تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 174 · printed p. 541
( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ ( 197 ) )
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : [ تَقْدِيرُهُ ] الْحَجُّ حَجُّ أَشْهَرٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِيهَا أَكْمَلُ مِنَ الْإِحْرَامِ بِهِ فِيمَا عَدَاهَا ، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ صَحِيحًا ، وَالْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ 541 بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَبِهِ يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) [ الْبَقَرَةِ : 189 ] وَبِأَنَّهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ . فَصَحَّ الْإِحْرَامُ بِهِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ كَالْعُمْرَةِ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِهِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَهَا لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِهِ ، وَهَلْ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً ؟ فِيهِ قَوْلَانِ عَنْهُ . وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِهِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) وَظَاهِرُهُ التَّقْدِيرُ الْآخَرُ الذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ النُّحَاةُ ، وَهُوَ أَنَّ : وَقْتَ الْحَجِّ أَشْهَرٌ مَعْلُومَاتٌ ، فَخَصَّصَهُ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَهَا ، كَمِيقَاتِ الصَّلَاةِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي شُهُورِ الْحَجِّ ، مِنْ أَجْلِ قَوْلِ اللَّهِ : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ السُّوسِيِّ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ قَالَ : مِنَ السُّنَّةِ أَلَّا يُحْرِمَ [ بِالْحَجِّ ] إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ .
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ : " مِنَ السُّنَّةِ كَذَا " فِي حَكَمِ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ، وَلَا سِيَّمَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرًا لِلْقُرْآنِ ، وَهُوَ تُرْجُمَانُهُ .
وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ، قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ " لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ " .
وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ . لَكِنْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ : أَيُهَلُّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ؟ فَقَالَ : لَا .
وَهَذَا الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنَ الْمَرْفُوعِ ، وَيَبْقَى حِينَئِذٍ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ ، يَتَقَوَّى بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِهِ " . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : هِيَ شَوَّالٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ . وَهَذَا الذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَوْصُولًا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ 542 حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرْزَةَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) قَالَ : شَوَّالٌ ، وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ .
إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، عَنِ الْأَصَمِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ : عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ .
قُلْتُ : وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَمَكْحُولٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ . وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : وَصَحَّ إِطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ لِلتَّغْلِيبِ ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : " زُرْتُهُ الْعَامَ ، وَرَأَيْتُهُ الْيَوْمَ " . وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْعَامِ وَالْيَوْمِ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 203 ] وَإِنَّمَا تَعَجَّلَ فِي يَوْمٍ وَنِصْفٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ [ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ] : هِيَ : شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا ; قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لَنَافِعٍ : أَسْمَعْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُسَمِّي شُهُورَ الْحَجِّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُسَمِّي : " شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ " . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ جُرَيْجٍ . وَقَدْ حُكِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَقَتَادَةَ . وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ، وَلَكِنَّهُ مَوْضُوعٌ ، رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ بْنِ مُخَارِقٍ وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِالْوَضْعِ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " الْحَجُّ أَشْهَرٌ مَعْلُومَاتٌ : شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ " .
وَهَذَا كَمَا رَأَيْتُ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفَائِدَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْحَجِّ ، فَيُكْرَهُ الِاعْتِمَارُ فِي بَقِيَّةِ 543 ذِي الْحِجَّةِ ، لَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْحَجُّ بَعْدَ لَيْلَةِ النَّحْرِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : الْحَجُّ أَشْهَرٌ مَعْلُومَاتٌ ، لَيْسَ فِيهَا عُمْرَةٌ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : إِنَّمَا أَرَادَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ لَيْسَتْ أَشْهُرَ الْعُمْرَةِ ، إِنَّمَا هِيَ لِلْحَجِّ ، وَإِنْ كَانَ عَمَلُ الْحَجِّ قَدِ انْقَضَى بِانْقِضَاءِ أَيَّامِ مِنًى ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : مَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَشُكُّ فِي أَنَّ عُمْرَةً فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ .
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ : سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَقَالَ : كَانُوا لَا يَرَوْنَهَا تَامَّةً .
قُلْتُ : وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُمَا كَانَا يُحِبَّانِ الِاعْتِمَارَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَيَنْهَيَانِ عَنْ ذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) أَيْ : أَوْجَبَ بِإِحْرَامِهِ حَجًّا . فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى لُزُومِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْمُضِيِّ فِيهِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْفَرْضِ هَاهُنَا الْإِيجَابُ وَالْإِلْزَامُ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) يَقُولُ : مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ . وَقَالَ عَطَاءٌ : الْفَرْضُ الْإِحْرَامُ . وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ قَالَ ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلَبِّيَ بِالْحَجِّ ثُمَّ يُقِيمَ بِأَرْضٍ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَقَتَادَةَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ .
وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : هُوَ التَّلْبِيَةُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَا رَفَثَ ) أَيْ : مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ ، فَلْيَجْتَنِبِ الرَّفَثَ ، وَهُوَ الْجِمَاعُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) [ الْبَقَرَةِ : 187 ] ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ تَعَاطِي دَوَاعِيهِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّقْبِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَكَذَا التَّكَلُّمُ بِهِ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ : أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : الرَّفَثُ إِتْيَانُ النِّسَاءِ ، وَالتَّكَلُّمُ بِذَلِكَ : الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ إِذَا ذَكَرُوا ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، مِثْلَهُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرَّيَّاحِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَحْدُو وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهُوَ يَقُولُ :
﴿﴾ وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ﴿﴾ ﴿﴾ إِنْ يَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنَلْ لَمِيسَا ﴿﴾
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فَقُلْتُ : تَكَلَّمُ بِالرَّفَثِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ ؟ ! قَالَ : إِنَّمَا الرَّفَثُ مَا قِيلَ عِنْدَ النِّسَاءِ .
544
وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ عَوْنٍ حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ حُصَيْنٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي حُصَيْنُ بْنُ قَيْسٍ ، قَالَ : أَصْعَدْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَاجِّ ، وَكُنْتُ خَلِيلًا لَهُ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ إِحْرَامِنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَأَخَذَ بِذَنَبِ بَعِيرِهِ فَجَعَلَ يَلْوِيهِ وَ [ هُوَ ] يَرْتَجِزُ ، وَيَقُولُ :
﴿﴾ وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ﴿﴾ ﴿﴾ إِنْ يَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنَلْ لَمِيسَا ﴿﴾
قَالَ : فَقُلْتُ : أَتَرْفَثُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا الرَّفَثُ مَا قِيلَ عِنْدَ النِّسَاءِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ) قَالَ : الرَّفَثُ التَّعْرِيضُ بِذِكْرِ الْجِمَاعِ ، وَهِيَ الْعَرَابَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَهُوَ أَدْنَى الرَّفَثِ .
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : الرَّفَثُ : الْجِمَاعُ ، وَمَا دُونَهُ مِنْ قَوْلِ الْفُحْشِ ، وَكَذَا قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . وَقَالَ عَطَاءٌ : كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَرَابَةَ ، وَهُوَ التَّعْرِيضُ بِذِكْرِ الْجِمَاعِ وَهُوَ مُحْرِمٌ .
وَقَالَ طَاوُسٌ : هُوَ أَنْ تَقُولَ لِلْمَرْأَةِ : إِذَا حَلَلْتِ أَصَبْتُكِ . وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الرَّفَثُ : غِشْيَانُ النِّسَاءِ وَالْقُبَلُ وَالْغَمْزُ ، وَأَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَابْنُ عُمَرَ : الرَّفَثُ : غِشْيَانُ النِّسَاءِ . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَكْحُولٌ ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعَطِيَّةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالرَّبِيعُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا فُسُوقَ ) قَالَ مِقْسَمٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هِيَ الْمَعَاصِي . وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَابْنُ أَبَانَ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الْفُسُوقُ : مَا أُصِيبَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ بِهِ صَيْدٌ أَوْ غَيْرُهُ . وَكَذَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : الْفُسُوقُ إِتْيَانُ مَعَاصِي اللَّهِ فِي الْحَرَمِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْفُسُوقُ هَاهُنَا السِّبَابُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ . وَقَدْ يَتَمَسَّكُ لِهَؤُلَاءِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ۝ " سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ " .
545
وَلِهَذَا رَوَاهُ هَاهُنَا الْحَبْرُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ " . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : الْفُسُوقُ هَاهُنَا : الذَّبْحُ لِلْأَصْنَامِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) [ الْأَنْعَامِ : 145 ] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : الْفُسُوقُ : التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ .
وَالَّذِينَ قَالُوا : الْفُسُوقُ هَاهُنَا هُوَ جَمِيعُ الْمَعَاصِي ، مَعَهُمُ الصَّوَابُ ، كَمَا نَهَى تَعَالَى عَنِ الظُّلْمِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، وَإِنْ كَانَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ ، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ آكَدُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) [ التَّوْبَةِ : 36 ] ، وَقَالَ فِي الْحَرَمِ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) [ الْحَجِّ : 25 ] .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْفُسُوقَ هَاهُنَا : هُوَ ارْتِكَابُ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي الْإِحْرَامِ ، مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) فِيهِ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : وَلَا مُجَادَلَةَ فِي وَقْتِ الْحَجِّ وَفِي مَنَاسِكِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ أَتَمَّ بَيَانٍ وَوَضَّحَهُ أَكْمَلَ إِيضَاحٍ . كَمَا قَالَ وَكِيعٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أَشْهُرَ الْحَجِّ ، فَلَيْسَ فِيهِ جِدَالٌ بَيْنَ النَّاسِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) قَالَ : لَا شَهْرَ يُنْسَأُ ، وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، قَدْ تَبَيَّنَ ، ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَصْنَعُونَ فِي النَّسِيءِ الذِي ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِهِ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) قَالَ : قَدِ اسْتَقَامَ الْحَجُّ ، فَلَا جِدَالَ فِيهِ . وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) قَالَ : الْمِرَاءُ فِي الْحَجِّ .
546
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) فَالْجِدَالُ فِي الْحَجِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَقِفُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ ، وَغَيْرُهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ ، وَكَانُوا يَتَجَادَلُونَ ، يَقُولُ هَؤُلَاءِ : نَحْنُ أَصْوَبُ . وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ : نَحْنُ أَصْوَبُ . فَهَذَا فِيمَا نَرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : كَانُوا يَقِفُونَ مَوَاقِفَ مُخْتَلِفَةً يَتَجَادَلُونَ ، كُلُّهُمْ يَدَّعِي أَنَّ مَوْقِفَهُ مَوْقِفُ إِبْرَاهِيمَ فَقَطَعَهُ اللَّهُ حِينَ أَعْلَمَ نَبِيَّهُ بِالْمَنَاسِكِ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا اجْتَمَعَتْ بِمِنًى قَالَ هَؤُلَاءِ : حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ . وَقَالَ هَؤُلَاءِ : حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ جَبْرِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : الْجِدَالُ فِي الْحَجِّ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمُ : الْحَجُّ غَدًا . وَيَقُولَ بَعْضُهُمُ : الْيَوْمَ .
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ مَضْمُونَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ، وَهُوَ قَطْعُ التَّنَازُعِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِدَالِ هَاهُنَا : الْمُخَاصَمَةُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) قَالَ : أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ .
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ " الْجِدَالِ " قَالَ : الْمِرَاءُ ، تُمَارِي صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ . وَكَذَا رَوَى مِقْسَمٌ وَالضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) قَالَ الْجِدَالُ : الْمِرَاءُ وَالْمُلَاحَاةُ ، حَتَّى تُغْضِبَ أَخَاكَ وَصَاحِبَكَ ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) قَالَ : كَانُوا يَكْرَهُونَ الْجِدَالَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : الْجِدَالُ : السِّبَابُ وَالْمُنَازَعَةُ . وَكَذَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : الْجِدَالُ فِي الْحَجِّ : السِّبَابُ ، وَالْمِرَاءُ ، وَالْخُصُومَاتُ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، قَالُوا : الْجِدَالُ الْمِرَاءُ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) وَالْجِدَالُ الْغَضَبُ ، أَنْ تُغْضِبَ عَلَيْكَ مُسْلِمًا ، إِلَّا أَنْ تَسْتَعْتِبَ مَمْلُوكًا فَتُغْضِبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَضْرِبَهُ ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
547
قُلْتُ : وَلَوْ ضَرَبَهُ لَكَانَ جَائِزًا سَائِغًا . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ۝ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّاجًا ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي . وَكَانَتْ زِمَالَةُ أَبِي بَكْرٍ وَزِمَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً مَعَ غُلَامِ أَبِي بَكْرٍ ، فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُهُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ ، فَأَطْلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ ، فَقَالَ : أَيْنَ بَعِيرُكَ ؟ فَقَالَ : أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ ؟ فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ : " انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ ؟ " .
وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ . وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ حَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ : مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ ضَرْبُ الْجِمَالِ . وَلَكِنْ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ : " انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ ؟ " كَهَيْئَةِ الْإِنْكَارِ اللَّطِيفِ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَنْ قَضَى نُسُكَهُ ، وَسَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ) لَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ إِتْيَانِ الْقَبِيحِ قَوْلَا وَفِعْلًا حَثَّهُمْ عَلَى فِعْلِ الْجَمِيلِ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ أُنَاسٌ يَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِيهِمْ لَيْسَتْ مَعَهُمْ أَزْوِدَةٌ ، يَقُولُونَ : نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ وَلَا يُطْعِمُنَا . فَقَالَ اللَّهُ : تَزَوَّدُوا مَا يَكُفُّ وُجُوهَكُمْ عَنِ النَّاسِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : قَالَ : إِنَّ نَاسًا كَانُوا يَحُجُّونَ بِغَيْرِ زَادٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى )
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمْرٍو وَهُوَ الْفَلَّاسُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَرَقْاءُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ : وَمَا يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَصَحُّ .
548
قُلْتُ : قَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ قَالَ ] كَانَ نَاسٌ يَحُجُّونَ بِغَيْرِ زَادٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) . وَأَمَّا حَدِيثُ وَرْقَاءَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ شَبَابَةَ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَحْمَدَ بْنِ الْفُرَاتِ الرَّازِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرَّمِيِّ ، عَنْ شَبَابَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ ، وَيَقُولُونَ : نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) .
وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنْ شَبَابَةَ [ بِهِ ] . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ شَبَابَةَ ، بِهِ .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ [ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ] عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا وَمَعَهُمْ أَزْوَادُهُمْ رَمَوْا بِهَا ، وَاسْتَأْنَفُوا زَادًا آخَرَ ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ، وَأُمِرُوا أَنْ يَتَزَوَّدُوا الْكَعْكَ وَالدَّقِيقَ وَالسَّوِيقَ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : فَتَزَوَّدُوا الدَّقِيقَ وَالسَّوِيقَ وَالْكَعْكَ وَقَالَ وَكِيعُ [ بْنُ الْجَرَّاحِ ] فِي تَفْسِيرِهِ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( وَتَزَوَّدُوا ) قَالَ : الْخُشْكَنَانْجُ وَالسَّوِيقُ . وَقَالَ وَكِيعٌ أَيْضًا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْمَكِّيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : إِنَّ مِنْ كَرَمِ الرَّجُلِ طِيبَ زَادِهِ فِي السَّفَرِ . وَزَادَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ الْجَوْزَةَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالزَّادِ لِلسَّفَرِ فِي الدُّنْيَا أَرْشَدَهُمْ إِلَى زَادِ الْآخِرَةِ ، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ التَّقْوَى إِلَيْهَا ، كَمَا قَالَ : ( وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) [ الْأَعْرَافِ : 26 ] . لَمَّا ذَكَرَ اللَّبَاسَ الْحِسِّيَّ نَبَّهَ مُرْشِدًا إِلَى اللَّبَاسِ الْمَعْنَوِيِّ ، وَهُوَ الْخُشُوعُ ، وَالطَّاعَةُ وَالتَّقْوَى ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ هَذَا ، وَأَنْفَعُ .
قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ فِي قَوْلِهِ : ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) يَعْنِي : زَادَ الْآخِرَةِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ 549 مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ قَالَ ] : ۝ " مَنْ يَتَزَوَّدْ فِي الدُّنْيَا يَنْفَعْهُ فِي الْآخِرَةِ " .
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَتَزَوَّدُوا ) قَامَ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا نَجِدُ زَادًا نَتَزَوَّدُهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " تَزَوَّدْ مَا تَكُفُّ بِهِ وَجْهَكَ عَنِ النَّاسِ ، وَخَيْرُ مَا تَزَوَّدْتُمُ التَّقْوَى " . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) يَقُولُ : وَاتَّقُوا عِقَابِي ، وَنَكَالِي ، وَعَذَابِي ، لِمَنْ خَالَفَنِي وَلَمْ يَأْتَمِرْ بِأَمْرِي ، يَا ذَوِي الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ .

■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith