
وَقَوْلُهُ : ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) أَيْ : إِنَّمَا يَعْرِفُ هَذَا الْبَيَانَ وَالْوُضُوحَ الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ ، ( بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) أَيْ : تَارَةً يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَتَارَةً يُنْذِرُ الْكَافِرِينَ ، ( فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) أَيْ : أَكْثَرُ قُرَيْشٍ ، فَهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ شَيْئًا مَعَ بَيَانِهِ وَوُضُوحِهِ .
( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ) أَيْ : فِي غُلْفٍ مُغَطَّاةٍ ( مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ ) أَيْ : صَمَمٌ عَمَّا جِئْتَنَا بِهِ ، ( وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ) فَلَا يَصِلُ إِلَيْنَا شَيْءٌ مِمَّا تَقُولُ ، ( فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ) أَيِ : اعْمَلْ أَنْتَ عَلَى طَرِيقَتِكَ ، وَنَحْنُ عَلَى طَرِيقَتِنَا لَا نُتَابِعُكَ .
قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَمُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَجْلَحِ ، عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسَدِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقَالُوا : انْظُرُوا أَعْلَمَكُمْ بِالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالشِّعْرِ ، فَلْيَأْتِ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا ، وَشَتَّتَ أَمْرَنَا ، وَعَابَ دِينَنَا ، فَلْيُكَلِّمْهُ وَلْنَنْظُرْ مَاذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقَالُوا : مَا نَعْلَمُ أَحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ . فَقَالُوا : أَنْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ . فَأَتَاهُ عُتْبَةُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : فَإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْكَ ، فَقَدْ عَبَدُوا الْآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ ، وَإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْهُمْ فَتَكَلَّمْ حَتَّى نَسْمَعَ 162 قَوْلَكَ ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا سَخْلَةً قَطُّ أَشْأَمَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْكَ ; فَرَّقْتَ جَمَاعَتَنَا ، وَشَتَّتَّ أَمْرَنَا ، وَعِبْتَ دِينَنَا ، وَفَضَحْتَنَا فِي الْعَرَبِ ، حَتَّى لَقَدْ طَارَ فِيهِمْ أَنَّ فِي قُرَيْشٍ سَاحِرًا ، وَأَنَّ فِي قُرَيْشٍ كَاهِنًا . وَاللَّهِ مَا نَنْظُرُ إِلَّا مِثْلَ صَيْحَةِ الْحُبْلَى أَنْ يَقُومَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ ، حَتَّى نَتَفَانَى - أَيُّهَا الرَّجُلُ - إِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْحَاجَةُ جَمَعْنَا لَكَ حَتَّى تَكُونَ أَغْنَى قُرَيْشٍ رَجُلًا ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْبَاءَةُ فَاخْتَرْ أَيَّ نِسَاءِ قُرَيْشٍ [ شِئْتَ ] فَلْنُزَوِّجْكَ عَشْرًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فَرَغْتَ ؟ " قَالَ : نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) حَتَّى بَلَغَ : ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) فَقَالَ عُتْبَةُ : حَسْبُكَ ! حَسْبُكَ ! مَا عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ : " لَا " فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا : مَا وَرَاءَكَ ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ شَيْئًا أَرَى أَنَّكُمْ تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إِلَّا كَلَّمْتُهُ . قَالُوا : فَهَلْ أَجَابَكَ ؟ [ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : فَمَا قَالَ ؟ ] قَالَ : لَا وَالَّذِي نَصَبَهَا بَنِيَّةً مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ ، غَيْرَ أَنَّهُ أَنْذَرَكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ . قَالُوا : وَيْلَكَ ! يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا تَدْرِي مَا قَالَ ؟ ! قَالَ : لَا وَاللَّهِ مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصَّاعِقَةِ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً .
وَقَدْ سَاقَهُ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْأَجْلَحِ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ [ الْكُوفِيُّ ] وَقَدْ ضُعِّفَ بَعْضَ الشَّيْءِ - عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ : ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) فَأَمْسَكَ عُتْبَةُ عَلَى فِيهِ ، وَنَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ ، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى قُرَيْشٍ وَاحْتَبَسَ عَنْهُمْ . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، وَاللَّهِ مَا نَرَى عُتْبَةَ إِلَّا قَدْ صَبَا إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَأَعْجَبَهُ طَعَامُهُ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ [ قَدْ ] أَصَابَتْهُ ، فَانْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِ . فَانْطَلَقُوا إِلَيْهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : يَا عُتْبَةُ ، مَا حَبَسَكَ عَنَّا إِلَّا أَنَّكَ صَبَوْتَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَعْجَبَكَ طَعَامُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُغْنِيكَ عَنْ طَعَامِ مُحَمَّدٍ . فَغَضِبَ عُتْبَةُ ، وَأَقْسَمَ أَلَّا يُكَلِّمَ مُحَمَّدًا أَبَدًا ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا وَلَكِنِّي أَتَيْتُهُ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ [ الْقِصَّةَ ] فَأَجَابَنِي بِشَيْءٍ وَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا كِهَانَةٍ وَلَا سِحْرٍ ، وَقَرَأَ السُّورَةَ إِلَى قَوْلِهِ : ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) فَأَمْسَكْتُ بِفِيهِ ، وَنَاشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ أَنْ يَكُفَّ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ ، فَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ .
وَهَذَا السِّيَاقُ أَشْبَهُ مِنْ سِيَاقِ الْبَزَّارِ وَأَبِي يَعْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ أَوْرَدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي كِتَابِ السِّيرَةِ عَلَى خِلَافِ هَذَا النَّمَطِ ، فَقَالَ :
163
حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنْ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ - وَكَانَ سَيِّدًا - قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا أَقُومُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأُكَلِّمَهُ وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا ، فَنُعْطِيَهُ أَيَّهَا شَاءَ وَيَكُفَّ عَنَّا ؟ وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ ، وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُونَ وَيَكْثُرُونَ ، فَقَالُوا : بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ ، فَقُمْ إِلَيْهِ فَكَلِّمْهُ . فَقَامَ إِلَيْهِ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنَ السِّطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ ، وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ ، وَإِنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ قَوْمَكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، فَرَّقْتَ بِهِ جَمَاعَتَهُمْ ، وَسَفَّهْتَ بِهِ أَحْلَامَهُمْ ، وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ ، وَكَفَّرْتَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ ، فَاسْمَعْ مِنِّي أَعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنَّا بَعْضَهَا . قَالَ : فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَسْمَعْ " . قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ مِنْ أَكْثَرِنَا أَمْوَالًا . وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا ، حَتَّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ . وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا . وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رَئِيًّا تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ ، طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ ، وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتَّى نُبَرِّئَكَ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ التَّابِعُ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُدَاوَى مِنْهُ - أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ - حَتَّى إِذَا فَرَغَ عُتْبَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَمِعُ مِنْهُ قَالَ : " أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ؟ " قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " فَاسْتَمِعْ مِنِّي " قَالَ : أَفْعَلُ . قَالَ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ . فَلَمَّا سَمِعَ عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ ، ثُمَّ انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى السَّجْدَةِ مِنْهَا ، فَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ : " قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ ، فَأَنْتَ وَذَاكَ ، فَقَامَ عُتْبَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أُقْسِمُ - يَحْلِفُ بِاللَّهِ - لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ . فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهِمْ قَالُوا : مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ؟ قَالَ : وَرَائِي أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالسِّحْرِ وَلَا بِالشِّعْرِ وَلَا بِالْكِهَانَةِ . يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا لِي ، خَلُّوا بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ فَاعْتَزِلُوهُ ، فَوَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ نَبَأٌ ، فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ ، وَعِزُّهُ عِزُّكُمْ ، وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ . قَالُوا : سَحَرَكَ وَاللَّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ ! قَالَ : هَذَا رَأْيِي فِيهِ ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ .
وَهَذَا السِّيَاقُ أَشْبَهُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ( 4 ) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ( 5 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) يَعْنِي : الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) [ النَّحْلِ : 102 ] وَقَوْلِهِ : ( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 192 - 194 ] .
وَقَوْلُهُ : ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) أَيْ : بُيِّنَتْ مَعَانِيهِ وَأُحْكِمَتْ أَحْكَامُهُ ، ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) أَيْ : فِي حَالِ كَوْنِهِ لَفْظًا عَرَبِيًّا ، بَيِّنًا وَاضِحًا ، فَمَعَانِيهِ مُفَصَّلَةٌ ، وَأَلْفَاظُهُ وَاضِحَةٌ غَيْرُ مُشْكِلَةٍ ، كَقَوْلِهِ : ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) [ هُودٍ : 1 ] أَيْ : هُوَ مُعْجِزٌ مِنْ حَيْثُ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ ، ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [ فُصِّلَتْ : 42 ] .
وَقَوْلُهُ : ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) أَيْ : إِنَّمَا يَعْرِفُ هَذَا الْبَيَانَ وَالْوُضُوحَ الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ ، ( بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) أَيْ : تَارَةً يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَتَارَةً يُنْذِرُ الْكَافِرِينَ ، ( فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) أَيْ : أَكْثَرُ قُرَيْشٍ ، فَهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ شَيْئًا مَعَ بَيَانِهِ وَوُضُوحِهِ .
( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ) أَيْ : فِي غُلْفٍ مُغَطَّاةٍ ( مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ ) أَيْ : صَمَمٌ عَمَّا جِئْتَنَا بِهِ ، ( وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ) فَلَا يَصِلُ إِلَيْنَا شَيْءٌ مِمَّا تَقُولُ ، ( فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ) أَيِ : اعْمَلْ أَنْتَ عَلَى طَرِيقَتِكَ ، وَنَحْنُ عَلَى طَرِيقَتِنَا لَا نُتَابِعُكَ .
قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَمُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَجْلَحِ ، عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسَدِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقَالُوا : انْظُرُوا أَعْلَمَكُمْ بِالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالشِّعْرِ ، فَلْيَأْتِ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا ، وَشَتَّتَ أَمْرَنَا ، وَعَابَ دِينَنَا ، فَلْيُكَلِّمْهُ وَلْنَنْظُرْ مَاذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقَالُوا : مَا نَعْلَمُ أَحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ . فَقَالُوا : أَنْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ . فَأَتَاهُ عُتْبَةُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : فَإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْكَ ، فَقَدْ عَبَدُوا الْآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ ، وَإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْهُمْ فَتَكَلَّمْ حَتَّى نَسْمَعَ 162 قَوْلَكَ ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا سَخْلَةً قَطُّ أَشْأَمَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْكَ ; فَرَّقْتَ جَمَاعَتَنَا ، وَشَتَّتَّ أَمْرَنَا ، وَعِبْتَ دِينَنَا ، وَفَضَحْتَنَا فِي الْعَرَبِ ، حَتَّى لَقَدْ طَارَ فِيهِمْ أَنَّ فِي قُرَيْشٍ سَاحِرًا ، وَأَنَّ فِي قُرَيْشٍ كَاهِنًا . وَاللَّهِ مَا نَنْظُرُ إِلَّا مِثْلَ صَيْحَةِ الْحُبْلَى أَنْ يَقُومَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ ، حَتَّى نَتَفَانَى - أَيُّهَا الرَّجُلُ - إِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْحَاجَةُ جَمَعْنَا لَكَ حَتَّى تَكُونَ أَغْنَى قُرَيْشٍ رَجُلًا ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْبَاءَةُ فَاخْتَرْ أَيَّ نِسَاءِ قُرَيْشٍ [ شِئْتَ ] فَلْنُزَوِّجْكَ عَشْرًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فَرَغْتَ ؟ " قَالَ : نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) حَتَّى بَلَغَ : ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) فَقَالَ عُتْبَةُ : حَسْبُكَ ! حَسْبُكَ ! مَا عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ : " لَا " فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا : مَا وَرَاءَكَ ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ شَيْئًا أَرَى أَنَّكُمْ تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إِلَّا كَلَّمْتُهُ . قَالُوا : فَهَلْ أَجَابَكَ ؟ [ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : فَمَا قَالَ ؟ ] قَالَ : لَا وَالَّذِي نَصَبَهَا بَنِيَّةً مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ ، غَيْرَ أَنَّهُ أَنْذَرَكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ . قَالُوا : وَيْلَكَ ! يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا تَدْرِي مَا قَالَ ؟ ! قَالَ : لَا وَاللَّهِ مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصَّاعِقَةِ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً .
وَقَدْ سَاقَهُ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْأَجْلَحِ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ [ الْكُوفِيُّ ] وَقَدْ ضُعِّفَ بَعْضَ الشَّيْءِ - عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ : ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) فَأَمْسَكَ عُتْبَةُ عَلَى فِيهِ ، وَنَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ ، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى قُرَيْشٍ وَاحْتَبَسَ عَنْهُمْ . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، وَاللَّهِ مَا نَرَى عُتْبَةَ إِلَّا قَدْ صَبَا إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَأَعْجَبَهُ طَعَامُهُ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ [ قَدْ ] أَصَابَتْهُ ، فَانْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِ . فَانْطَلَقُوا إِلَيْهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : يَا عُتْبَةُ ، مَا حَبَسَكَ عَنَّا إِلَّا أَنَّكَ صَبَوْتَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَعْجَبَكَ طَعَامُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُغْنِيكَ عَنْ طَعَامِ مُحَمَّدٍ . فَغَضِبَ عُتْبَةُ ، وَأَقْسَمَ أَلَّا يُكَلِّمَ مُحَمَّدًا أَبَدًا ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا وَلَكِنِّي أَتَيْتُهُ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ [ الْقِصَّةَ ] فَأَجَابَنِي بِشَيْءٍ وَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا كِهَانَةٍ وَلَا سِحْرٍ ، وَقَرَأَ السُّورَةَ إِلَى قَوْلِهِ : ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) فَأَمْسَكْتُ بِفِيهِ ، وَنَاشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ أَنْ يَكُفَّ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ ، فَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ .
وَهَذَا السِّيَاقُ أَشْبَهُ مِنْ سِيَاقِ الْبَزَّارِ وَأَبِي يَعْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ أَوْرَدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي كِتَابِ السِّيرَةِ عَلَى خِلَافِ هَذَا النَّمَطِ ، فَقَالَ :
163
حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنْ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ - وَكَانَ سَيِّدًا - قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا أَقُومُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأُكَلِّمَهُ وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا ، فَنُعْطِيَهُ أَيَّهَا شَاءَ وَيَكُفَّ عَنَّا ؟ وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ ، وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُونَ وَيَكْثُرُونَ ، فَقَالُوا : بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ ، فَقُمْ إِلَيْهِ فَكَلِّمْهُ . فَقَامَ إِلَيْهِ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنَ السِّطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ ، وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ ، وَإِنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ قَوْمَكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، فَرَّقْتَ بِهِ جَمَاعَتَهُمْ ، وَسَفَّهْتَ بِهِ أَحْلَامَهُمْ ، وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ ، وَكَفَّرْتَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ ، فَاسْمَعْ مِنِّي أَعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنَّا بَعْضَهَا . قَالَ : فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَسْمَعْ " . قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ مِنْ أَكْثَرِنَا أَمْوَالًا . وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا ، حَتَّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ . وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا . وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رَئِيًّا تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ ، طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ ، وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتَّى نُبَرِّئَكَ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ التَّابِعُ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُدَاوَى مِنْهُ - أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ - حَتَّى إِذَا فَرَغَ عُتْبَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَمِعُ مِنْهُ قَالَ : " أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ؟ " قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " فَاسْتَمِعْ مِنِّي " قَالَ : أَفْعَلُ . قَالَ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ . فَلَمَّا سَمِعَ عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ ، ثُمَّ انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى السَّجْدَةِ مِنْهَا ، فَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ : " قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ ، فَأَنْتَ وَذَاكَ ، فَقَامَ عُتْبَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أُقْسِمُ - يَحْلِفُ بِاللَّهِ - لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ . فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهِمْ قَالُوا : مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ؟ قَالَ : وَرَائِي أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالسِّحْرِ وَلَا بِالشِّعْرِ وَلَا بِالْكِهَانَةِ . يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا لِي ، خَلُّوا بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ فَاعْتَزِلُوهُ ، فَوَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ نَبَأٌ ، فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ ، وَعِزُّهُ عِزُّكُمْ ، وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ . قَالُوا : سَحَرَكَ وَاللَّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ ! قَالَ : هَذَا رَأْيِي فِيهِ ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ .
وَهَذَا السِّيَاقُ أَشْبَهُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث