تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ( 187 ) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 188 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 189 ) )
هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ وَتَهْدِيدٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ ، الَّذِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْ يُنَوِّهُوا بِذِكْرِهِ فِي النَّاسِ لِيَكُونُوا عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ أَمْرِهِ ، فَإِذَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَابَعُوهُ ، 181 فَكَتَمُوا ذَلِكَ وَتَعَوَّضُوا عَمَّا وَعَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِالدُّونِ الطَّفِيفِ ، وَالْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ السَّخِيفِ ، فَبِئْسَتِ الصَّفْقَةُ صَفْقَتُهُمْ ، وَبِئْسَتِ الْبَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ .
وَفِي هَذَا تَحْذِيرٌ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَهُمْ فَيُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ ، وَيُسْلَكَ بِهِمْ مَسْلَكُهُمْ ، فَعَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَبْذُلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ ، الدَّالِّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَلَا يَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئًا ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ " .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا [ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ] ) الْآيَةَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُرَائِينَ الْمُتَكَثِّرِينَ بِمَا لَمْ يُعْطَوْا ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً " وَفِي الصَّحِيحِ : " الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ : اذْهَبْ يَا رَافِعُ - لِبَوَّابِهِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ - مُعَذَّبًا ، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمَا لَكُمْ وَهَذِهِ ؟ إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ : ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) الْآيَةَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ ، فَكَتَمُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ ، فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ ، بِنَحْوِهِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍّ : أَنَّ 182 مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ : اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَهُ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَزْوِ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا ، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ، فَنَزَلَتْ : ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) الْآيَةَ .
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، بِنَحْوِهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : كَانَ أَبُو سَعِيدٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عِنْدَ مَرْوَانَ فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، رَأَيْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) وَنَحْنُ نَفْرَحُ بِمَا أَتَيْنَا وَنُحِبُّ أَنْ نُحْمَدَ بِمَا لَمْ نَفْعَلْ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَاكَ ، إِنَّمَا ذَاكَ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ إِذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَكْبَةٌ فَرِحُوا بِتَخَلُّفِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ حَلَفُوا لَهُمْ لِيُرْضُوهُمْ وَيَحْمَدُوهُمْ عَلَى سُرُورِهِمْ بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ . فَقَالَ مَرْوَانُ : أَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : وَهَذَا يَعْلَمُ هَذَا ، فَقَالَ مَرْوَانُ : أَكَذَلِكَ يَا زَيْدُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، صَدَقَ أَبُو سَعِيدٍ . ثُمَّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : وَهَذَا يَعْلَمُ ذَاكَ - يَعْنِي رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ - وَلَكِنَّهُ يَخْشَى إِنْ أَخْبَرَكَ أَنْ تَنْزِعَ قَلَائِصَهُ فِي الصَّدَقَةِ . فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ زَيْدٌ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَلَا تَحْمَدُنِي عَلَى شَهَادَةٍ لَكَ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : شَهِدْتَ الْحَقَّ . فَقَالَ زَيْدٌ : أَوْ لَا تَحْمَدُنِي عَلَى مَا شَهِدْتُ الْحَقَّ ؟
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ مَرْوَانُ : يَا رَافِعُ ، فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ هَذِهِ ؟ فَذَكَرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَكَانَ مَرْوَانُ يَبْعَثُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَقَالَ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ ، لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ 183 هَلَكْتُ . قَالَ : " لِمَ ؟ " قَالَ : نَهَى اللَّهُ الْمَرْءَ أَنْ يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الْحَمْدَ . وَنَهَى اللَّهُ عَنِ الْخُيَلَاءِ ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الْجَمَالَ ، وَنَهَى اللَّهُ أَنْ نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ ، وَأَنَا امْرُؤٌ جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَّا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا ، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا ، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ ؟ " قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَعَاشَ حَمِيدًا ، وَقُتِلَ شَهِيدَا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ) يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْمُفْرَدِ ، وَبِالْيَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ ، أَيْ : لَا تَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ نَاجُونَ مِنَ الْعَذَابِ ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
ثُمَّ قَالَ : ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أَيْ : هُوَ مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ، فَهَابُوهُ وَلَا تُخَالِفُوهُ ، وَاحْذَرُوا نِقْمَتَهُ وَغَضَبَهُ ، فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ ، الْقَدِيرُ الَّذِي لَا أَقْدَرَ مِنْهُ .
هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ وَتَهْدِيدٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ ، الَّذِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْ يُنَوِّهُوا بِذِكْرِهِ فِي النَّاسِ لِيَكُونُوا عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ أَمْرِهِ ، فَإِذَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَابَعُوهُ ، 181 فَكَتَمُوا ذَلِكَ وَتَعَوَّضُوا عَمَّا وَعَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِالدُّونِ الطَّفِيفِ ، وَالْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ السَّخِيفِ ، فَبِئْسَتِ الصَّفْقَةُ صَفْقَتُهُمْ ، وَبِئْسَتِ الْبَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ .
وَفِي هَذَا تَحْذِيرٌ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَهُمْ فَيُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ ، وَيُسْلَكَ بِهِمْ مَسْلَكُهُمْ ، فَعَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَبْذُلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ ، الدَّالِّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَلَا يَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئًا ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ " .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا [ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ] ) الْآيَةَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُرَائِينَ الْمُتَكَثِّرِينَ بِمَا لَمْ يُعْطَوْا ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً " وَفِي الصَّحِيحِ : " الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ : اذْهَبْ يَا رَافِعُ - لِبَوَّابِهِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ - مُعَذَّبًا ، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمَا لَكُمْ وَهَذِهِ ؟ إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ : ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) الْآيَةَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ ، فَكَتَمُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ ، فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ ، بِنَحْوِهِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍّ : أَنَّ 182 مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ : اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَهُ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَزْوِ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا ، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ، فَنَزَلَتْ : ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) الْآيَةَ .
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، بِنَحْوِهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : كَانَ أَبُو سَعِيدٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عِنْدَ مَرْوَانَ فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، رَأَيْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) وَنَحْنُ نَفْرَحُ بِمَا أَتَيْنَا وَنُحِبُّ أَنْ نُحْمَدَ بِمَا لَمْ نَفْعَلْ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَاكَ ، إِنَّمَا ذَاكَ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ إِذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَكْبَةٌ فَرِحُوا بِتَخَلُّفِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ حَلَفُوا لَهُمْ لِيُرْضُوهُمْ وَيَحْمَدُوهُمْ عَلَى سُرُورِهِمْ بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ . فَقَالَ مَرْوَانُ : أَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : وَهَذَا يَعْلَمُ هَذَا ، فَقَالَ مَرْوَانُ : أَكَذَلِكَ يَا زَيْدُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، صَدَقَ أَبُو سَعِيدٍ . ثُمَّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : وَهَذَا يَعْلَمُ ذَاكَ - يَعْنِي رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ - وَلَكِنَّهُ يَخْشَى إِنْ أَخْبَرَكَ أَنْ تَنْزِعَ قَلَائِصَهُ فِي الصَّدَقَةِ . فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ زَيْدٌ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَلَا تَحْمَدُنِي عَلَى شَهَادَةٍ لَكَ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : شَهِدْتَ الْحَقَّ . فَقَالَ زَيْدٌ : أَوْ لَا تَحْمَدُنِي عَلَى مَا شَهِدْتُ الْحَقَّ ؟
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ مَرْوَانُ : يَا رَافِعُ ، فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ هَذِهِ ؟ فَذَكَرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَكَانَ مَرْوَانُ يَبْعَثُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَقَالَ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ ، لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ 183 هَلَكْتُ . قَالَ : " لِمَ ؟ " قَالَ : نَهَى اللَّهُ الْمَرْءَ أَنْ يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الْحَمْدَ . وَنَهَى اللَّهُ عَنِ الْخُيَلَاءِ ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الْجَمَالَ ، وَنَهَى اللَّهُ أَنْ نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ ، وَأَنَا امْرُؤٌ جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَّا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا ، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا ، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ ؟ " قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَعَاشَ حَمِيدًا ، وَقُتِلَ شَهِيدَا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ) يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْمُفْرَدِ ، وَبِالْيَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ ، أَيْ : لَا تَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ نَاجُونَ مِنَ الْعَذَابِ ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
ثُمَّ قَالَ : ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أَيْ : هُوَ مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ، فَهَابُوهُ وَلَا تُخَالِفُوهُ ، وَاحْذَرُوا نِقْمَتَهُ وَغَضَبَهُ ، فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ ، الْقَدِيرُ الَّذِي لَا أَقْدَرَ مِنْهُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith