تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) )
( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ( 17 ) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ( 18 ) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ( 19 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) أَيْ : طَهَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ ، وَتَابَعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) أَيْ : أَقَامَ الصَّلَاةَ فِي أَوْقَاتِهَا ; ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَطَاعَةً لِأَمْرِ اللَّهِ وَامْتِثَالًا لِشَرْعِ اللَّهِ . وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ :
حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) قَالَ : " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ ، وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ " ، ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) قَالَ : " هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَالِاهْتِمَامُ بِهَا " .
ثُمَّ قَالَ لَا يُرْوَى عَنْ جَابِرٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ فَقَالَ لِي : إِذَا غَدَوْتَ غَدًا إِلَى الْعِيدِ فَمُرَّ بِي . قَالَ : فَمَرَرْتُ بِهِ فَقَالَ : هَلْ طَعِمْتَ شَيْئًا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : أَفَضْتَ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الْمَاءِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي مَا فَعَلْتَ بِزَكَاتِكَ ؟ قُلْتُ : وَكَأَنَّكَ قُلْتَ : قَدْ وَجَّهْتَهَا ؟ قَالَ : إِنَّمَا أَرَدْتُكَ لِهَذَا . ثُمَّ قَرَأَ : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) وَقَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ صَدَقَةً أَفْضَلَ مِنْهَا وَمِنْ سِقَايَةِ الْمَاءِ .
382
قُلْتُ : وَكَذَلِكَ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ ، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى )
وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ : إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ سَائِلٌ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ ، فَلْيُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ صَلَاتِهِ زَكَاتَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى )
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) زَكَّى مَالَهُ وَأَرْضَى خَالِقَهُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) أَيْ : تُقَدِّمُونَهَا عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَتُبْدُونَهَا عَلَى مَا فِيهِ نَفْعُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ ، ( وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) أَيْ : ثَوَابُ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَأَبْقَى ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَنِيَّةٌ فَانِيَةٌ ، وَالْآخِرَةَ شَرِيفَةٌ بَاقِيَةٌ ، فَكَيْفَ يُؤْثِرُ عَاقِلٌ مَا يَفْنَى عَلَى مَا يَبْقَى ، وَيَهْتَمُّ بِمَا يَزُولُ عَنْهُ قَرِيبًا ، وَيَتْرُكُ الِاهْتِمَامَ بِدَارِ الْبَقَاءِ وَالْخُلْدِ ؟!
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا ذُوَيْدٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَرْفَجَةِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) فَلَمَّا بَلَغَ : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) تَرَكَ الْقِرَاءَةِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ : آثَرْنَا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ . فَسَكَتَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ : آثَرْنَا الدُّنْيَا لِأَنَّا رَأَيْنَا زِينَتَهَا وَنِسَاءَهَا وَطَعَامَهَا وَشَرَابَهَا ، وَزُوِيَتْ عَنَّا الْآخِرَةُ فَاخْتَرْنَا هَذَا الْعَاجِلَ وَتَرَكْنَا الْآجِلَ .
وَهَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّوَاضُعِ وَالْهَضْمِ ، أَوْ هُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْخُزَاعِيِّ ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، بِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : 383 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كَانَ كُلُّ هَذَا - أَوْ : كَانَ هَذَا - فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى " .
ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُ أَسْنَدَ الثِّقَاتَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرَ هَذَا ، وَحَدِيثًا آخَرَ أَوْرَدَهُ قَبْلَ هَذَا .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) قَالَ : كُلُّهَا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ، فَلَمَّا نَزَلَتْ : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) [ النَّجْمِ : 37 ] قَالَ : وَفَّى ( أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) [ النَّجْمِ : 38 ] .
يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ " النَّجْمِ " : ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ) [ النَّجْمِ : 36 - 42 ] الْآيَاتِ إِلَى آخِرِهِنَّ . وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ - فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مِهْرَانَ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ - فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) يَقُولُ : الْآيَاتُ الَّتِي فِي سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : قِصَّةُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( إِنَّ هَذَا ) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ هَذَا ) أَيْ : مَضْمُونُ هَذَا الْكَلَامِ ( لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) .
وَهَذَا اخْتِيَارٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ ، نَحْوُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " سَبِّحْ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ( 17 ) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ( 18 ) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ( 19 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) أَيْ : طَهَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ ، وَتَابَعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) أَيْ : أَقَامَ الصَّلَاةَ فِي أَوْقَاتِهَا ; ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَطَاعَةً لِأَمْرِ اللَّهِ وَامْتِثَالًا لِشَرْعِ اللَّهِ . وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ :
حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) قَالَ : " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ ، وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ " ، ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) قَالَ : " هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَالِاهْتِمَامُ بِهَا " .
ثُمَّ قَالَ لَا يُرْوَى عَنْ جَابِرٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ فَقَالَ لِي : إِذَا غَدَوْتَ غَدًا إِلَى الْعِيدِ فَمُرَّ بِي . قَالَ : فَمَرَرْتُ بِهِ فَقَالَ : هَلْ طَعِمْتَ شَيْئًا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : أَفَضْتَ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الْمَاءِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي مَا فَعَلْتَ بِزَكَاتِكَ ؟ قُلْتُ : وَكَأَنَّكَ قُلْتَ : قَدْ وَجَّهْتَهَا ؟ قَالَ : إِنَّمَا أَرَدْتُكَ لِهَذَا . ثُمَّ قَرَأَ : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) وَقَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ صَدَقَةً أَفْضَلَ مِنْهَا وَمِنْ سِقَايَةِ الْمَاءِ .
382
قُلْتُ : وَكَذَلِكَ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ ، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى )
وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ : إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ سَائِلٌ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ ، فَلْيُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ صَلَاتِهِ زَكَاتَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى )
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) زَكَّى مَالَهُ وَأَرْضَى خَالِقَهُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) أَيْ : تُقَدِّمُونَهَا عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَتُبْدُونَهَا عَلَى مَا فِيهِ نَفْعُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ ، ( وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) أَيْ : ثَوَابُ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَأَبْقَى ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَنِيَّةٌ فَانِيَةٌ ، وَالْآخِرَةَ شَرِيفَةٌ بَاقِيَةٌ ، فَكَيْفَ يُؤْثِرُ عَاقِلٌ مَا يَفْنَى عَلَى مَا يَبْقَى ، وَيَهْتَمُّ بِمَا يَزُولُ عَنْهُ قَرِيبًا ، وَيَتْرُكُ الِاهْتِمَامَ بِدَارِ الْبَقَاءِ وَالْخُلْدِ ؟!
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا ذُوَيْدٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَرْفَجَةِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) فَلَمَّا بَلَغَ : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) تَرَكَ الْقِرَاءَةِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ : آثَرْنَا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ . فَسَكَتَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ : آثَرْنَا الدُّنْيَا لِأَنَّا رَأَيْنَا زِينَتَهَا وَنِسَاءَهَا وَطَعَامَهَا وَشَرَابَهَا ، وَزُوِيَتْ عَنَّا الْآخِرَةُ فَاخْتَرْنَا هَذَا الْعَاجِلَ وَتَرَكْنَا الْآجِلَ .
وَهَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّوَاضُعِ وَالْهَضْمِ ، أَوْ هُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْخُزَاعِيِّ ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، بِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : 383 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كَانَ كُلُّ هَذَا - أَوْ : كَانَ هَذَا - فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى " .
ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُ أَسْنَدَ الثِّقَاتَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرَ هَذَا ، وَحَدِيثًا آخَرَ أَوْرَدَهُ قَبْلَ هَذَا .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) قَالَ : كُلُّهَا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ، فَلَمَّا نَزَلَتْ : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) [ النَّجْمِ : 37 ] قَالَ : وَفَّى ( أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) [ النَّجْمِ : 38 ] .
يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ " النَّجْمِ " : ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ) [ النَّجْمِ : 36 - 42 ] الْآيَاتِ إِلَى آخِرِهِنَّ . وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ - فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مِهْرَانَ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ - فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) يَقُولُ : الْآيَاتُ الَّتِي فِي سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : قِصَّةُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( إِنَّ هَذَا ) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ هَذَا ) أَيْ : مَضْمُونُ هَذَا الْكَلَامِ ( لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) .
وَهَذَا اخْتِيَارٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ ، نَحْوُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " سَبِّحْ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith