تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1779 · printed p. 442
442 تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّجْمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ۝ أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ : ( وَالنَّجْمِ ) ، قَالَ : فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ ، إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا ، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، بِهِ . وَقَوْلُهُ فِي الْمُمْتَنِعِ : إِنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُشْكِلٌ ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ( 1 ) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ( 2 ) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ( 4 ) ) .
قَالَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ : الْخَالِقُ يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ ، وَالْمَخْلُوقُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقْسِمَ إِلَّا بِالْخَالِقِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ) فَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَعْنِي بِالنَّجْمِ : الثُّرَيَّا إِذَا سَقَطَتْ مَعَ الْفَجْرِ . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَزَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهَا الزُّهْرَةُ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ) إِذَا رُمِيَ بِهِ الشَّيَاطِينُ . وَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ اتِّجَاهٌ .
وَرَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ) يَعْنِي : الْقُرْآنُ إِذَا نَزَلَ . وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الْوَاقِعَةِ : 75 - 80 ] .
وَقَوْلُهُ : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ لِلرَّسُولِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ لَيْسَ بِضَالٍّ ، وَهُوَ الْجَاهِلُ الَّذِي يَسْلُكُ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ 443 بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَالْغَاوِي : هُوَ الْعَالِمُ بِالْحَقِّ الْعَادِلُ عَنْهُ قَصْدًا إِلَى غَيْرِهِ ، فَنَزَّهَ اللَّهُ [ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ] رَسُولَهُ وَشَرْعَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ أَهْلِ الضَّلَالِ كَالنَّصَارَى وَطَرَائِقِ الْيَهُودِ ، وَعَنْ عِلْمِ الشَّيْءِ وَكِتْمَانِهِ وَالْعَمَلِ بِخِلَافِهِ ، بَلْ هُوَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، وَمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ الْعَظِيمِ فِي غَايَةِ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْتِدَالِ وَالسَّدَادِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) أَيْ : مَا يَقُولُ قَوْلًا عَنْ هَوًى وَغَرَضٍ ، ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) أَيْ : إِنَّمَا يَقُولُ مَا أُمِرَ بِهِ ، يُبَلِّغُهُ إِلَى النَّاسِ كَامِلًا مُوَفَّرًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .
حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ; أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ۝ " لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مِثْلُ الْحَيَّيْنِ - أَوْ : مِثْلُ أَحَدِ الْحَيَّيْنِ - : رَبِيعَةَ وَمُضَرَ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَمَا رَبِيعَةُ مِنْ مُضَرَ ؟ قَالَ : " إِنَّمَا أَقُولُ مَا أَقُولُ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : ۝ كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيدُ حِفْظَهُ ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ فَقَالُوا : إِنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشَرٌ ، يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ . فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " اكْتُبْ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا حَقٌّ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّدٍ وَأَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، بِهِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ مَا أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ الَّذِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَهُوَ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ " . ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " ۝ لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا " . قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : فَإِنَّكَ تُدَاعِبُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith