تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1791 · printed p. 480
( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 ) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ( 26 ) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 ) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ( 28 ) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ( 29 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 30 ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ( 31 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 32 ) ) .
وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ ثَمُودَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ صَالِحًا ، ( فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ) ، يَقُولُونَ : لَقَدْ خِبْنَا وَخَسِرْنَا إِنْ سَلَّمْنَا كُلُّنَا قِيَادَنَا لِوَاحِدٍ مِنَّا !
ثُمَّ تَعَجَّبُوا مِنْ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ خَاصَّةً مِنْ دُونِهِمْ ، ثُمَّ رَمَوْهُ بِالْكَذِبِ فَقَالُوا : ( بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ) أَيْ : مُتَجَاوِزٌ فِي حَدِّ الْكَذِبِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ) وَهَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ ) أَيِ : اخْتِبَارًا لَهُمْ ; أَخْرَجَ اللَّهُ لَهُمْ نَاقَةً عَظِيمَةً عُشَرَاءَ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ طِبْقَ مَا سَأَلُوا ، لِتَكُونَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي تَصْدِيقِ صَالِحٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ .
ثُمَّ قَالَ آمِرًا لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَالِحٍ : ( فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ) أَيِ : انْتَظِرْ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ ، وَاصْبِرْ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَالنَّصْرَ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، ( وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ) أَيْ : يَوْمٌ لَهُمْ وَيَوْمٌ لِلنَّاقَةِ ; كَقَوْلِهِ : ( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) [ الشُّعَرَاءِ : 155 ] .
وَقَوْلُهُ : ( كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : إِذَا غَابَتْ حَضَرُوا الْمَاءَ ، وَإِذَا جَاءَتْ حَضَرُوا اللَّبَنَ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هُوَ عَاقِرُ النَّاقَةِ ، وَاسْمُهُ قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ ، وَكَانَ أَشْقَى قَوْمِهِ . كَقَوْلِهِ : ( إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ) [ الشَّمْسِ : 12 ] . ) فَتَعَاطَى ) أَيْ : فَجَسَرَ
( فَعَقَرَ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) أَيْ : فَعَاقَبْتُهُمْ ، فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِي [ لَهُمْ ] عَلَى كُفْرِهِمْ بِي 480 وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولِي ؟ ( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) أَيْ : فَبَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ ، وَخَمَدُوا وَهَمَدُوا كَمَا يَهْمُدُ يَبِيسُ الزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ . قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ . وَالْمُحْتَظِرُ - قَالَ السُّدِّيُّ - : هُوَ الْمَرْعَى بِالصَّحْرَاءِ حِينَ يَبِسَ وَتَحَرَّقَ وَنَسَفَتْهُ الرِّيحُ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَتِ الْعَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظَارًا عَلَى الْإِبِلِ وَالْمَوَاشِي مَنْ يَبِيسِ الشَّوْكِ ، فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ : ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) : هُوَ التُّرَابُ الْمُتَنَاثِرُ مِنَ الْحَائِطِ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith