تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1685 · printed p. 211
( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 36 ) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ( 37 ) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُحَقِّرًا بِشَأْنِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَةِ وَالنَّعِيمِ الْفَانِي ، بِقَوْلِهِ : ( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أَيْ : مَهْمَا حَصَلْتُمْ وَجَمَعْتُمْ فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ ، فَإِنَّمَا هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَهِيَ دَارٌ دَنِيئَةٌ فَانِيَةٌ زَائِلَةٌ لَا مَحَالَةَ ، ( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) أَيْ : وَثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ، وَهُوَ بَاقٍ سَرْمَدِيٌّ ، فَلَا تُقَدِّمُوا الْفَانِيَ عَلَى الْبَاقِي ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أَيْ : لِلَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى تَرْكِ الْمَلَاذِّ فِي الدُّنْيَا ، ( وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) أَيْ : لِيُعِينَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ .
ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ) وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ فِي " سُورَةِ الْأَعْرَافِ " ( وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) أَيْ : سَجِيَّتُهُمْ [ وَخَلْقُهُمْ وَطَبْعُهُمْ ] تَقْتَضِي الصَّفْحَ وَالْعَفْوَ عَنِ النَّاسِ ، لَيْسَ سَجِيَّتُهُمُ الِانْتِقَامَ مِنَ النَّاسِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : ۝ " كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ : مَا لَهُ ؟ تَرِبَتْ جَبِينُهُ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَذِلُّوا ، وَكَانُوا إِذَا قَدَرُوا عَفَوْا .
211
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ ) أَيِ : اتَّبَعُوا رُسُلَهُ وَأَطَاعُوا أَمْرَهُ ، وَاجْتَنَبُوا زَجْرَهُ ، ( وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ) وَهِيَ أَعْظَمُ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) أَيْ : لَا يُبْرِمُونَ أَمْرًا حَتَّى يَتَشَاوَرُوا فِيهِ ، لِيَتَسَاعَدُوا بِآرَائِهِمْ فِي مِثْلِ الْحُرُوبِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 159 ] وَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ [ الصَّلَاةُ ] وَالسَّلَامُ ، يُشَاوِرُهُمْ فِي الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا ، لِيُطَيِّبَ بِذَلِكَ قُلُوبَهُمْ . وَهَكَذَا لَمَّا حَضَرَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] الْوَفَاةُ حِينَ طُعِنَ ، جَعَلَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ شُورَى فِي سِتَّةِ نَفَرٍ ، وَهُمْ : عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَطَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَسَعْدٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَيْهِمْ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) وَذَلِكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ ، الْأَقْرَبِ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) أَيْ : فِيهِمْ قُوَّةُ الِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ ، لَيْسُوا بِعَاجِزِينَ وَلَا أَذِلَّةٍ ، بَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْتِقَامِ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا مَعَ هَذَا إِذَا قَدَرُوا عَفَوْا ، كَمَا قَالَ يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِإِخْوَتِهِ : ( لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ] ) [ يُوسُفَ : 92 ] ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَاخَذَتِهِمْ وَمُقَابَلَتِهِمْ عَلَى صَنِيعِهِمْ إِلَيْهِ ، وَكَمَا عَفَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ الثَّمَانِينَ الَّذِينَ قَصَدُوهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَنَزَلُوا مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ ، فَلَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِمْ مَنَّ عَلَيْهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِانْتِقَامِ ، وَكَذَلِكَ عَفْوُهُ عَنْ غَوْرَثِ بْنِ الْحَارِثِ ، الَّذِي أَرَادَ الْفَتْكَ بِهِ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] حِينَ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَهُوَ نَائِمٌ ، فَاسْتَيْقَظَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا ، فَانْتَهَرَهُ فَوَضَعَهُ مِنْ يَدِهِ ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ ، وَدَعَا أَصْحَابَهُ ، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ ، وَعَفَا عَنْهُ . وَكَذَلِكَ عَفَا عَنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ ، الَّذِي سَحَرَهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ، وَلَا عَاتَبَهُ ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ عَفْوُهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَنِ الْمَرْأَةِ الْيَهُودِيَّةِ - وَهِيَ زَيْنَبُ أُخْتُ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيِّ الْخَيْبَرِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ - الَّتِي سَمَّتِ الذِّرَاعَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَأَخْبَرَهُ الذِّرَاعُ بِذَلِكَ ، فَدَعَاهَا فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ : ۝ " مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ " قَالَتْ : أَرَدْتُ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْكَ ، فَأَطْلَقَهَا ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلَكِنْ لَمَّا مَاتَ مِنْهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ قَتَلَهَا بِهِ ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith