تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 203 · printed p. 642
( لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236 ) )
أَبَاحَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى طَلَاقَ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : الْمَسُّ : النِّكَاحُ . بَلْ وَيَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ، وَالْفَرْضِ لَهَا إِنْ كَانَتْ مُفَوَّضَةً ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا انْكِسَارٌ لِقَلْبِهَا ; وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى بِإِمْتَاعِهَا ، وَهُوَ تَعْوِيضُهَا عَمَّا فَاتَهَا بِشَيْءٍ تُعْطَاهُ مِنْ زَوْجِهَا بِحَسْبَ حَالِهِ ، عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمِّيَّةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مُتْعَةُ الطَّلَاقِ أَعْلَاهُ الْخَادِمُ ، وَدُونَ ذَلِكَ الْوَرِقُ ، وَدُونَ ذَلِكَ الْكُسْوَةُ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنْ كَانَ مُوسِرًا مَتَّعَهَا بِخَادِمٍ ، أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا أَمْتَعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : أَوْسَطُ ذَلِكَ : دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَمِلْحَفَةٌ وَجِلْبَابٌ . قَالَ : وَكَانَ شُرَيْحٌ يُمَتِّعُ بِخَمْسِمِائَةٍ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : كَانَ يُمَتِّعُ بِالْخَادِمِ ، أَوْ بِالنَّفَقَةِ ، أَوْ بِالْكِسْوَةِ ، قَالَ : وَمَتَّعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِعَشَرَةِ آلَافٍ وَيُرْوَى أَنَّ الْمَرْأَةَ قَالَتْ :
﴿﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقٍ ﴿﴾ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِلَى أَنَّهُ مَتَى تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي مِقْدَارِ الْمُتْعَةِ وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : لَا يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى قَدْرٍ مَعْلُومٍ ، إِلَّا عَلَى أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُتْعَةِ ، وَأَحَبُّ ذَلِكَ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّهُ مَا تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ . وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : لَا أَعْرِفُ فِي الْمُتْعَةِ قَدْرًا إِلَّا أَنِّي أَسْتَحْسِنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ; لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا : هَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ ، أَوْ إِنَّمَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا ؟ عَلَى أَقْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُ تَجِبُ الْمُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) [ الْبَقَرَةِ : 241 ] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ) [ الْأَحْزَابِ : 28 ] وَقَدْ كُنَّ مَفْرُوضًا لَهُنَّ وَمَدْخُولًا بِهِنَّ ، وَهَذَا 642 قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ الْجَدِيدَ الصَّحِيحَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا تَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَفْرُوضًا لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ) [ الْأَحْزَابِ : 49 ] قَالَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَبِي أُسَيْدٍ أَنَّهُمَا قَالَا ۝ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَكَأَنَّمَا كَرِهَتْ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ أَبَا أَسِيدٍ أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رَازِقِيَّيْنِ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُتْعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِذَا كَانَتْ مُفَوَّضَةً ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَضَ لَهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ شَطْرُهُ ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ الْجَمِيعُ ، وَكَانَ ذَلِكَ عِوَضًا لَهَا عَنِ الْمُتْعَةِ ، وَإِنَّمَا الْمُصَابَةُ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا وَلَمْ يُدْخَلْ بِهَا فَهَذِهِ الَّتِي دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى وُجُوبِ مُتْعَتِهَا . وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٍ . وَمِنَ الْعُلَمَاءِ : مَنِ اسْتَحَبَّهَا لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مِمَّنْ عَدَا الْمُفَوَّضَةَ الْمُفَارِقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ : وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْكُورٍ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ آيَةُ التَّخْيِيرِ فِي الْأَحْزَابِ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) [ الْبَقَرَةِ : 241 ] .
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ مُطْلَقًا . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ الْقَزْوِينِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : ذَكَرُوا لَهُ الْمُتْعَةَ ، أَيُحْبَسُ فِيهَا ؟ فَقَرَأَ : ( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) قَالَ الشَّعْبِيُّ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا حَبَسَ فِيهَا ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَحَبَسَ فِيهَا الْقُضَاةُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith