تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 4 ) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ( 5 ) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ( 6 ) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( 7 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ ) أَيْ : جَعَلَ الطُّمَأْنِينَةَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَنْهُ : الرَّحْمَةُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : الْوَقَارُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ . وَهُمُ الصَّحَابَةُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَانْقَادُوا لِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ لِذَلِكَ ، وَاسْتَقَرَّتْ ، زَادَهُمْ إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ .
329 وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَا الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى تَفَاضِلِ الْإِيمَانِ فِي الْقُلُوبِ .
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، فَقَالَ : ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أَيْ : وَلَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَلَكًا وَاحِدًا لَأَبَادَ خَضْرَاءَهُمْ ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى شَرَّعَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْجِهَادَ وَالْقِتَالَ ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ ، وَالْبَرَاهِينِ الدَّامِغَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا )
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ) ، قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ : قَالُوا : هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا لَكَ فَمَا لَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا . ( وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ) أَيْ : خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبَهُمْ ، فَلَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهَا ، بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ ، وَيَسْتُرُ وَيَرْحَمُ وَيَشْكُرُ ، ( وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ) ، كَقَوْلِهِ ( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 185 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ) أَيْ : يَتَّهِمُونَ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ ، وَيَظُنُّونَ بِالرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ أَنْ يُقْتَلُوا وَيَذْهَبُوا بِالْكُلِّيَّةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ) أَيْ : أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) .
ثُمَّ قَالَ مُؤَكِّدًا لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنَ الْأَعْدَاءِ - أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْمُنَافِقِينَ - : ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) .
يَقُولُ تَعَالَى : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ ) أَيْ : جَعَلَ الطُّمَأْنِينَةَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَنْهُ : الرَّحْمَةُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : الْوَقَارُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ . وَهُمُ الصَّحَابَةُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَانْقَادُوا لِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ لِذَلِكَ ، وَاسْتَقَرَّتْ ، زَادَهُمْ إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ .
329 وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَا الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى تَفَاضِلِ الْإِيمَانِ فِي الْقُلُوبِ .
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، فَقَالَ : ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أَيْ : وَلَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَلَكًا وَاحِدًا لَأَبَادَ خَضْرَاءَهُمْ ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى شَرَّعَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْجِهَادَ وَالْقِتَالَ ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ ، وَالْبَرَاهِينِ الدَّامِغَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا )
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ) ، قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ : قَالُوا : هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا لَكَ فَمَا لَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا . ( وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ) أَيْ : خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبَهُمْ ، فَلَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهَا ، بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ ، وَيَسْتُرُ وَيَرْحَمُ وَيَشْكُرُ ، ( وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ) ، كَقَوْلِهِ ( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 185 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ) أَيْ : يَتَّهِمُونَ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ ، وَيَظُنُّونَ بِالرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ أَنْ يُقْتَلُوا وَيَذْهَبُوا بِالْكُلِّيَّةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ) أَيْ : أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) .
ثُمَّ قَالَ مُؤَكِّدًا لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنَ الْأَعْدَاءِ - أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْمُنَافِقِينَ - : ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith