تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
page 250 · printed p. 34
( إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 35 ) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ( 36 ) )
امْرَأَةُ عِمْرَانَ هَذِهِ أَمُّ مَرْيَمَ [ بِنْتِ عِمْرَانَ ] عَلَيْهَا السَّلَامُ وَهِيَ حَنَّةُ بِنْتُ فَاقُوذَ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَتِ امْرَأَةً لَا تَحْمِلُ ، فَرَأَتْ يَوْمًا طَائِرًا يَزُقُّ فَرْخَهُ ، فَاشْتَهَتِ الْوَلَدَ ، فَدَعَتِ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أَنْ يَهَبَهَا وَلَدًا ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهَا ، فَوَاقَعَهَا زَوْجُهَا ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، فَلِمَا تَحَقَّقَتِ الْحَمْلَ نَذَرَتْهُ أَنْ يَكُونَ ( مُحَرَّرًا ) أَيْ : خَالِصًا مُفَرَّغًا لِلْعِبَادَةِ ، وَلِخِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَقَالَتْ : ( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أَيْ : السَّمِيعُ لِدُعَائِي ، الْعَلِيمُ بِنِيَّتِي ، وَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مَا فِي بَطْنِهَا أَذَكَرًا أَمْ أُنْثَى ؟ ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ) قُرِئَ بِرَفْعِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهَا تَاءُ الْمُتَكَلِّمِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ قَوْلِهَا ، وَقُرِئَ بِتَسْكِينِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ) أَيْ : فِي الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ فِي الْعِبَادَةِ وَخِدْمَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ( وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّسْمِيَةِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ ، لِأَنَّهُ شَرْعُ مَنْ 34 قَبْلَنَا ، وَقَدْ حُكِيَ مُقَرَّرًا ، وَبِذَلِكَ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ : ۝ " وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ " . أَخْرَجَاهُ وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِيهِمَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ذَهَبَ بِأَخِيهِ ، حِينَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : ۝ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وُلِدَ لِي وَلَدٌ ، فَمَا أُسَمِّيهِ ؟ قَالَ : " اسْمُ وَلَدِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ " وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا : أَنَّهُ ۝ لَمَّا جَاءَهُ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ لِيُحَنِّكَهُ ، فَذَهَلَ عَنْهُ ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُوهُ فَرَدَّهُ إِلَى مَنْزِلِهِمْ ، فَلَمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ سَمَّاهُ الْمُنْذِرَ .
فَأَمَّا حَدِيثُ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " كُلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ ، يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ ، وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ " فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَيَرْوِي : " وَيُدَمَّى " ، وَهُوَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَذَا مَا رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ سَابِعِهِ وَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ . فَإِسْنَادُهُ لَا يَثْبُتُ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحِ وَلَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَشْهَرَ اسْمَهُ بِذَلِكَ يَوْمَئِذٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ إِخْبَارًا عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ أَنَّهَا قَالَتْ : ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) أَيْ : عَوَّذَتْهَا بِاللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ ، وَعَوَّذَتْ ذُرِّيَّتَهَا ، وَهُوَ وَلَدُهَا عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهَا ذَلِكَ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزَّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا مَسَّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّهِ إِيَّاهُ ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا " . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ ، عَنْ بَقِيَّةَ ، [ عَنِ 35 الزُّبَيْدِيِّ ] عَنِ الزَّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِنَحْوِهِ . وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ قَيْسٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيْطَانُ عَصْرَةً أَوْ عَصْرَتَيْنِ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَمَرْيَمَ " . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) .
وَمِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي يُونُسَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ وَهْبٌ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عَجْلَانَ مَوْلَى الْمُشْمَعِلِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، الْأَعْرَجِ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ تَلِدُهُ أُمُّهُ ، إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith