تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
page 334 · printed p. 369
( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ( 84 ) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ( 85 ) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ( 86 ) )
( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ( 87 ) )
يَأْمُرُ تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاشِرَ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ ، وَمَنْ نَكَلَ عَلَيْهِ فَلَا عَلَيْهِ مِنْهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ )
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُبَيْحٍ ، حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ الْكِنْدِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ عَنِ الرَّجُلِ يَلْقَى مِائَةً مِنَ ، فَيُقَاتِلُ ، أَيَكُونُ مِمَّنْ يَقُولُ اللَّهُ : ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) [ الْبَقَرَةِ : 195 ] قَالَ : قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ )
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : قُلْتُ لِلْبَرَاءِ : الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَهْوَ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ ؟ قَالَ : لَا ; لِأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ) إِنَّمَا ذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بِهِ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَرْمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : ۝ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ] ) الْآيَةَ ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ : " قَدْ أَمَرَنِي رَبِّي بِالْقِتَالِ فَقَاتِلُوا " حَدِيثٌ غَرِيبٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ) أَيْ : عَلَى الْقِتَالِ وَرَغِّبْهُمْ فِيهِ وَشَجِّعْهُمْ عِنْدَهُ كَمَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهُوَ يُسَوِّي الصُّفُوفَ : ۝ " قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا " .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي التَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، وَآتَى الزَّكَاةَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ بِذَلِكَ ؟ فَقَالَ : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ . وَأَعْلَى الْجَنَّةِ ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ " .
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخِدْرِيِّ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا أَبَا سَعِيدٍ ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ 369 دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ " قَالَ : فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ : أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَفَعَلَ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " قَالَ : وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَقَوْلُهُ : ( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أَيْ : بِتَحْرِيضِكَ إِيَّاهُمْ عَلَى الْقِتَالِ تَنْبَعِثُ هِمَمُهُمْ عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ، وَمُدَافَعَتِهِمْ عَنْ حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ، وَمُقَاوَمَتِهِمْ وَمُصَابِرَتِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ) أَيْ : هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مَنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ] ) [ مُحَمَّدٍ : 4 ] .
وَقَوْلُهُ : ( مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ) أَيْ : مَنْ سَعَى فِي أَمْرٍ ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ خَيْرٌ ، كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ ( وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ) أَيْ : يَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرٌ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَى سَعْيِهِ وَنِيَّتِهِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ " .
وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شَفَاعَاتِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( مَنْ يَشْفَعْ ) وَلَمْ : مَنْ يُشَفَّعْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَطِيَّةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ : ( مُقِيتًا ) أَيْ : حَفِيظًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : شَهِيدًا . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : حَسِيبًا . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ : قَدِيرًا . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : الْمُقِيتُ : الْوَاصِبُ وَقَالَ الضَّحَّاكُ : الْمَقِيتُ : الرَّزَّاقُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ) قَالَ : يُقِيتُ كُلَّ إِنْسَانٍ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) أَيْ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْمُسْلِمُ ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا سَلَّمَ ، أَوْ رَدُّوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا سَلَّمَ [ بِهِ ] فَالزِّيَادَةُ مَنْدُوبَةٌ ، وَالْمُمَاثَلَةُ مَفْرُوضَةٌ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّرِيِّ الْأَنْطَاكِيُّ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ لَاحِقٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ : ۝ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ : " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " . ثُمَّ أَتَى آخَرُ 370 فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ " . ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَقَالَ لَهُ : " وَعَلَيْكَ " فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، أَتَاكَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَسَلَّمَا عَلَيْكَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا رَدَدْتَ عَلَيَّ . فَقَالَ : " إِنَّكَ لَمْ تَدَعْ لَنَا شَيْئًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) فَرَدَدْنَاهَا عَلَيْكَ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مُعَلَّقًا فَقَالَ : ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيِّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّرِيِّ - أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَنْطَاكِيُّ - قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ لَاحِقٍ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ .
وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ لَاحِقٍ أَبُو عُثْمَانَ ، فَذَكَرَهُ بِمِثْلِهِ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي الْمُسْنَدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا زِيَادَةَ فِي السَّلَامِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، إِذْ لَوْ شُرِعَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، لَزَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ - أَخُو سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ; ۝ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ ، فَقَالَ : " عَشْرٌ " . ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ . فَرَدَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ جَلَسَ ، فَقَالَ : " عِشْرُونَ " . ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . فَرَدَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ جَلَسَ ، فَقَالَ : " ثَلَاثُونَ " .
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِهِ ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَلِيٍّ وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ] .
وَقَالَ الْبَزَّارُ : قَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ ، هَذَا أَحْسَنُهَا إِسْنَادًا وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ يُسَلِّمْ عَلَيْكَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، فَارْدُدْ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا ; ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا )
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ) يَعْنِي : لِلْمُسْلِمِينَ ( أَوْ رُدُّوهَا ) يَعْنِي : لِأَهْلِ الذِّمَّةِ .
وَهَذَا التَّنْزِيلُ فِيهِ نَظَرٌ ، بَلْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَرُدَّ بِأَحْسَنِ مِمَّا حَيَّاهُ بِهِ ، فَإِنْ بَلَغَ 371 الْمُسْلِمُ غَايَةَ مَا شُرِعَ فِي السَّلَامِ ; رُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا قَالَ ، فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَلَا يُبْدَءُونَ بِالسَّلَامِ وَلَا يُزَادُونَ ، بَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ : السَّامُّ عَلَيْكَ فَقُلْ : وَعَلَيْكَ " .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ " .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : السَّلَامُ تَطَوُّعٌ ، وَالرَّدُّ فَرِيضَةٌ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً : أَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ ، فَيَأْثَمُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ ; لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : ( فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) إِخْبَارٌ بِتَوْحِيدِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَتَضَمَّنَ قَسَمًا ، لِقَوْلِهِ : ( لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ) وَهَذِهِ اللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ ، فَقَوْلُهُ : ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) خَبَرٌ وَقَسَمٌ أَنَّهُ سَيَجْمَعُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ) أَيْ : لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ فِي حَدِيثِهِ وَخَبَرِهِ ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith