تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 397 · printed p. 143
( قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ( 59 ) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ( 60 ) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ( 61 ) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 ) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( 63 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ : ( هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ) أَيْ : هَلْ لَكَمَ عَلَيْنَا مَطْعَنٌ أَوْ عَيْبٌ إِلَّا هَذَا؟ وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا مَذَمَّةٍ ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) [ الْبُرُوجِ : 8 ] وَكَقَوْلِهِ : ( وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [ التَّوْبَةِ : 74 ] وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : ۝ " مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلَى ( أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ) أَيْ : وَآمَنَّا بِأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ، أَيْ : خَارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ .
ثُمَّ قَالَ : ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ) أَيْ : هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ جَزَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِمَّا تَظُنُّونَهُ بِنَا؟ وَهُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ هُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَصِيرَةِ ، فَقَوْلُهُ : ( مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ) أَيْ : أَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ ( وَغَضِبَ عَلَيْهِ ) أَيْ : غَضَبًا لَا يَرْضَى بَعْدَهُ أَبَدًا ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ) كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ . وَكَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ]
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ۝ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ، أَهِيَ مِمَّا مَسَخَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] ؟ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا - أَوْ قَالَ : لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا - فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ " .
143
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمِسْعَرٍ كِلَاهُمَا ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ بِهِ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْأَعْيَنِ الْعَبْدِيِّ ۝ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ، أَهِيَ مِنْ نَسْلِ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ : " لَا ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلْعَنْ قَوْمًا فَيَمْسَخُهُمْ فَكَانَ لَهُمْ نَسْلٌ ، وَلَكِنْ هَذَا خَلْقٌ كَانَ ، فَلَمَّا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ فَمَسَخَهُمْ ، جَعَلَهُمْ مِثْلَهُمْ " .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " الْحَيَّاتُ مَسْخُ الْجِنِّ ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا .
وَقَوْلُهُ : ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) وَقُرِئَ ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ ، " وَالطَّاغُوتَ " مَنْصُوبٌ بِهِ ، أَيْ : وَجُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ . وَقُرِئَ : ( وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ ) بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى : وَجَعَلَ مِنْهُمْ خَدَمَ الطَّاغُوتِ ، أَيْ : خُدَّامَهُ وَعَبِيدَهُ . وَقُرِئَ ( وَعُبُدُ الطَّاغُوتِ ) عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ : عَبْدُ وَعَبِيدٌ وَعُبُدٌ ، مِثْلَ ثِمَارٍ وَثُمُرٌ . حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ . وَحُكِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : " وَعَابِدَ الطَّاغُوتِ " ، وَعَنْ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ : " وَعَبَدُوا " ، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ) عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَ مَعْنَاهَا . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ ، أَيْ : وَقَدْ عُبِدَتِ الطَّاغُوتُ فِيكُمْ ، وَكُنْتُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعَاطَوْا ذَلِكَ .
وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّكُمْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الطَّاعِنِينَ فِي دِينِنَا ، وَالَّذِي هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَاتِ دُونَ [ مَا ] سِوَاهُ ، كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْكُمْ هَذَا وَأَنْتُمْ قَدْ وُجِدَ مِنْكُمْ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ؟ وَلِهَذَا قَالَ : ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا ) أَيْ : مِمَّا تَظُنُّونَ بِنَا ( وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ )
144
وَهَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفَعَلَ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيْسَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مُشَارَكَةٌ ، كَقَوْلِهِ : ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) [ الْفَرْقَانِ : 24 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ) وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ ، أَنَّهُمْ يُصَانِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الظَّاهِرِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْكُفْرِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَقَدْ دَخَلُوا [ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ] ) أَيْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ ( بِالْكُفْرِ ) أَيْ : مُسْتَصْحِبِينَ الْكُفْرَ فِي قُلُوبِهِمْ ، ثُمَّ خَرَجُوا وَهُوَ كَامِنٌ فِيهَا ، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا قَدْ سَمِعُوا مِنْكَ مِنَ الْعِلْمِ ، وَلَا نَجَعَتْ فِيهِمُ الْمَوَاعِظُ وَلَا الزَّوَاجِرُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَهُمْ [ قَدْ ] خَرَجُوا بِهِ ) فَخَصَّهُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ) أَيْ : وَاللَّهُ عَالِمٌ بِسَرَائِرِهِمْ وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِمْ ضَمَائِرُهُمْ وَإِنْ أَظْهَرُوا لِخَلْقِهِ خِلَافَ ذَلِكَ ، وَتَزَيَّنُوا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ ، فَإِنَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) أَيْ : يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ ( لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أَيْ : لَبِئْسَ الْعَمَلُ كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاءُ اعْتِدَاؤُهُمْ .
قَوْلُهُ : ( لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) يَعْنِي : هَلَّا كَانَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ . وَالرَّبَّانِيُّونَ وَهُمُ : الْعُلَمَاءُ الْعُمَّالُ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ ، وَالْأَحْبَارُ : وَهُمُ الْعُلَمَاءُ فَقَطْ .
( لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ ، أَنَّهُمْ : بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ . يَعْنِي : فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ لَمْ يَنْهَوْا ، وَلِهَؤُلَاءِ حِينَ عَلِمُوا . قَالَ : وَذَلِكَ الْأَرْكَانُ . قَالَ : " وَيَعْمَلُونَ " وَ " يَصْنَعُونَ " وَاحِدٌ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) قَالَ : كَذَا قَرَأَ .
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ : مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهَا : إِنَّا لَا نَنْهَى . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي الْوَضَّاحِ ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ : رَأَيْتُهُ بِالرَّيِّ فَحَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ : خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ 145 بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِي ، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ . فَمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلَا يُقَرِّبُ أَجَلًا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَمْنَعُ ، لَمْ يُغَيِّرُوا ، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعَذَابٍ " .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي ، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغِّيرُوا عَلَيْهِ ، فَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا " .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ .
قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ : وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ إِسْحَاقَ بِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith