تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1975 · printed p. 472
472 تَفْسِيرُ سُورَةِ التَّكَاثُرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ( 2 ) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ( 8 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : شَغَلَكُمْ حُبُّ الدُّنْيَا وَنَعِيمُهَا وَزَهْرَتُهَا عَنْ طَلَبِ الْآخِرَةِ وَابْتِغَائِهَا ، وَتَمَادَى بِكُمْ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَكُمُ الْمَوْتُ وَزُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ، وَصِرْتُمْ مِنْ أَهْلِهَا ؟!
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْوَقَارُ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الدَّايِمِ ، عَنِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) عَنِ الطَّاعَةِ ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَوْتُ " .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي " الرَّقَاقِ " مِنْهُ : وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) يَعْنِي : " لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مُطَرِّفٍ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الشَّخِّيرِ - عَنْ أَبِيهِ قَالَ : انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : ۝ " ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي مَالِي . وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ؟ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ بِهِ .
وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " يَقُولُ الْعَبْدُ : مَالِي مَالِي ؟ وَإِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ : مَا أَكَلَ فَأَفْنَى ، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى ، أَوْ تَصَدَّقَ فَاقْتَنَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ " . تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ .
473
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ : يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ " .
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَبْقَى مِنْهُ اثْنَتَانِ : الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ " . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ .
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ ، فِي تَرْجَمَةِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - وَاسْمُهُ الضَّحَّاكُ - أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَجُلٍ دِرْهَمًا فَقَالَ : لِمَنْ هَذَا الدِّرْهَمُ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : لِي . فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ لَكَ إِذَا أَنْفَقْتَهُ فِي أَجْرٍ أَوِ ابْتِغَاءِ شُكْرٍ . ثُمَّ أَنْشَدَ الْأَحْنَفُ مُتَمَثِّلًا قَوْلَ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ أَنْتَ لِلْمَالِ إِذَا أَمْسَكْتَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ فَإِذَا أَنْفَقْتَهُ فَالْمَالُ لَكْ ﴿﴾
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ ، حَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) قَالَ : نَزَلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي حَارِثَةَ وَبَنِي الْحَارِثِ ، تَفَاخَرُوا وَتَكَاثَرُوا ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا : فِيكُمْ مِثْلُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، وَفُلَانٍ ؟ وَقَالَ الْآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ ، تَفَاخَرُوا بِالْأَحْيَاءِ ، ثُمَّ قَالُوا : انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى الْقُبُورِ . فَجَعَلَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَقُولُ : فِيكُمْ مِثْلُ فُلَانٍ ؟ يُشِيرُونَ إِلَى الْقَبْرِ - وَمِثْلُ فُلَانٍ ؟ وَفَعَلَ الْآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيمَا رَأَيْتُمْ عِبْرَةٌ وَشُغْلٌ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) كَانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أَكْثَرُ مَنْ بَنِي فُلَانٍ وَنَحْنُ أَعَدُّ مَنْ بَنِي فُلَانٍ ، وَهُمْ كُلُّ يَوْمٍ يَتَسَاقَطُونَ إِلَى آخِرِهِمْ ، وَاللَّهِ مَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى صَارُوا مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ كُلُّهُمْ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) أَيْ : صِرْتُمْ إِلَيْهَا وَدُفِنْتُمْ فِيهَا ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ يَعُودُهُ ، فَقَالَ : " لَا بَأْسَ ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " . فَقَالَ : قُلْتَ : طَهُورٌ ؟! بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ ! قَالَ : " فَنَعَمْ إِذًا " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ، أَخْبَرَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ الرَّازِّيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : مَا زِلْنَا نَشُكُّ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ حَتَّى نَزَلَتْ : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ )
474
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ حَكَّامِ بْنِ سَلْمٍ [ بِهِ ] وَقَالَ : غَرِيبٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ دَاوُدَ الْعُرَضِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَقَرَأَ : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) فَلَبِثَ هُنَيْهَةً فَقَالَ : يَا مَيْمُونُ ، مَا أَرَى الْمَقَابِرَ إِلَّا زِيَارَةً ، وَمَا لِلزَّائِرِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : يَعْنِي أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ - إِلَى جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ . وَهَكَذَا ذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ الْأَعْرَابِ سَمِعَ رَجُلًا يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ : ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) فَقَالَ : بُعِثَ الْيَوْمَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . أَيْ : إِنَّ الزَّائِرَ سَيَرْحَلُ مِنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : هَذَا وَعِيدٌ بَعْدَ وَعِيدٍ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) يَعْنِي : الْكُفَّارَ ( ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) يَعْنِي : أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ .
وَقَوْلُهُ : ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ) أَيْ : لَوْ عَلِمْتُمْ حَقَّ الْعِلْمِ ، لَمَا أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ عَنْ طَلَبِ الدَّارِ الْآخِرَةِ ، حَتَّى صِرْتُمْ إِلَى الْمَقَابِرِ .
ثُمَّ قَالَ : ( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) هَذَا تَفْسِيرُ الْوَعِيدِ الْمُتَقَدِّمُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) تَوَعَّدَهُمْ بِهَذَا الْحَالِ ، وَهِيَ رُؤْيَةُ النَّارِ الَّتِي إِذَا زَفَرَتْ زَفْرَةً خَرَّ كُلُّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ، وَنَبِيٍّ مُرْسَلٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، مِنَ الْمَهَابَةِ وَالْعَظَمَةِ وَمُعَايَنَةِ الْأَهْوَالِ ، عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) أَيْ : ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ ، مِنَ الصِّحَّةِ وَالْأَمْنِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . مَا إِذَا قَابَلْتُمْ بِهِ نِعَمَهُ مِنْ شُكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْخَزَّازُ الْمُقِرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى أَبُو خَالِدٍ الْخَزَّازُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : ۝ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : " مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ " قَالَ : أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ : " مَا أَخْرَجَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ " قَالَ أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا . قَالَ : فَقَعَدَ عُمَرُ وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُهُمَا ، ثُمَّ قَالَ : " هَلْ بِكُمَا مِنْ قُوَّةٍ ، تَنْطَلِقَانِ إِلَى هَذَا النَّخْلِ فَتُصِيبَانِ طَعَامًا وَشَرَابًا 475 وَظِلًّا ؟ " قُلْنَا : نَعَمْ . قَالَ : " مُرُّوا بِنَا إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ التَّيْهَانِ أَبِي الْهَيْثَمِ الْأَنْصَارِيِّ " . قَالَ : فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَيْدِينَا ، فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - وَأُمُّ الْهَيْثَمِ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ تَسْمَعُ الْكَلَامَ ، تُرِيدُ أَنْ يَزِيدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّلَامِ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ خَرَجَتْ أَمُّ الْهَيْثَمِ تَسْعَى خَلْفَهُمْ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ - وَاللَّهِ - سَمِعْتُ تَسْلِيمَكَ ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَزِيدَنَا مِنْ سَلَامِكَ . فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَيْرًا " . ثُمَّ قَالَ : " أَيْنَ أَبُو الْهَيْثَمِ ؟ لَا أَرَاهُ " . قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هُوَ قَرِيبٌ ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ الْمَاءَ ، ادْخُلُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي السَّاعَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَبَسَطَتْ - بِسَاطًا تَحْتَ شَجَرَةٍ ، فَجَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ فَفَرِحَ بِهِمْ وَقَرَّتْ عَيْنَاهُ بِهِمْ ، فَصَعِدَ عَلَى نَخْلَةٍ فَصَرَمَ لَهُمْ أَعْذَاقًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَسْبُكَ يَا أَبَا الْهَيْثَمِ " . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَأْكُلُونَ مِنْ بُسْرِهِ ، وَمِنْ رُطَبِهِ ، وَمِنْ تَذْنُوبِهِ ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بِمَاءٍ فَشَرِبُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ " هَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّدَائِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ۝ بَيْنَمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ جَالِسَانِ ، إِذْ جَاءَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَا أَجْلَسَكُمَا هَاهُنَا ؟ " قَالَا : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجْنَا مِنْ بُيُوتِنَا إِلَّا الْجُوعُ . قَالَ : " وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجَنِي غَيْرُهُ " . فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا بَيْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَاسْتَقْبَلَتْهُمُ الْمَرْأَةُ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيْنَ فُلَانٌ ؟ " فَقَالَتْ : ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مَاءً . فَجَاءَ صَاحِبُهُمْ يَحْمِلُ قِرْبَتَهُ فَقَالَ : مَرْحَبًا ، مَا زَارَ الْعِبَادَ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ شَيْءٍ زَارَنِي الْيَوْمَ . فَعَلَّقَ قِرْبَتَهُ بِكَرْبِ نَخْلَةٍ وَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا كُنْتَ اجْتَنَيْتَ " ؟ فَقَالَ : أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونُوا الَّذِينَ تَخْتَارُونَ عَلَى أَعْيُنِكُمْ . ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ؟ " فَذَبَحَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ ، فَأَكَلُوا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ، فَلَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَبْتُمْ هَذَا ، فَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ بِهِ ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْمُحَارِبِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، بِنَحْوٍ مَنْ هَذَا السِّيَاقِ وَهَذِهِ الْقِصَّةِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ ، حَدَّثَنَا حَشْرَجٌ ، عَنْ أَبِي نُصْرَةَ ، عَنْ أَبِي عَسِيبٍ - يَعْنِي 476 مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - قَالَ : ۝ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا فَمَرَّ بِي ، فَدَعَانِي فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ : " أَطْعِمْنَا " . فَجَاءَ بِعِذْقٍ فَوَضَعَهُ ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبَ ، وَقَالَ : " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . قَالَ : فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ، حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا لَمَسْئُولٌ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : خِرْقَةٌ لَفَّ بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ ، أَوْ كَسْرَةٌ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ ، أَوْ جُحْرٌ تَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْقَرِّ " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا عَمَّارٌ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : ۝ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ رُطَبًا ، وَشَرِبُوا مَاءً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ " .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ [ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ جَابِرٍ ] بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ : ۝ لَمَّا نَزَلَتْ : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : ( لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ ؟ وَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ ، وَسُيُوفُنَا عَلَى رِقَابِنَا ، وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ ، فَعَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ ؟ قَالَ أَمَا إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ " .
وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ : كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فَطَلَعَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ . قَالَ : " أَجَلْ " . قَالَ : ثُمَّ خَاضَ النَّاسُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ ، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى ، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ " .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِهِ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَمٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ - يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ - الْعَبْدُ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ ، وَنَرْوِكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ ؟ " .
477
تَفَرَّدَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْرٍ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَ الزُّبَيْرُ : ۝ لَمَّا نَزَلَتْ : ( [ ثُمَّ ] لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لِأَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ ؟ قَالَ : " إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ " . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - بِهِ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الظَّهْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : ۝ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قَالَتِ الصَّحَابَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا نَأْكُلُ فِي أَنْصَافِ بُطُونِنَا خُبْزَ الشَّعِيرِ ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لَهُمْ : أَلَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعَالَ ، وَتَشْرَبُونَ الْمَاءَ الْبَارِدَ ؟ فَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - أَظُنُّهُ عَنْ عَامِرٍ - ۝ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : ( [ ثُمَّ ] لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قَالَ : " الْأَمْنُ وَالصِّحَّةُ " .
۝ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) يَعْنِي : شِبَعَ الْبُطُونِ ، وَبَارِدَ الشَّرَابِ ، وَظِلَالَ الْمَسَاكِنِ ، وَاعْتِدَالَ الْخَلْقِ ، وَلَذَّةَ النَّوْمِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ ، عَنْهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : حَتَّى عَنْ شَرْبَةِ عَسَلٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَنْ كُلِّ لَذَّةٍ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : نَعِيمُ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ ، وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ : مِنَ النَّعِيمِ أَكْلُ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ بِالْخَبْزِ النَّقِيِّ . وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ هَذَا أَشْمَلُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قَالَ : النَّعِيمُ : صِحَّةُ الْأَبْدَانِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ ، يَسْأَلُ اللَّهُ الْعِبَادَ فِيمَا اسْتَعْمَلُوهَا ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 36 ] .
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 478 ۝ " نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ : الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ " .
وَمَعْنَى هَذَا : أَنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ فِي شُكْرِ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ ، لَا يَقُومُونَ بِوَاجِبِهِمَا ، وَمَنْ لَا يَقُومُ بِحَقِّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ مَغْبُونٌ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَا فَوْقَ الْإِزَارِ ، وَظِلُّ الْحَائِطِ ، وَخُبْزٌ ، يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَوْ يُسْأَلُ عَنْهُ " ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا بَهْزٌ وَعَفَّانُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - قَالَ عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ : قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ عَفَّانُ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ - : يَا ابْنَ آدَمَ ، حَمَلْتُكَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ ، وَزَوَّجْتُكَ النِّسَاءَ ، وَجَعَلْتُكَ تَرْبَعُ وَتَرْأَسُ ، فَأَيْنَ شُكْرُ ذَلِكَ ؟ " تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " التَّكَاثُرِ " [ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ]
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith