تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ( 71 ) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ( 72 ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ( 73 ) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( 74 ) )
يَأْمُرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَخْذِ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّأَهُّبَ لَهُمْ بِإِعْدَادِ الْأَسْلِحَةِ وَالْعُدَدِ وَتَكْثِيرِ الْعَدَدِ بِالنَّفِيرِ فِي سَبِيلِهِ .
( ثُبَاتٍ ) أَيْ : جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ ، وَفِرْقَةً بَعْدَ فِرْقَةٍ ، وَسَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ ، وَالثُّبَاتُ : جَمْعُ ثُبَةٍ ، وَقَدْ تُجْمَعُ الثُّبَةُ عَلَى ثُبِينٍ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ ) أَيْ : عُصَبًا يَعْنِي : سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ ( أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ) يَعْنِي : كُلَّكُمْ .
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَخُصَيْفٍ الْجَزَرِيِّ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : ( لَيُبَطِّئَنَّ ) أَيْ : لَيَتَخَلَّفَنَّ عَنِ الْجِهَادِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَبَاطَأُ هُوَ فِي نَفْسِهِ ، وَيُبَّطِئُ غَيْرَهُ عَنِ الْجِهَادِ ، كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - يَفْعَلُ ، يَتَأَخَّرُ عَنِ الْجِهَادِ ، وَيُثَبِّطُ النَّاسَ عَنِ الْخُرُوجِ فِيهِ . وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ جَرِيرٍ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمُنَافِقِ أَنَّهُ يَقُولُ إِذَا تَأَخَّرَ عَنِ الْجِهَادِ : ( فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ) أَيْ : قَتْلٌ وَشَهَادَةٌ وَغَلَبُ الْعَدُوِّ لَكُمْ ، لِمَا لِلَّهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ( قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ) أَيْ : إِذْ لَمْ أَحْضُرْ مَعَهُمْ وَقْعَةَ الْقِتَالِ ، يَعُدُّ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَدْرِ مَا فَاتَهُ مِنَ الْأَجْرِ فِي الصَّبْرِ أَوِ الشَّهَادَةِ إِنْ قُتِلَ .
( وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ) أَيْ : نَصْرٌ وَظَفَرٌ وَغَنِيمَةٌ ( لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ) أَيْ : 358 كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ ( يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ) أَيْ : بِأَنْ يُضْرَبَ لِي بِسَهْمٍ مَعَهُمْ فَأَحْصُلَ عَلَيْهِ . وَهُوَ أَكْبَرُ قَصْدِهِ وَغَايَةُ مُرَادِهِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( فَلْيُقَاتِلْ ) أَيِ : الْمُؤْمِنُ النَّافِرُ ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ) أَيْ : يَبِيعُونَ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِكُفْرِهِمْ وَعَدَمِ إِيمَانِهِمْ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) أَيْ : كُلُّ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - سَوَاءٌ قُتِلَ أَوْ غَلَبَ وَسَلَبَ - فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَثُوبَةٌ عَظِيمَةٌ وَأَجْرٌ جَزِيلٌ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَتَكَفَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ ، إِنْ تَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ .
يَأْمُرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَخْذِ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّأَهُّبَ لَهُمْ بِإِعْدَادِ الْأَسْلِحَةِ وَالْعُدَدِ وَتَكْثِيرِ الْعَدَدِ بِالنَّفِيرِ فِي سَبِيلِهِ .
( ثُبَاتٍ ) أَيْ : جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ ، وَفِرْقَةً بَعْدَ فِرْقَةٍ ، وَسَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ ، وَالثُّبَاتُ : جَمْعُ ثُبَةٍ ، وَقَدْ تُجْمَعُ الثُّبَةُ عَلَى ثُبِينٍ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ ) أَيْ : عُصَبًا يَعْنِي : سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ ( أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ) يَعْنِي : كُلَّكُمْ .
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَخُصَيْفٍ الْجَزَرِيِّ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : ( لَيُبَطِّئَنَّ ) أَيْ : لَيَتَخَلَّفَنَّ عَنِ الْجِهَادِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَبَاطَأُ هُوَ فِي نَفْسِهِ ، وَيُبَّطِئُ غَيْرَهُ عَنِ الْجِهَادِ ، كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - يَفْعَلُ ، يَتَأَخَّرُ عَنِ الْجِهَادِ ، وَيُثَبِّطُ النَّاسَ عَنِ الْخُرُوجِ فِيهِ . وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ جَرِيرٍ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمُنَافِقِ أَنَّهُ يَقُولُ إِذَا تَأَخَّرَ عَنِ الْجِهَادِ : ( فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ) أَيْ : قَتْلٌ وَشَهَادَةٌ وَغَلَبُ الْعَدُوِّ لَكُمْ ، لِمَا لِلَّهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ( قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ) أَيْ : إِذْ لَمْ أَحْضُرْ مَعَهُمْ وَقْعَةَ الْقِتَالِ ، يَعُدُّ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَدْرِ مَا فَاتَهُ مِنَ الْأَجْرِ فِي الصَّبْرِ أَوِ الشَّهَادَةِ إِنْ قُتِلَ .
( وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ) أَيْ : نَصْرٌ وَظَفَرٌ وَغَنِيمَةٌ ( لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ) أَيْ : 358 كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ ( يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ) أَيْ : بِأَنْ يُضْرَبَ لِي بِسَهْمٍ مَعَهُمْ فَأَحْصُلَ عَلَيْهِ . وَهُوَ أَكْبَرُ قَصْدِهِ وَغَايَةُ مُرَادِهِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( فَلْيُقَاتِلْ ) أَيِ : الْمُؤْمِنُ النَّافِرُ ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ) أَيْ : يَبِيعُونَ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِكُفْرِهِمْ وَعَدَمِ إِيمَانِهِمْ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) أَيْ : كُلُّ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - سَوَاءٌ قُتِلَ أَوْ غَلَبَ وَسَلَبَ - فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَثُوبَةٌ عَظِيمَةٌ وَأَجْرٌ جَزِيلٌ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَتَكَفَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ ، إِنْ تَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith