تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1715 · printed p. 268
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجَعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ( 21 ) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( 22 ) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ ، كَمَا قَالَ : ( لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ) [ الْحَشْرِ : 20 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ) أَيْ : عَمِلُوهَا وَكَسَبُوهَا ( أَنْ نَجَعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ) أَيْ : نُسَاوِيهِمْ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ! ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) أَيْ : سَاءَ مَا ظَنُّوا بِنَا وَبِعَدْلِنَا أَنْ نُسَاوِيَ بَيْنَ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَفِي هَذِهِ الدَّارِ .
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُوخِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ الْبَاجِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ بَنَى دِينَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِنَّ لَقِيَ اللَّهَ [ وَهُوَ ] مِنَ الْفَاسِقِينَ . قِيلَ : وَمَا هُنَّ يَا أَبَا ذَرٍّ ؟ قَالَ : يُسْلِمُ حَلَالَ اللَّهِ لِلَّهِ ، وَحَرَامَ اللَّهِ لِلَّهِ ، وَأَمْرَ اللَّهِ لِلَّهِ ، وَنَهْيَ اللَّهِ لِلَّهِ ، لَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِنَّ إِلَّا اللَّهُ .
268
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ كَمَا أَنَّهُ لَا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ الْعِنَبُ ، كَذَلِكَ لَا يَنَالُ الْفُجَّارُ مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ " .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ " السِّيرَةُ " أَنَّهُمْ وَجَدُوا حَجَرًا بِمَكَّةَ فِي أُسِّ الْكَعْبَةِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ : تَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ وَتَرْجُونَ الْحَسَنَاتِ ؟ أَجَلْ كَمَا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ الْعِنَبُ .
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجَعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )
، وَقَالَ ( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ) أَيْ : بِالْعَدْلِ ، ( وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) .
ثُمَّ قَالَ [ تَعَالَى ] ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) أَيْ : إِنَّمَا يَأْتَمِرُ بِهَوَاهُ ، فَمَهْمَا رَآهُ حَسَنًا فَعَلَهُ ، وَمَهْمَا رَآهُ قَبِيحًا تَرَكَهُ : وَهَذَا قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ .
وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ : لَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا عَبَدَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) يَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ . وَالْآخَرُ : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْعِلْمِ إِلَيْهِ ، وَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي يَسْتَلْزِمُ الْأَوَّلَ ، وَلَا يَنْعَكِسُ .
( وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) أَيْ : فَلَا يَسْمَعُ مَا يَنْفَعُهُ ، وَلَا يَعِي شَيْئًا يَهْتَدِي بِهِ ، وَلَا يَرَى حُجَّةً يَسْتَضِيءُ بِهَا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) كَقَوْلِهِ : ( مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [ الْأَعْرَافِ : 186 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith