تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1671 · printed p. 184
184 ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ( 44 ) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 ) )
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْقُرْآنَ وَفَصَاحَتَهُ وَبَلَاغَتَهُ ، وَإِحْكَامَهُ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ الْمُشْرِكُونَ ، نَبَّهَ عَلَى أَنَّ كُفْرَهُمْ بِهِ كُفْرُ عِنَادٍ وَتَعَنُّتٍ ، كَمَا قَالَ : ( وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 198 ، 199 ] . وَكَذَلِكَ لَوْ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ بِلُغَةِ الْعَجَمِ ، لَقَالُوا عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ : ( لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) أَيْ : لَقَالُوا : هَلَّا أُنْزِلَ مُفَصَّلًا بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، وَلَأَنْكَرُوا ذَلِكَ وَقَالُوا : أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ؟ أَيْ : كَيْفَ يَنْزِلُ كَلَامٌ أَعْجَمِيٌّ عَلَى مُخَاطَبٍ عَرَبِيٍّ لَا يَفْهَمُهُ .
هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ : ( لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) أَيْ : هَلَّا أُنْزِلَ بَعْضُهَا بِالْأَعْجَمِيِّ ، وَبَعْضُهَا بِالْعَرَبِيِّ .
هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَكَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ بِلَا اسْتِفْهَامٍ فِي قَوْلِهِ ( أَعْجَمِيٌّ ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَهُوَ فِي [ التَّعَنُّتِ وَ ] الْعِنَادِ أَبْلَغُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) أَيْ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ : هَذَا الْقُرْآنُ لِمَنْ آمَنَ بِهِ هُدًى لِقَلْبِهِ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الشُّكُوكِ وَالرَّيْبِ ، ( وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ ) أَيْ : لَا يَفْهَمُونَ مَا فِيهِ ، ( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) أَيْ : لَا يَهْتَدُونَ إِلَى مَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 82 ] .
( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : يَعْنِي بَعِيدًا مِنْ قُلُوبِهِمْ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : مَعْنَاهُ : كَأَنَّ مَنْ يُخَاطِبُهُمْ يُنَادِيهِمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ، لَا يَفْهَمُونَ مَا يَقُولُ .
قُلْتُ : وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) [ الْبَقَرَةِ : 171 ] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : يُنَادَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَشْنَعِ أَسْمَائِهِمْ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] جَالِسًا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْضِي ، إِذْ قَالَ : يَا لَبَّيْكَاهُ . فَقَالَ عُمَرُ : لِمَ تُلَبِّي ؟ هَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا ، أَوْ دَعَاكَ أَحَدٌ ؟ قَالَ : دَعَانِي دَاعٍ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ . فَقَالَ عُمَرُ : أُولَئِكَ يُنَادُونَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) أَيْ : كُذِّبَ وَأُوذِيَ ، ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) [ الْأَحْقَافِ : 35 ] . ( وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) [ الشُّورَى : 14 ] بِتَأْخِيرِ 185 الْحِسَابِ إِلَى يَوْمِ الْمَعَادِ ، ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أَيْ : لَعُجِّلَ لَهُمُ الْعَذَابُ ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ( وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) أَيْ : وَمَا كَانَ تَكْذِيبُهُمْ لَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ مِنْهُمْ لِمَا قَالُوا ، بَلْ كَانُوا شَاكِّينَ فِيمَا قَالُوا ، غَيْرَ مُحَقِّقِينَ لِشَيْءٍ كَانُوا فِيهِ . هَكَذَا وَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith